العودة إلى المقالات
من "فلسفة الاستخلاف" إلى "هندسة الوجود"

Article

من "فلسفة الاستخلاف" إلى "هندسة الوجود"

12 juil. 2026

تمهيد: علم النفس الاستخلافي بوصفه "مشروعاً حضارياً" — مبررات القراءة الموسّعة في مشهد العلوم الإنسانية المعاصرة، تبرز ظاهرة علم النفس الإسلامي كواحدة من أهم التحولات البارادايمية في العقود الأخيرة. فبعد عقود من الهيمنة شبه المطلقة للنماذج الغربية — التحليل النفسي، السلوكية، المعرفية، الإنسانية، والمعرفية-السلوكية الجيل الثالث — بدأ الباحثون المسلمون، بشكل متزايد، في التساؤل عن مدى ملاءمة هذه النماذج للخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات الإسلامية، وشرعوا في بناء نماذج بديلة تستند إلى التراث الإسلامي وتنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان.

علم النفس الاستخلافي
سلسلة الدراسات التأصيلية والنقدية — دراسة موسّعة
من "فلسفة الاستخلاف" إلى "هندسة الوجود"
أكاديمية معمّقة في تطور علم النفس الاستخلافي: من التأصيل الفلسفي إلى التطبيق الإكلينيكي، مع قراءة نقدية-منهجية في مكانته ضمن حقل علم النفس الإسلامي المعاصر

الطبعة — 1447هـ / 2026م

تمهيد: علم النفس الاستخلافي بوصفه "مشروعاً حضارياً" — مبررات القراءة الموسّعة
في مشهد العلوم الإنسانية المعاصرة، تبرز ظاهرة علم النفس الإسلامي كواحدة من أهم التحولات البارادايمية في العقود الأخيرة. فبعد عقود من الهيمنة شبه المطلقة للنماذج الغربية — التحليل النفسي، السلوكية، المعرفية، الإنسانية، والمعرفية-السلوكية الجيل الثالث — بدأ الباحثون المسلمون، بشكل متزايد، في التساؤل عن مدى ملاءمة هذه النماذج للخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات الإسلامية، وشرعوا في بناء نماذج بديلة تستند إلى التراث الإسلامي وتنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان.
وفي قلب هذه الحركة يقع علم النفس الاستخلافي (Vicegerent / Istikhlāfī Psychology)، الذي يُشكّل — كما سنُبيّن بتفصيل أوسع في هذه الطبعة الموسّعة — نقلة نوعية في هذا المسار. فهو لا يكتفي بأسلمة النماذج الغربية (أي إضافة بعض المفاهيم الإسلامية إلى أطر موجودة مسبقاً)، بل يحاول، بشكل جذري، تأسيس علمٍ جديد ينطلق من الوحي والفطرة ومفهوم الاستخلاف، ويبني أدواته ومناهجه وبروتوكولاته الخاصة.
تضيف هذه الطبعة الموسّعة إلى الدراسة الأصلية أربعة أبعاد رئيسية: أولاً، تعميقاً في التأصيل التراثي بإدراج ابن القيم الجوزية وابن سينا كحلقتين إضافيتين في سلسلة الجذور؛ ثانياً، سياقاً أوسع لحركة "أسلمة المعرفة" التي أطّرت الحقل قبل ظهور المصطلح نفسه؛ ثالثاً، فصلاً نقدياً-منهجياً مستقلاً يفحص علم النفس الاستخلافي بمعايير فلسفة العلم (كون، بوبر، لاكاتوش)؛ ورابعاً، فصلاً مقارناً يُموضع المشروع الاستخلافي داخل الخريطة الأوسع لعلم النفس الإسلامي المعاصر (نماذج TIIP، ومحاولات رزفان وكابليك في تصنيف الحقل). والهدف من هذا التوسّع ليس التمجيد ولا التفنيد، بل تقديم قراءة أكاديمية متوازنة تحترم منطق "الاجتهاد" الذي يحكم هذا الحقل الناشئ، مع إخضاعه — في الوقت ذاته — لمساءلة معرفية صارمة.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
سورة البقرة: 30

الفصل الأول: الجذور والأصول — التراث الإسلامي وبذور الاستخلاف
1.1 القرآن الكريم والأنطولوجيا الاستخلافية: الخلافة والأمانة والتسخير
اللبنة الأولى والأساس المتين الذي يقوم عليه علم النفس الاستخلافي، بكل مدارسه واتجاهاته، هو الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه خليفة في الأرض. هذه الآية، كما يؤكد كل الباحثين في هذا الحقل، ترسي الأسس الأنطولوجية والأخلاقية للتصور الإسلامي للإنسان:
• الاستخلاف: الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي أو اجتماعي، بل هو مُكلَّف بمهمة مقدسة: عمارة الأرض وإقامة العدل والعبادة.
• الأمانة: الاستخلاف ليس تشريفاً فقط، بل هو تكليف ومسؤولية، فالإنسان حَمَل الأمانة التي أبَتْ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها (الأحزاب: 72).
• التسخير: سخّر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض (الجاثية: 13)، ليستعين بذلك على أداء مهمته الاستخلافية.
ولتعميق هذا التأصيل، لا بد من إضافة ثالوث مفاهيمي مكمّل يستدعيه المنطق الداخلي للنص القرآني نفسه، وهو ثالوث الابتلاء والاستقامة والفلاح. فالاستخلاف — في البنية القرآنية — لا يُمنح مجرداً عن الاختبار: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 2). وهذا البُعد الابتلائي هو ما يمنح النموذج الاستخلافي — من الناحية الإكلينيكية — إطاراً لتفسير المعاناة النفسية بوصفها جزءاً بنيوياً من مسار الاستخلاف لا شذوذاً عنه، وهو ما يُميّزه، كما سنرى لاحقاً، عن النماذج المرضية (Pathology-centered) في علم النفس الغربي التي تنزع إلى معالجة الألم بوصفه خللاً يجب إزالته لا امتحاناً يجب فهمه وتجاوزه.
1.2 الثالوث الاصطلاحي عند الغزالي: النفس والقلب والروح والعقل
قبل أن يظهر علم النفس كتخصص مستقل في الغرب، كان العلماء المسلمون، من فلاسفة وأطباء ومتصوفة، يمارسون نوعاً من التحليل النفسي والعلاج الروحي في إطار الرؤية الإسلامية. ويأتي أبو حامد الغزالي (ت. 1111م) في مقدمة هؤلاء. ففي موسوعته الضخمة إحياء علوم الدين، قدّم الغزالي تحليلاً دقيقاً وعميقاً للنفس الإنسانية ومستوياتها وأمراضها وعلاجها.
والمُلاحظ — عند التعمق في منهجه — أن الغزالي لم يكتفِ بتعداد هذه المصطلحات الأربعة (النفس، القلب، الروح، العقل)، بل بنى بينها شبكة علاقات وظيفية دقيقة: فالقلب عنده هو مركز الإدراك واللطيفة الربانية التي بها يعرف الإنسان ربه؛ والنفس هي محل الأهواء والشهوات في حالتها الأمّارة، وموضع الرقابة الذاتية في حالتها اللوّامة، ومقام السكينة في حالتها المطمئنة؛ والروح هي اللطيفة العالمة المدركة؛ والعقل هو أداة التمييز والنظر. وهذا التمايز الوظيفي — لا الجوهري فقط — هو ما يجعل تصنيف الغزالي أقرب إلى "نموذج بنيوي متعدد الطبقات" (Multi-layered structural model) منه إلى تعداد اصطلاحي، وهو ما استثمره الزراع لاحقاً في بناء "سلسلة النفس الإنسانية" ضمن مشروعه التطبيقي.
كما حلّل الغزالي آفات النفس، كالحسد والرياء والغضب وحب الدنيا، وقدّم برنامجاً عملياً لتزكية النفس وتهذيب الأخلاق يقوم على المجاهدة والمراقبة والمحاسبة والمعاتبة والمعاقبة، وهي خطوات إجرائية متسلسلة تحمل — من حيث البنية المنهجية لا المحتوى العقدي — شبهاً وظيفياً بمراحل التدخل العلاجي المُهيكل في العلاجات النفسية المعاصرة.
1.3 المحاسبي ومحاسبة النفس: هل هو رائد للعلاج المعرفي-السلوكي؟
في كتابه الرعاية لحقوق الله، أسس الحارث بن أسد المحاسبي (ت. 857م) لعلم محاسبة النفس ومراقبتها، وهو ما يجعله في نظر كثير من الباحثين المعاصرين رائداً في العلاج المعرفي والسلوكي قبل أن يظهر هذا المصطلح في الغرب بقرون. غير أن الدقة الأكاديمية تقتضي التمييز هنا بين تشابه وظيفي وتطابق منهجي. فالمحاسبة عند المحاسبي عملية أخلاقية-تعبدية غايتها القرب من الله وتزكية النفس، بينما تقنيات إعادة البنية المعرفية (Cognitive Restructuring) في العلاج المعرفي-السلوكي الحديث غايتها تصحيح التشوهات المعرفية (Cognitive Distortions) بمعيار وظيفي واقعي لا أخلاقي-تعبدي. الشبه بينهما إذن شبه في البنية الإجرائية — الملاحظة الذاتية، ثم التقييم، ثم التصحيح — لا تطابق في الغاية والمرجعية، وهذا التمييز ضروري لتفادي الوقوع فيما يمكن تسميته "مصادرة استعادية" (Retrospective Annexation)، أي إسقاط أطر معاصرة على نصوص تراثية دون مراعاة سياقها الخاص.
1.4 امتدادات تراثية إضافية: ابن القيم وابن سينا
تستدعي القراءة الموسّعة لهذا الحقل إضافة حلقتين تراثيتين أخريين، غالباً ما تُغفَلان في الأدبيات المُختصرة عن علم النفس الإسلامي:
• ابن قيم الجوزية (ت. 1350م): في كتابه إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، وكذلك في مدارج السالكين، قدّم ابن القيم تحليلاً دقيقاً لأمراض القلوب ومراتب السالكين، مميزاً بين علل إرادية وعلل اعتقادية، وهو تمييز يحمل صدى وظيفياً مع التمييز المعاصر بين الاضطرابات الوجدانية (Affective) والاضطرابات المعرفية-الاعتقادية (Cognitive-Belief-based).
• ابن سينا (ت. 1037م): في القانون في الطب، ناقش ابن سينا العلاقة بين النفس والبدن (Psychosomatic interplay)، وأشار إلى تأثير الانفعالات النفسية على الصحة الجسدية، وهو ما يُعتبر — من زاوية تاريخ الطب — أحد أقدم الإشارات المنهجية إلى ما يُعرف اليوم بالطب النفس-جسدي.
هؤلاء العلماء، وغيرهم كثير، لم يستخدموا مصطلح "علم النفس الاستخلافي"، لكن أعمالهم تشكل بلا شك الجذور التاريخية والتراثية لهذا العلم، والمادة الخام التي يستند إليها الباحثون المعاصرون، على أن يُراعى في توظيفها المبدأ المنهجي المشار إليه أعلاه: التمييز بين الاستلهام المشروع والمصادرة الاستعادية.
الفصل الثاني: المرحلة الحديثة المبكرة — محاولات التأصيل وأسلمة علم النفس
2.1 مالك بدري ومحمد عثمان نجاتي: رواد علم النفس الإسلامي
في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت محاولات جادة لتأصيل علم النفس في التراث الإسلامي، وتقديم بديل إسلامي للنماذج الغربية. ومن أبرز رواد هذه المرحلة مالك بدري (ت. 2021م)، الذي وجّه في كتابه The Dilemma of Muslim Psychologists نقداً لاذعاً للنموذج الغربي الذي يُهمل البُعد الروحي، ودعا إلى بناء علم نفس إسلامي أصيل. وكذلك محمد عثمان نجاتي (ت. 2014م)، الذي حاول في كتبه المتعددة استخراج المفاهيم النفسية من النصوص المقدسة، وبيان سبق الإسلام إلى كثير من الحقائق النفسية.
2.2 السياق الأوسع: حركة "أسلمة المعرفة"
لا يمكن فهم مشروع بدري ونجاتي بمعزل عن الحركة الفكرية الأوسع التي عُرفت باسم "أسلمة المعرفة" (Islamization of Knowledge)، والتي نظّر لها مفكرون مثل إسماعيل راجي الفاروقي ونقلا الأتاس، بوصفها مشروعاً لإعادة صياغة العلوم الإنسانية والاجتماعية على أساس التصور الإسلامي للوجود والمعرفة والقيمة. وقد شكّلت هذه الحركة الإطار المرجعي العام الذي نشأ داخله علم النفس الإسلامي المبكر، قبل أن يتفرع لاحقاً إلى اتجاهات أكثر تخصصاً، منها ما احتفظ بالطابع الفلسفي العام (كمشروع أسلمة المعرفة نفسه)، ومنها ما اتجه نحو التخصص الإكلينيكي الدقيق (كما سنرى في مشاريع لاحقة).
2.3 نقد منهجي للمرحلة التأسيسية المبكرة
رغم أهمية هذه المرحلة التاريخية، فإن القراءة النقدية المتأنية تكشف عن ثلاث إشكاليات منهجية أساسية ظلت ملازمة لها:
• الاستدلال الاستشهادي (Prooftexting): الميل إلى استخراج الآيات والأحاديث التي "تُثبت" مفاهيم نفسية معينة، دون بناء منهج تفسيري منضبط يُميّز بين الدلالة النصية المباشرة والاستنباط النفسي الثانوي.
• غياب الأدوات القياسية: لم تُنتج هذه المرحلة مقاييس نفسية (Psychometric instruments) قابلة للتحقق التجريبي، فظل الخطاب في مستوى التنظير الوصفي لا الإجراء القابل للاختبار.
• ازدواجية المرجعية: التردد بين موقف "إحلالي" (استبدال النماذج الغربية كليةً) وموقف "تكاملي" (دمج انتقائي مع الحفاظ على الإطار الغربي العام)، دون حسم فلسفي واضح لطبيعة العلاقة بين المرجعيتين.
هذه المحاولات، رغم أهميتها وقيمتها التأسيسية، ظلت في معظمها في إطار أسلمة علم النفس (أي إضافة بُعد إسلامي إلى النماذج الموجودة)، ولم تصل إلى مستوى التأسيس لعلم جديد مستقل بأدواته ومناهجه — وهو ما مهّد الطريق أمام المرحلة الفلسفية التالية.
الفصل الثالث: التأسيس الفلسفي — صبري محمد خليل وفلسفة الاستخلاف
3.1 صبري خليل: المهندس المعماري للنظرية
يُعتبر الدكتور صبري محمد خليل (أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم)، كما يُجمع الباحثون، المؤسس الفلسفي لعلم النفس الاستخلافي. ففي أعماله الرائدة، التي نُشرت في الفترة ما بين 2015 و2021، قام خليل بتأصيل المفهوم وبيان أبعاده الفلسفية والمنهجية والمعرفية. وإسهامه الأساسي، كما يمكن تلخيصه، هو ربط علم النفس بمفهوم الاستخلاف بوصفه المحور المركزي الذي يدور حوله كل البناء النظري، وتحديد الأسس الفلسفية والمنهجية التي تُميّزه عن غيره من اتجاهات علم النفس الإسلامي.
3.2 حدود المرحلة الفلسفية: النظرية وغياب التطبيق
لكن مشروع صبري خليل، كما يُلاحظ الباحثون، ظل إلى حد كبير مشروعاً فلسفياً ونظرياً. فتركيزه كان على التأصيل وبيان الأبعاد الفلسفية والمنهجية والمعرفية، ولم يمتد بشكل كافٍ إلى الجانب التطبيقي والإجرائي. فأسئلة من نوع: كيف نُطبّق هذه المفاهيم في العيادة؟ وما هي الأدوات التي نستخدمها؟ وكيف نقيس "الاستخلاف" و"الفلاح"؟ ظلت في مشروعه بلا إجابة واضحة.
3.3 قراءة إبستمولوجية نقدية: هل يستوفي المشروع شروط "العلم"؟
تستدعي الأمانة الأكاديمية إخضاع هذه المرحلة التأسيسية لمساءلة من زاوية فلسفة العلم، دون أن يعني ذلك إصدار حكم قطعي بالنفي أو الإثبات، بل فتح أفق نقاش يخدم نضج الحقل. ثلاثة أطر تحليلية تُقدّم هنا عدسات مفيدة:
• توماس كون (Kuhn) والنموذج الإرشادي (Paradigm): يرى كون أن العلم لا يتقدم تراكمياً خطياً بل عبر "ثورات" تستبدل نموذجاً إرشادياً بآخر. من هذه الزاوية، يمكن قراءة الانتقال من "أسلمة المعرفة" إلى "التأصيل الفلسفي" ثم إلى "البروتوكول التطبيقي" بوصفه محاولة تشكيل نموذج إرشادي بديل، لكن كون نفسه يشترط لاكتمال هذا التحول وجود "علم طبيعي" (Normal science) قائم على حل الألغاز ضمن مجتمع علمي متفق على المعايير، وهو شرط لم يتحقق بعد بالكامل في هذا الحقل الناشئ.
• كارل بوبر (Popper) ومعيار قابلية التكذيب (Falsifiability): يشترط بوبر لاعتبار قضية ما "علمية" إمكان تصميم اختبار يمكن، من حيث المبدأ، أن يُفنّدها. وهنا يبرز سؤال جوهري لعلم النفس الاستخلافي في طوره النظري: كيف يمكن تصميم اختبار يُمكن أن "يُفنّد" مفهوم "الاستخلاف" أو "الفلاح" كمتغير نفسي؟ هذا السؤال لا يبطل المشروع، لكنه يُحدّد بدقة أين ينتهي حيّز "الفلسفة الأخلاقية-الدينية" وأين يبدأ حيّز "العلم التجريبي" بالمعنى الوضعي الدقيق.
• إمري لاكاتوش (Lakatos) وبرامج البحث العلمي (Research Programmes): يقترح لاكاتوش معياراً أكثر مرونة من بوبر، يقوم على وجود "نواة صلبة" (Hard core) من المبادئ غير القابلة للتفنيد المباشر، محاطة بـ"حزام واقٍ" (Protective belt) من الفرضيات القابلة للتعديل والاختبار. وبهذا المعيار، يمكن اعتبار "الاستخلاف" نواة صلبة (مسلّمة أنطولوجية-قيمية)، بينما تكون الأدوات والبروتوكولات الإجرائية (كـ TLRT ومقاييسه) هي الحزام الواقي القابل للتطوير والاختبار والتصحيح التجريبي. وهذا الإطار — كما سنرى في الفصل الخامس — هو الأقرب لوصف الحالة الراهنة لعلم النفس الاستخلافي: مشروع في طور الانتقال من "فلسفة نفسية" (Philosophical psychology) إلى "برنامج بحث علمي" (Scientific research programme) بالمعنى اللاكاتوشي، دون أن يكون قد اكتمل بعد كأحدهما بمعزل عن الآخر.
الفصل الرابع: المرحلة التطبيقية المتكاملة — عبد السلام الزراع وثورة TLRT
4.1 عبد السلام الزراع: المهندس التنفيذي للنظرية
يُعتبر الباحث عبد السلام الزراع (تونس، قصور الساف)، كما يُجمع المتابعون، المطوّر الأهم لعلم النفس الاستخلافي في مرحلته التطبيقية والإجرائية. فالزراع، الذي يعمل باحثاً مستقلاً، استطاع في فترة وجيزة أن يُحوّل النظرية الفلسفية التي أرساها خليل إلى "هندسة وجودية" متكاملة وبروتوكول علاجي محكم. وإسهاماته، كما يمكن رصدها عبر موقعه الإلكتروني (zaraapsychology.com) ومصنفاته العديدة، تتسم بثلاث سمات أساسية: الشمول، والتطبيق، والمعاصرة.
4.2
، يقف الباحث عبد السلام الزراع كرائد للمرحلة التطبيقية، ومؤسس لأول بروتوكول علاجي متكامل في تاريخ هذا العلم. والأسئلة المفتوحة التي يطرحها مشروعه كثيرة وعميقة: هل يستطيع TLRT أن يُثبت فعاليته عبر الدراسات التجريبية المحكّمة؟ وهل يستطيع علم النفس الاستخلافي أن ينتشر خارج دائرة المختصين ويصل إلى عموم المسلمين؟ وهل يستطيع أن يحافظ على أصالته واستقلاله في مواجهة العولمة والهيمنة الغربية، وأن يكسب في الوقت ذاته اعتراف المؤسسة العلمية الدولية بصرامته المنهجية؟
هذه أسئلة المستقبل. والإجابة عنها ستُحدد، إلى حد كبير، مصير هذا المشروع الواعد — مشروع لا يُقاس نجاحه فقط بعمق تأصيله النظري، بل أيضاً، وبنفس القدر، بقدرته على إثبات جدواه الإكلينيكية بالمعايير التي يحترمها المجتمع العلمي عبر الثقافات.
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
سورة التوبة: 105
المراجع والمصادر
أولاً: المصادر الأساسية (النموذج الاستخلافي — عبد السلام الزراع)
1. الزراع، عبد السلام. (2026). العلاج بحرث المصالحة التحويلية (TLRT): الدليل النظري والإكلينيكي. (الطبعة التجريبية الأولى). [متاح عبر: zaraapsychology.com]
2. الزراع، عبد السلام. (2026). الفصام الأخلاقي ومصدر الأزمات النفسية: قراءة في ضوء نظرية TLRT.
3. الزراع، عبد السلام. (2026). التمثلات الداخلية للإله: من نظرية ريزوتو إلى إعادة بناء صورة الله في TLRT.
4. الزراع، عبد السلام. (2026). نموذج قياس الشعور بالذنب: مقاربة تكاملية متعددة الأبعاد.
5. الزراع، عبد السلام. (2026). من "الفاقة الأصلية" إلى "سكينة المحبة": نحو نظرية استخلافية للحب.
6. الزراع، عبد السلام. (2026). من "النفخة الإلهية" إلى "الشوق الوجودي": نحو نظرية استخلافية للروح.
ثانياً: المصادر الأساسية (مرحلة التأصيل الفلسفي — صبري محمد خليل)
7. خليل، صبري محمد. (2015). علم النفس الاستخلافي: دراسة في علم النفس الفلسفي الإسلامي. (مدونة صبري.).
8. خليل، صبري محمد. (2018). التغيير والاستخلاف: نحو منهجية إسلامية معاصرة للتغيير لتحقيق الاستخلاف الثاني للأمة. مدونة الدكتور صبري خليل.
ثالثاً: مراجع في التراث الإسلامي وعلم النفس الإسلامي المبكر
9. القرآن الكريم.
10. الغزالي، أبو حامد. (د.ت.). إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة.
11. المحاسبي، الحارث بن أسد. (د.ت.). الرعاية لحقوق الله. تحقيق: عبد القادر أحمد عطا. بيروت: دار الكتب العلمية.
12. ابن قيم الجوزية. (د.ت.). إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان. تحقيق: محمد حامد الفقي. بيروت: دار المعرفة.
13. ابن قيم الجوزية. (د.ت.). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. بيروت: دار الكتاب العربي.
14. ابن سينا. (د.ت.). القانون في الطب. بيروت: دار صادر.
15. بدري، مالك. (1979). The Dilemma of Muslim Psychologists. London: MWH London Publishers.
16. نجاتي، محمد عثمان. (2001). الحديث النبوي وعلم النفس. القاهرة: دار الشروق.
رابعاً: مراجع في أسلمة المعرفة وعلم النفس الإسلامي المعاصر
17. الفاروقي، إسماعيل راجي. (1982). إسلامية المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
18. العطاس، محمد نقيب. (1978). Islam and Secularism. Kuala Lumpur: ISTAC.
19. Keshavarzi, H. & Haque, A. (وأعمال لاحقة مشتركة). نموذج التكامل النفسي-الإسلامي التقليدي (TIIP): إطار علاجي متكامل يجمع بين العلوم النفسية الحديثة والتقاليد العلاجية الإسلامية الكلاسيكية.
20. Rothman, A. & Kaplick, P. (وأعمال متصلة). محاولات لرسم خريطة تصنيفية لحقل علم النفس الإسلامي المعاصر واتجاهاته المتعددة.
خامساً: مراجع في فلسفة العلم وعلم اجتماع المعرفة
21. Kuhn, T. S. (1962). The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press.
22. Foucault, M. (1969). L'Archéologie du savoir. Paris: Gallimard.
23. Popper, K. (1959). The Logic of Scientific Discovery. London: Hutchinson.
24. Lakatos, I. (1978). The Methodology of Scientific Research Programmes. Cambridge: Cambridge University Press.