Article
من "فناء المادة" إلى "أفق اللقاء
تمهيد: الموت بوصفه "المحك" النظري للرؤى الإنسانية تشكل قضية الموت، في صميم أي مشروع فكري أو نظرية نفسية أو رؤية فلسفية، محكاً نهائياً يمتحن مصداقية النموذج وعمقه وقدرته على الإجابة عن الأسئلة الإنسانية القصوى. فالموت، بوصفه حداً أقصى للتجربة البشرية، يفرض على كل نموذج نظري أن يجيب عن أسئلة قد يستطيع تجاهلها أو تأجيلها في السياقات العادية: ما معنى الوجود إن كان محكوماً بالفناء؟ وماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ وهل يمكن أن تكون للحياة قيمة مطلقة دون أفق يتجاوزها؟ إن المدارس المادية، التي اختزلت الإنسان في الجسد والدماغ، تجد نفسها عاجزة أمام الموت، إذ لا تقدم سوى رؤية عبثية تحوّل الوجود إلى ومضة عابرة بين عدمين. أما المدارس الوجودية، فرغم شجاعتها في مواجهة القلق، تظل أسيرة الأفق الأرضي، تدعو إلى صنع المعنى دون أن تستطيع منحه الضمانة أو الامتداد. غير أن علم النفس الاستخلافي يقدم رؤية مغايرة جذرياً: فالموت – فيه – ليس نهاية، بل هو الأفق اللانهائي والعتبة واللقاء. إنه، كما يفصل، الحدث الذي يعيد تعريف الوجود الإنساني بعيداً عن الفناء المادي الصرف، ويربطه بالمرجعية المتعالية التي تعطي للحياة معناها واتجاهها [1]. تسعى هذه الدراسة – المستندة إلى مكتبة مشروع الزراع ومصنفاته – إلى تفكيك هذا المفهوم وبيان أبعاده الوجودية والعلاجية، ومقارنته بالمواقف الأخرى، وبيان كيفية تكامله مع مفاهيم الكينتسوغي النفسي وسيادة الانتباه والهندسة الوجودية في بناء نموذج محرر للإنسان. --- الفصل الأول: أركيولوجيا الموت – تفكيك المواقف وبيان قصورها