العودة إلى خواطر
نزهة الفقراء في يوم عاصف

خاطرة

نزهة الفقراء في يوم عاصف

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢٠/٠٨/٢٠٢٥ هبّتْ الريحُ اليومَ كأنّها تُريدُ أن تُخرّبَ ما تبقّى من صيفٍ، والبحرُ يضطربُ في غضبٍ أزرق، يقذفُ أمواجَهُ كأيدي مُحتجّين. تلوّح رايةٌ حمراءُ على برج الحمايةِ المدنيةِ كدمعةٍ لم تسقط بَعْدُ، لكنّها لا تُوقِفُ أولئك الذين يُقسِمون على السباحةِ رغمَ كلّ نُذُر الخطر.

نزهة الفقراء في يوم عاصف
عبد السلام الزراع - ٢٠/٠٨/٢٠٢٥
هبّتْ الريحُ اليومَ كأنّها تُريدُ أن تُخرّبَ ما تبقّى من صيفٍ، والبحرُ يضطربُ في غضبٍ أزرق، يقذفُ أمواجَهُ كأيدي مُحتجّين. تلوّح رايةٌ حمراءُ على برج الحمايةِ المدنيةِ كدمعةٍ لم تسقط بَعْدُ، لكنّها لا تُوقِفُ أولئك الذين يُقسِمون على السباحةِ رغمَ كلّ نُذُر الخطر.

أنظرُ من قِمّة التلّةِ التي أتوسّدُ صخرتَها مع زوجتي، فأرى عائلةً كأنّها خرجتْ للتوّ من قصيدةٍ قديمة. رجلٌ في الرابعةِ والأربعينَ من عُمْره، تُحاكي تجاعيدُ وجهِه خطوطَ الطريقِ القديمة، وزوجتُه ترافقُه في السنّ ، ترتدي تنورةً خضراءَ كأنّها بقاياَ ربيعٍ تجرّأ على البقاء. هو يجلسُ على تابوريٍّ بلاستيكيٍّ قصيرٍ كما يجلسُ الملوكُ على عروشٍ مؤقّتة، وشورتُه الأسودُ المزركش بالأبيضِ يبدو كسربٍ من طيورِ النورسِ في ليلٍ قاتم. فوقهم تُدلّي الشمسيةُ ألوانَها كأنّها لوحةَ فنٍّ شعبيٍّ لم يكملها الرسّام.

الأطفالُ الثلاثةُ، أطيافُ صغيرةٌ تُداعبُ الماءَ بأيدٍ ما زالت تحملُ رائحةَ المهدِ. الأمُ، تلك التي تحملُ في عينيها قصصَ اللاجئين، تمضي إلى البحرِ بدلوٍ بلاستيكيٍّ، فتعودُ وقد امتلأَ بالماءِ والذكرياتِ. ترشُّ الماءَ على آنيةِ الطعامِ كأنّها تُنقّيها من غبارِ الغياب، تنادي أبناءَها بصوتٍ يشبهُ نداءَ الحمامِ على أطلالِ بيوتٍ مهجورة.

يُداعبُ الرجلُ حقيبةَ الطعامِ كأنّه يُفتّشُ عن كنزٍ مُخبّأ في بطنِ الحياة. يُخرجُ ما تيسّرَ من خبزٍ وطماطمَ وزيتونٍ، فيوزّعُها على أطفالِه كأنّه يوزّعُ أيّامَ الصيفِ المتبقّية. ثم يقومُ ليرتدي قميصَه الأبيضَ وبنطالَه الأخضر، فيتحوّلُ من رجلٍ عاديٍّ إلى بطلٍ في نهايةِ الفصلِ.

تبدأُ مراسمُ الرحيل: الأبناءُ يحملون الطاولةَ الصغيرةَ كأنّهم يحملون مائدةً للعشاءِ الأخير، والأبُ يطوي الشمسيةَ تحت إبطِه كأنّه يضمُّ سماءً صغيرةً، والأمُ تُعلّقُ حقيبتَها على كتفِها كما تُعلّقُ النساءُ آمالَهنّ على أكتافِ الأيّام. يسيرونَ نحو محطّةِ الحافلةِ، أقدامُهم تُرسمُ على الرمالِ خطوطَ عودةٍ قريبة.

هذه العائلةُ الفقيرةُ لم تُحضِرْ معها إلا قلوبَهم وما تيسّرَ من طعامٍ، لكنّها أحضرتْ أيضاً نموذجاً مغايراً للفرح. إنّهم يُعلّموننا أنّ الترفيهَ ليس امتيازاً للأغنياء، بل هو فنٌّ يستنبطُه الفقراءُ من بينَ أنقاضِ الحياة، كما يستخرجُ النحّاتُ تمثالاً من قطعةِ حجرٍ مهملة.
عبد السلام الزراع
قصة قصيرة