العودة إلى خواطر
ظلال الخريف و الفقدان

خاطرة

ظلال الخريف و الفقدان

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ١٨:٠١ Yesterday يوميات: ظلال الخريف والفقدان بقلم عبد السلام الزراع تأخّر الخريف هذا العام. لم تأتِ الأمطار في موعدها، فبقيت السماء صافحة كأنها نسيت كيف تبكي. ومع الغياب الطويل للماء اصفرّت الأعشاب، وانكمشت البراعم، واهتزّت أوراق الزيتون بلا صدى. في منطقة الساف، حيث لا تكاثر للحقول

ظلال الخريف و الفقدان
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٩/٢٠٢٥
ظلال الخريف و الفقدان

عبد السلام الزراع - ١٨:٠١ Yesterday
يوميات: ظلال الخريف والفقدان
بقلم عبد السلام الزراع
تأخّر الخريف هذا العام. لم تأتِ الأمطار في موعدها، فبقيت السماء صافحة كأنها نسيت كيف تبكي. ومع الغياب الطويل للماء اصفرّت الأعشاب، وانكمشت البراعم، واهتزّت أوراق الزيتون بلا صدى. في منطقة الساف، حيث لا تكاثر للحقول الواسعة، يظلّ الزيتون هو الشاهد الوحيد على عهدٍ قطعه الأجداد مع الأرض: «نغرسك خيرًا دائمًا، فتظلي أنت والدهر».

في إحدى صفحات الطقس قرأتُ خبرًا يُبشّر بجبهة هوائية تقترب من الساحل. كتبت تحت الخبر: «ستمطرون إن شاء الله الأسبوع القادم». فنهضتُ قبل الشمس، حملت المجرفة، وسرتُ إلى غرس «الزعترية» على الطريق المؤدية إلى القرية المجاورة . أردتُ أن أشقّ قناة صغيرة من الجهة القبلية، أُمهّد بها سبيل الماء إذا جاء، كمن يعدّ طريقًا لقافلة خصب قد لا تصل. وبينما أُنقل التراب بيدي، مرّ بي فلاح ارهته الزمن ، عائدًا من حقله. وقفنا تحت شجرة يابسة، فتجاذبنا أطراف الحديث عن الجفاف. قلتُ: «لا خوف على الزيتون، فالحبة اكتملت، والعنقود لا يزال طريًّا يحتمل الثقل». ابتسم وهزّ رأسه: «المطر المتأخر خيرٌ من لا مطر». ثم مضى، وترك وراءه صمت الريح.

حين انتهيتُ من عملي، ملأتُ سطلاً بالتراب لوضعه أمام مستودع صغير؛ فالسيارة تخدش بطنها كلما مرّت على العتبة. وفي طريق العودة، رأيتُ جارنا المريض يمشي متمايلًا كغصن يابس. كان يحمل قارورة ماء شبه فارغة، وفي كفّه كفٌّ من التمر الأبيض لم ينضج بعد. توقفتُ، فابتسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه. سألته: «إلى أين يا صالح ؟» فأجاب: «كنت في القرية المجاورة ». كذب؛ فاللواج لا تعمل يوم الأحد، والسوق هناك يوم الخميس. لكنني صمتُّ، وفتحتُ له باب السيارة.

جلس إلى جانبي، يحدق في قدميه. كلما اقترحتُ عليه نقطة ينزل عندها، قال: «الله يبارك». فاضطررتُ إلى تركه قرب مقهى وسط البلاد، كأنني أُعيد إليه قطعةً من حضارة لم تعد تُرحّب به. وقبل أن يغلق الباب، سألني بنفس السؤال الذي يطرحه منذ عشرين عاماً: «أما زلت في المجلس البلدي؟» قلتُ: «لا يا صالح، المدينة واقفة». سأل: «ولم؟» قلت: «لأنه لا مال». عاد: «وأين المال؟» قلت: «اندثر في التراب». فردّ ببراءةٍ مذهلة: «لكن البلاد نظيفة، لا توجد بها مزابل !»

في تلك اللحظة تأكدتُ أن صالح لم يعد هنا. بقي جسده، أما روحه فقد تبعثرت في زوايا لا يعرفها أحد. يعرف أنني كنت مرشحًا في ذلك المأتم القديم، لكنه لا يعرف أن دراجته النارية معطلة منذ عام، وأن أولاده هاجروا سرًّا إلى إيطاليا، وأن زوجته أغلقت دكانها بعد أن استولت على آخر ما يملك. يعرف فقط أن «المجلس البلدي» كان يومًا ما عنوانًا للعالم، فعلق بذلك العنوان كمن يتشبث بقطعة طوفان.

أغلق باب السيارة ومضى. لم ألتفت إليه في المرآة. كنتُ أخاف أن أرى ظله يمشي إلى الوراء، يبحث عن شبابٍ سرقه الزمن، أو عن كرامةٍ باعها طمعًا، أو على الأقل عن قطرة مطرٍ تأخر موعدها.

عاد السكون إلى الطريق. وفي الأفق، كانت سحبٌ رمادية تتجمع كأنها تُعيد ترتيب أوراقها قبل أن تبكي أخيرًا. فهمتُ حينها أن الخريف لن يأتي بالمطر فقط، بل سيحمل معه أيضًا كل ما سقط منّا على قارعة الطريق: أوراقًا، أحلامًا، وظلال بشرٍ فقدوا طريق العودة.

وحده الزيتون باقٍ، صامتًا كعادة الأجداد، ينتظر الغيث، ويتقبل الفقدان، ويعيد ترتيب جذوره في أعماق الأرض، حيث لا تصل الأقدام، ولا تموت الذاكرة.
قصة قصيرة