العودة إلى خواطر
سوسيولوجيا الجسد بين التاريخ والتحليل النفسي** عبد السلام الزراع - ١٠/٠٤/٢٠٢٥

خاطرة

سوسيولوجيا الجسد بين التاريخ والتحليل النفسي** عبد السلام الزراع - ١٠/٠٤/٢٠٢٥

تاريخ غير متوفر

المشهد العام يوم صيفي اختلط فيه حر الشمس بحرّ النفوس، حتى لم يعد المرء يفرق بين ملابس النوم وملابس الخروج. أرصد هنا لحظاتٍ تختزل تحولات مجتمعنا، حيث يصير الشاطئ مرآةً تعكس صراعاً تاريخياً بين القيم والتحرر، بين الجسد كمعبد والجسد كسلعة.

سوسيولوجيا الجسد بين التاريخ والتحليل النفسي**
عبد السلام الزراع - ١٠/٠٤/٢٠٢٥




: سوسيولوجيا الجسد بين التاريخ والتحليل النفسي**

بقلم عبد السلام الزراع

المشهد العام يوم صيفي اختلط فيه حر الشمس بحرّ النفوس، حتى لم يعد المرء يفرق بين ملابس النوم وملابس الخروج. أرصد هنا لحظاتٍ تختزل تحولات مجتمعنا، حيث يصير الشاطئ مرآةً تعكس صراعاً تاريخياً بين القيم والتحرر، بين الجسد كمعبد والجسد كسلعة.

**البعد التاريخي: من "الحمّامات السلطانية" إلى "البوركيني"**

في مدينتنا الساحلية، لم يكن البحر دوماً هذا الفضاء الحر. ذاكرة المكان تحكي أن شواطئ سلقطة كانت مقسمةً في القرن التاسع عشر إلى "حمّامات رجال" و"حمّامات نساء" بموجب فرمانات عثمانية، تليها حقبة الاستعمار الفرنسي الذي فرض "لباس البحر" الأوروبي، فكان أول صدام بين العري والحياء. اليوم، يعيد البوركيني إنتاج ذلك الصراع، لكن بثوب ديني هذه المرة.

حتى سبعينيات القرن الماضي، كان الخروج للسباحة طقساً عائلياً محكوماً بصرامة المواعيد (قبل الظهيرة للنساء، بعد العصر للرجال). أما الآن، فالوافدون من المدن الصناعية جلبوا معهم ثقافة "الشاطئ الحر"، حيث يذوب التقسيم القديم كما يذوب الملح في الماء.

**التحليل النفسي: لماذا نخلعُ أكثر حين نُحاصر؟**

هذه الأجساد المترهلة على الرمال، والتي يصفها الكاتب بـ"الاستعرائية"، قد تكون – نفسياً – رد فعل عنيفاً على قيود المجتمع. وفقاً لـ"فرويد"، كلما اشتدت الكبتية (Repression) في الثقافة، تحوّل الجسد إلى منطقة تمرد. النساء اللواتي يرفعن أطراف ثيابهنّ عند مغادرة الشاطئ، ربما يعيدن إنتاج لغة الجسد ذاتها التي استخدمتها "العوالم" في الماضي، لكن بوعي مختلف: إنهنّ لا يبعنَ أنفسهن، بل يشتغلنَ على "رأس المال الجسدي" في سوق الزواج الصعب.

الغريب أن العري هنا ليس تحرراً، بل عبئاً جديداً: فالشاب الذي يصرّ على الظهور بجسدٍ "مفتول" رغم سمنته، والفتاة التي تختنق تحت البوركيني ثم تخلعه فجأةً، كلاهما ضحية "استعراض القوة" الجديدة. إنه تناقض ما بعد حداثي: نكشف عن أجسادنا لنثبت أننا أحرار، لكننا نكون بذلك قد اعترفنا بأن الجسد لم يعد ملكاً لنا.

**الأجيال الجديدة: لماذا فشلنا في التحرر؟**

الكاتب يصاب بخيبة أمل لأن الشباب لم يكسروا التابوهات، بل حوّلوها إلى "ترندات". هذا يُذكرّنا بـ"إريك فروم" في كتابه "الخوف من الحرية": البشر أحياناً يرفضون التحرر الحقيقي لأنه يفرض عليهم مسؤولية الاختيار. الأسهل أن تتبع موضة العري أو التحجب، بدلاً من أن تبتكر علاقتك الخاصة بجسدك.

اللافت أن العائلات التي كانت تحتجّ قبل عشر سنوات على "البيكيني"، صارت اليوم تتسامح مع البوركيني، لكنها ترفض "اللباس العادي". هذا يشي بأن الصراع لم يعد بين العري والتستر، بل بين أشكال جديدة من الهوس بالجسد كفريسةٍ للاستهلاك.

**الخاتمة: البحر كمختبر للهويات الهاربة**

الشاطئ هنا لم يعد مكاناً للسباحة فقط، بل أصبح ساحةً لاختبار الحدود. كل موسم صيفي يجلب معه "موضة أخلاقية" جديدة: بوركيني أمريكي، تانكيني تركي، أو حتى عودة "الميلية" التقليدية لكن بقطعٍ شفافة!

في النهاية، هذه المشاهد ليست انحداراً أخلاقياً، بل أعراضاً لمرض أكبر: مجتمع يبحث عن هويته بين ركام التاريخ. ربما علينا أن نتوقف عن لعن العري أو التمسّك بالحجاب، ونسأل: لماذا صار الجسد آخر ما تبقى لنا لنقول: "أنا موجود"؟

عبد السلام الزراع.

التحليل النفسي