العودة إلى خواطر
رائحة العطر

خاطرة

رائحة العطر

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥ رأيتُها أوّل مرةٍ في عُرسي، وعمرُها لم يتجاوز اثنتين وستين خريفًا. كانتْ في مقدّمة الحاضرين تسيرُ كأنها غيمةٌ نزلت لتُغسِلَ قلبي قبل أن أُغسَلَ في ماءِ الزواج. حملتْ وجهًا مُبتسمًا، فيه من الفرح ما يُخفي خلفه سنينَ كمدٍ لُفِّفَت في صدرٍ أطبق على رثاءٍ صامتٍ لابنٍ أُخذ في عُرفِ الشباب. كنتُ كمن يُحقَن بنومٍ عميق، أرى ولا أرى، أسمع ولا أسمع

رائحة العطر
عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥
رأيتُها أوّل مرةٍ في عُرسي، وعمرُها لم يتجاوز اثنتين وستين خريفًا. كانتْ في مقدّمة الحاضرين تسيرُ كأنها غيمةٌ نزلت لتُغسِلَ قلبي قبل أن أُغسَلَ في ماءِ الزواج. حملتْ وجهًا مُبتسمًا، فيه من الفرح ما يُخفي خلفه سنينَ كمدٍ لُفِّفَت في صدرٍ أطبق على رثاءٍ صامتٍ لابنٍ أُخذ في عُرفِ الشباب. كنتُ كمن يُحقَن بنومٍ عميق، أرى ولا أرى، أسمع ولا أسمع، وظلّ وجهُ «الشاذلية» هو الوحيدُ الذي لم يُمحَ من الذاكرة، بل ازدادَ وضوحًا كلما مرّ الزمن.

كانت – والله – كأنها قطعةُ سماءٍ وُضعت على الأرض. لم أرَ امرأةً جمعتْ بين الأناقةِ والطيبةِ والحياءِ والجمالِ كما جمعتْ. قصيرةُ القامةِ، لكنها إذا مشتْ تنسيك طولَ الغير. عيناها زرقاوان، فيهما حياءُ فتاةٍ في الخامسة عشرة، وكلما مرّتْ السنونُ ازدادتْ حياءً، كأن الزمنَ يعكسُ عندها قاعدةَ الناس.

دخلتْ حياتنا فصارتْ منّا، وصِرنا منها. كنتُ كلما اقتربتُ منها أكتشفُ طبقةً جديدةً من الصبرِ والجلد، كأن اللهَ جعلَها من طينٍ آخر. وفي أزماتِها كانتْ تزدادُ صلابةً، كأنها جبلٌ لا تهزّه الرياح.

كنتُ أسرقُ من أناملها طعمًا لا أجده في أيِّ مطبخٍ آخر. مطبخُها الصغيرُ كان كحجرةٍ سرّيةٍ في قلبِ البيت، بابُه المنخفضُ يُنحني له كلُّ زائرٍ قبل أن يدخلَ عالمَها. أذكرُ يومًا دخلتُ، فاستقبلتني رائحةُ السمكِ المشويِّ تخرجُ من الشواء كأنها روحٌ طالعتْ من الجنة. خرجتْ عليّ وفي عينيها دمعةُ ترحيبٍ، وفي يدها منديلٌ أزرقُ تُمسحُ به أناملَها الذهبيةَ – لا الذهبَ الذي في الأصابع، بل الذي في القلب.

جلستُ على كرسيٍ قريبٍ من الثلاجة، فوضعتْ أمامي صحنًا من «المحمص» الساخن، وكأنها تُقدّمُ لي ذاكرةً من طفولتي لم أعشها، لكنها أحيَتْها فيَّ. كانتْ تنظرُ إليّ بنظراتٍ خجلةٍ، كأنها تخافُ أن يُنقصَ من قيمةِ ما تقدّمُه لو قلتُ إنه لذيذٌ أكثر من اللازم.

وكانتْ تتحرّكُ في البيت كأنها نسمةُ ربيعٍ عابرة، لا تُحدثُ صوتًا إلا صوتَ الحريرِ إذا مَرَّ على جلدٍ ناعم. تُديرُ القدرَ بيدٍ لا تُبالغُ في الحركة، وكأنها تُمطِرُ دقيقًا من سحابةٍ لا من كفٍ. وإذا حملتْ الصحن، كانتْ خطاها خفيفةً كأنها تمشي على وترِ عودٍ، لا تُعلنُ عن حضورها إلا برائحةِ الطيبِ التي تسبقها كأنها رسالةُ ترحيبٍ قبل أن تُرى.

وإذا جلستْ، جلستْ كأنها وضعتْ قلبها على ركبةٍ واحدة، ظهرُها منتصبٌ دون تكلف، ويداها متقاطعتان على حضنها كأنهما زهرتان في قنينةٍ صغيرة. وإذا أشارتَ لك أن تجلس، لا تمدُّ يدها كلها، بل تُحرّكُ أُصبعين فقط، كأنها تُنبّهُكَ بلطفٍ أن الوقتَ قد حان للراحة.

وحين تتحدث، كانت كلماتُها تخرجُ كأنها تُرسلُها على ظهرِ فراشةٍ، تلوذُ بصمتٍ بعد كلِّ جملةٍ، كأنها تستأذنُ الحياءَ قبل أن تُتمَّ حديثها. وإذا ضحكتْ، وضعتْ كفّها على فمها، لا لتحجبَ الضحكة، بل كأنها تُخفي نورًا لا يجب أن يُبصره كلُّ من مرّ.

ذاتَ يوم قالت لي، ووجهُها يحمرُّ خجلًا:
– «حصانك جراي...»
فابتسمتُ، وكأنها أعادتْني إلى زمنٍ كنتُ فيه طفلًا ينتظرُ من أمه أن تُقبِّلَ جبينَه قبل النوم.
وها أنا الآن أكتبُ عنها، وأنا أعلمُ أنها رحلتْ
لكنها تركتْ فينا رائحةَ طيبةٍ لا تُمحى، وذكرى أرقَّ من نسمةِ صيفٍ، وأقوى من جبلٍ.

الله يرحمك يا لالة شاذلية، ويجعل مثواكِ الجنة. دُفنتِ، لكن الطيبةَ بقيتْ.
عبد السلام الزراع
قصور الساف.(تونس)
29 سبتمبر 2023


قصة قصيرة