العودة إلى خواطر
نساء الارجيلة

خاطرة

نساء الارجيلة

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع كان المشهدُ كأنَّهُ لوحةٌ رُسِمَتْ بألوانٍ مُتصحِّرةٍ على جدارِ مدينةٍ ضاعتْ فيها البوصَلَةُ، وغابَتْ فيها الملامحُ كما تغيبُ وجوهُ المسافرين في مطرٍ شديد. أمامي تمامًا، على قارعةِ الرصيف، كانتْ سيارةٌ فرنسيةُ الصنع، من طرازٍ قديمٍ يُذكِّرُكَ بزمنٍ كان فيه الذهبُ

نساء الارجيلة
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥

بقلم عبد السلام الزراع
كان المشهدُ كأنَّهُ لوحةٌ رُسِمَتْ بألوانٍ
مُتصحِّرةٍ على جدارِ مدينةٍ ضاعتْ فيها البوصَلَةُ، وغابَتْ فيها الملامحُ كما تغيبُ وجوهُ المسافرين في مطرٍ شديد. أمامي تمامًا، على قارعةِ الرصيف، كانتْ سيارةٌ فرنسيةُ الصنع، من طرازٍ قديمٍ يُذكِّرُكَ بزمنٍ كان فيه الذهبُ عُملةً والحُلُمُ ممكنًا. أبوابُها مفتوحةٌ على مصراعيها، كأنها تُعلِنُ استسلامَها الأخيرَ أمامَ قدرٍ مجهول.

في داخلِها ثلاثةُ أجسادٍ، لكنها كانتْ أشباحًا قبل أن تكونَ بشرًا. امرأتان ورجلٌ في منتصفِ العمر، كلٌّ منهم يحملُ على كتفيهِ عبءَ أيامٍ مُرَّةٍ كتبَها عليهِ الوقتُ بخطٍّ ثقيل.

الأولى، كانتْ شقراءَ، لكن صفارَ شعرِها لم يكنْ ذهبًا، بل كان لونَ غبارٍ عالقٍ بذاكرةٍ قديمة. كانتْ تُداعِبُ في يدها مرآةً صغيرةً على شكلِ نجمةٍ خماسية، كأنها تحاولُ أن تلتقطَ منها ومضةَ وجهٍ لم يعُدْ يعرفُها حتى هي. كانتْ تحدِّقُ فيها كأنها تبحثُ عن فتاةٍ ضاعتْ في دهاليزِ السنين.

أما الثانية، فقد كانتْ سوداءَ الشعرِ، لكن سوادَها لم يكنْ ليلًا، بل كان حفرةً عميقةً في صخرةٍ قاحلة. كانتْ تُمسِكُ بخرطومِ الأرجيلةِ كأنهُ شرايينُها الخارجية، تأخذُ نفسًا عميقًا، ثم تُطلقُهُ في الهواءِ كأنها تُفرِغُ من صدرِها جمرةَ ألمٍ لا يُطفَأ. كان دخانُها يعلوُ كأنهُ عمودُ دخانٍ في يومِ قيامةٍ مصغَّر، ثم تُمرِّرهُ إلى الرجلِ الجالسِ قبالتِها على كرسيٍّ بلاستيكيٍّ مُهترئ، كأنها تُسلِّمُهُ مشعلَ حزنٍ لم يعدْ يحتملُهُ وحده.

كان الرجلُ يأخذُ النفسَ بعمقٍ، ثم يشرُدُ في فضاءٍ بعيدٍ، كأنهُ يُحاولُ أن يهربَ من جلدِهِ. يبدأُ بعدها بقضمِ أظافرِهِ كأنما يُذيِّبُ فيها طفولتَهُ المُتأخرة، ثم يعودُ إلى الأرجيلةِ، يُداعِبُ فمَها كأنهُ يريدُ أن يعودَ إلى زجاجةِ الحليبِ التي أُخذَتْ منهُ قبل أن يعرفَ طعمَ الحياة.

حولهم، كانتْ أدواتُ الطعامِ مُبعثرةً كأنها خيوطُ قماشٍ في يدِ نسّاجٍ مجنون، يحاولُ أن يُفصِّلَ منها ثوبًا لعروسٍ لن تأتي. كانتِ المبخرةُ الحديديةُ لا تزالُ تحتفظُ بجمرةٍ حمراء، تُغذِّي الأرجيلةَ من حينٍ لآخر، كأنها قلبٌ ينبضُ ببطءٍ في جسدٍ ميت.

ثم أخذتِ المرأةُ الأولى الخرطومَ، ومرّرتْهُ على شفتيها بلطفٍ، كأنها تُقبِّلُ طفلًا نائمًا. في تلك اللحظة، لم يكنْ القبحُ مجردَ نقصٍ أو عيبٍ، بل كان تتويجًا لحكايةٍ طويلةٍ من الخيبةِ والنسيان. كان القبحُ هناك، لكنهُ كان قبحًا صادقًا، لا يُخفي وجعَهُ وراءَ أقنعةَ المجاملةِ أو الادعاء. كان قبحًا يُعلِنُ عن نفسهِ بجرأةٍ، كأنهُ يقولُ: "أنا هنا، في أبشعِ صوري، لكنني أنا، وليس غيري."

وفي تلك اللحظة، لم أعدْ أرى سيارةً ولا أشباحًا، بل رأيتُ مدينةً كاملةً، فقدتْ هويتَها، وراحتْ تبحثُ عنها في رمادِ الأراجيلِ وعتمةِ المرآيا، فلم تجدْ سوى وجوهٍ تعبتْ من أن تكونَ جميلةً، فاختارتْ أن تكونَ حيّة، حتى لو كانتْ حياةً قاسيةً، لا تُطربُ ولا تُبهج، لكنها على الأقلّ، ليستْ كذبًا.
§§§§

زادَ المساءُ سوادًا، فغاصتْ السيارةُ أكثرَ في ليلِها الذاتي، كأنها قاربٌ صدِئٌ احترفَ الغرقَ وسطَ مدينةٍ لم تَعُدْ تُفرِّقُ بين ماءٍ ونار. خرجَ من أحدِ البيوتِ المجاورةِ صوتُ أذانٍ مبحوحٍ، لكنهُ لم يُحيِ في صدري رجاءً، بل كان كأنهُ يُجَرِّعُ المدينةَ دفعةَ موتٍ أخيرة.

إذَ بظلٍّ انسلَّ من زقاقٍ ضيّقٍ، رجلٌ عجوزٌ يجرُّ قدمَيهِ كأنهُ يجرُّ وراءَهُ سنواتِهُ العجاف. توقفَ قبالةَ السيارة، ورفعَ كفَّهُ المُتشقِّقةَ كي يُسلِّمَ، لكن يدَهُ تجمَّدتْ في الهواءِ حين رأى العيونَ التي لا تُبصِرُه. همسَ بصوتٍ خافتٍ:

ـ "الله يستر، هذا وقتُ الشياطينِ، مش وقتُ البشر."

ثم تبخَّرَ الظلُّ كأنهُ جزءٌ من الدخانِ المتصاعد.

عادتِ المرأةُ الثانيةُ تُحاوِرُ الأرجيلةَ بصمتٍ، تُفَتِّتُ الفحمَ بأصابعِها، تُطلِقُ شراراتٍ صغيرةً تُراوِغُ عتمةَ المقعد. فجأةً، انفتحَ بابُ السيارةِ الخلفيُّ بصوتٍ صرير، فانبثقَ منهُ طفلٌ صغيرٌ، شعرُهُ أشعثُ كعشِّ غرابٍ، عيناهُ واسعتانِ كمنفذَيْ أنفاسٍ أخيرتين. كان يرتدي قميصًا باليًا عليهِ بقايا طماطمٍ مجفَّفة، تمسَّكَ بمعصمِ المرأةِ الأولى وسألَ بصوتٍ خافتٍ:

ـ "ماما، لماذا النجمةُ في يدك لا تضحك؟"

ابتسمتِ الأمُّ ابتسامةً فارغةً، ثم أمسكتْ بيدِهِ الصغيرةِ ووضعتها على خدِّها المُتصبِّغِ بالحزن:

ـ "لأنها تعبتْ من الضو، يا ملاكي. النجومُ هنا ما بتضحكش، هنا بتسهرْ فقط."

التفتَ الطفلُ نحوَ الرجلِ، فمدَّ لهُ يدهُ بملعقةِ بلاستيكٍ صغيرة، كان يحملُها كأنها سِفْرُ معجزةٍ مُنتظرة. قالَ ببراءةٍ:

ـ "أنتَ اللي بتحلم؟ ممكن أحلم معاك؟"

ابتلعَ الرجلُ ريقَهُ، ثم أخذَ الملعقةَ بيدٍ مُرتعشة، وبدأَ يُصوِّتُ بها في الهواءِ كأنهُ يُعزِفُ سيمفونيةً لطفلٍ لم يُولَد بعد. خرجَ صوتٌ خافتٌ من حلقِهِ، أشبهُ أنينَ قيثارةٍ مُنكسرة:

ـ "الحلمُ هنا يٱتي بالدُخان، لا بالسُّكر. خُذْ نَفَس..."

فتحَ الطفلُ فمَهُ، واستنشقَ الدخانَ كأنهُ طيفُ حليبٍ دافئ، فسعلَ قليلًا، ثم ضحكَ ضحكةً صغيرةً، أولى ضحكةٍ سمعتُها في تلك الليلة. ارتعشتِ المرأةُ الثانية، فأسقطتِ الأرجيلةَ من يدِها، فتناثرَ الفحمُ كنجومٍ محطَّمة. التفتتْ إلى الطفلِ، وقالتْ بصوتٍ خشنٍ:

ـ "ضحكتكَ تسكن في الحلق؟ ولا في الجرح؟"

لم يجبْ الطفلُ، بل ركضَ نحوَ المبخرةِ، فأمسكَ بجمرةٍ صغيرةٍ بأصابعِهِ الصغيرة، وصرخَ:

ـ "أنا اريد أنسج نجمةً! نجمةً بتضحك!"

حاولتِ الأمُّ أن تُنقِذَهُ، لكن الجمرةَ انطفأتْ بين أصابعِهِ قبل أن تُصيبَهُ، فتركتْ على كفِّهِ بقعةً حمراءً كختمِ ملكٍ مُختَطَف. أخذَ الطفلُ يُقبِّلُ يدَهُ، ويبكي بصوتٍ خافتٍ، كأنما يُودِّعُ آخرَ طفولةٍ في المدينة.

في تلك اللحظة، شعرتُ أنَّ المشهدَ لم يعدْ مجردَ حادثةٍ، بل صارَ طقسًا أسطوريًا: مدينةٌ تُقيمُ عزاءَها على أرصفتها و شواطئها وأجيالٌ تُولَدُ ميتةً فتضطرُّ أن تُعيدَ اختراعَ الحياةِ من جمرةٍ ودخان. رفعتُ رأسي إلى السماء، فوجدتُ سحابةً سوداءَ تبكي مطرًا رماديًا، فوقعتْ قطرةٌ على زجاجِ السيارة، فكتبتْ على البخارِ المتكاثف:

ـ "نحنُ هنا، لسنا أشباحًا، نحنُ فقط نتعلَّمُ أن نكونَ أشياءً لا تُرى."

وما إن انتهىت المشهدية حتى انطفأتِ الأرجيلةُ، فصارَ الدخانُ الأخيرُ كأنهُ روحٌ تُغادرُ الجسدَ بصمت. التفتُّ لأرى الطفلَ، فقد نامَ على حِجرِ أمه، وقد لفَّتْهُ بمعطفٍ بالٍ يحملُ رائحةَ البحرِ والسمك المحروق على فحم الدخان . أما المرأةُ الثانية، فقد أخرجتْ من جيبِها قطعةَ حلوى صغيرةً، وضعتها في فمِ الطفلِ النائم، كأنها تُغلِّفُ لهُ حلمًا صغيرًا بالسكرِ بدلًا من الرماد.

وأخيرًا، أطرقتِ الأمُّ رأسَها على زجاجِ السيارة، فكتبتْ بإصبعِها على البخارِ المتكاثف:

ـ "إذا لم تجدوا فينا جمالًا، فاعذرونا، لقد نسينا طريقَهُ منذُ زمن."

ثم انطفأتِ الشاشةُ الضبابية، وغابَ المشهدُ، تاركًا في صدري وقعَ أسطورةٍ لم تُروَ بعدُ: أن في كلِّ مدينةٍ سيارةٌ مفتوحة، وفي كلِّ سيارةٍ طفلٌ يحاولُ أن يُشعلَ النجومَ بجمرةٍ من دموعِنا.
قصة قصيرة