خاطرة
نرجسية ٱم
تاريخ غير متوفر
عبد السلام الزراع - ٠٩/٠٩/٢٠٢٥ المرأة والنرجسية بقلم عبد السلام الزراع رحلة إلى قلبٍ أُكلته مراياه في زاويةٍ بعيدة من المساء، حيث تتلاشى أصوات الأطفال تدريجيًّا، التقيتُ بها: امرأة تحمل في عينيها سؤالًا لا ينتهي،
نرجسية ٱم
عبد السلام الزراع - ٠٩/٠٩/٢٠٢٥
المرأة والنرجسية
بقلم عبد السلام الزراع
رحلة إلى قلبٍ أُكلته مراياه
في زاويةٍ بعيدة من المساء، حيث تتلاشى أصوات الأطفال تدريجيًّا، التقيتُ بها: امرأة تحمل في عينيها سؤالًا لا ينتهي، وفي صوتها نبرةُ دفاعٍ عن شيءٍ لم يُهدَّد بعد. كانت تُمسك بهاتفها كمن يُمسك بعصا سحرية، تتقلّب بين صورٍ مُقنَّنة وسلعٍ مُبهَمة، بينما ابنها يجلس على عتبة المنزل، يُمسك بحقيبته كأنها درع، ويُحدّق في الأفق كأنه يبحث عن مدخلٍ آخر للعالم.
1. أمٌ في دهاليز الذات
حديثها لا يتوقف، كأنها تُعيد ترتيب أطلال يومٍ انهار داخلها. لا تترك لك فرصة لكلمة، فهي تُريد أن تُسمعك لا أن تُسمع. تُحدثك عن ابنها وكأنها تُلقي تقريرًا عن مشروعٍ تعثّر، لا عن كائنٍ حيٍّ يتنفس. يُسمعك قلقها، لكنك تُدرك أنه ليس قلقًا عليه، بل قلقٌ منه؛ من أن يخرج عن السيناريو الذي رسمته له داخل رأسها، من أن يكون غير ما تمنت.
في عينيها مرآةٌ لا تعكس إلا صورتها، حتى حين تتحدث عن «النابغة» الذي يُزعج المعلمين، تُدرك أنها لا تُدافع عن تفوقه، بل تُدافع عن صورتها: «انظروا، أنا أمّ نابغة». لا تسأل عن وجعه، لا تسأل عن صمته، لا تسأل عن يديه الصغيرتين اللتين ترتعشان حين يُمسك القلم. المهم أن يظلّ ضمن الإطار الذي رسمته له، حتى لو كان الإطار يخنقه.
2. طفلٌ يُفكّك الألغاز قبل أن يُمسك المقص
هو لم يكمل العاشرة بعد، لكن عقله يجري سباقًا مع الزمن. يُدرك النتيجة قبل أن تُكتب، فيملأ صفحته بخطوطٍ عشوائية، فيُتهم بالشقاوة. يتسلل إلى حديث الكبار، فيُرمى بتهمة «الانحراف»، بينما هو لا يفعل سوى أنه يبحث عن مكانٍ يسعه خارج دهاليز الصمت. يُحبط من بطء يديه، فيُعرض عن الكتابة، فيُحبط أكثر، فيدور في حلقة مفرغة لا يُدرك أحدٌ أنها بدأت من مطبخٍ يرتفع فيه صوت الأم، وينخفض فيه صوت الطمأنينة.
3. عنفٌ مُبطَّن بالعاطفة
حين تبدأ «مراجعة الدروس»، يتحول البيت إلى ساحة معركة. الكلمات تُطلق من فمها كسهام: «بطيء، غير مُركّز، عقاب». واليد تُرتفع، لا لتُعلّم، بل لتُذكّر بمن هو صاحب القرار. لا تُدرك أن الطفل يتعلم أكثر من صرختها مما يتعلمه من واجباته. يتعلم أن الحب مشروطٌ بالامتثال، وأن الذات تُسحق حين تُخالف التوقعات. وفي ليلةٍ ما، سيُعلن الطفل انسحابه الصامت: «لا أقبل الإهانة بعد اليوم». ستُفاجأ الأم، لكن المفاجأة لن تكون في تمرده، بل في أنها لم تلاحظ أن الثورة بدأت منذ اللطمة الأولى.
4. توصيات: كيف نُنقذ ما تبقى من طفل؟
- أولًا: اخرسي صوت التوقعات. ابدأي بسماع إيقاعه الخاص، حتى وإن خالف إيقاعك.
- ثانيًا: ضعي العنف جانبًا، اللفظي والبدني. الذاكرة الجسدية للطفل لا تمحوها الاعتذارات لاحقًا.
- ثالثًا: استعيني بمختصّ تربوي أو نفسي، ليس لكي يُصلح «العيب»، بل لكي يُعيد ترتيب العلاقة.
- رابعًا: إسمحي له بالكتابة بأي وسيلة تُريحه، حتى لو كانت أزرار لوحة مفاتيح. الفكرة لا تموت بسبب شكل الحرف.
- خامسًا: تذكري دائمًا أن الطفل ليس امتدادًا لك، بل كائنٌ مستقلّ يُحاول أن يجد اسمه بين أسماء العالم.
خاتمة: وهل تستفيق المرآة ؟
قبل أن تغلقي هاتفك، قبل أن تُكملي جولة التسوق التالية، أوقفي لحظةً صوتك الداخلي واسألي: «هل أُحب ابني، أم أُحب صورتي في عينيه؟». لا تُجيبي سريعًا؛ فالإجابة الحقيقية تكمن في أنفاسه حين ينام مُطمئنًا، لا في صورك التي تُلتقطينها له وهو يبتسم مرغمًا.
إن أردتِ أن يُحبك الطفل فعلًا، فابدئي بأن تُحبي الطفل الذي هو عليه، لا الطفل الذي تُمنين أن يكون. وحينها فقط، حين تتحطم المرآة النرجسية، قد ترين في الزجاج المبعثر وجهًا بشريًا لا يُشبهك تمامًا، لكنه يحمل ابتسامةً لا تُصنع إلا بالحرية.
التحليل النفسي
عبد السلام الزراع - ٠٩/٠٩/٢٠٢٥
المرأة والنرجسية
بقلم عبد السلام الزراع
رحلة إلى قلبٍ أُكلته مراياه
في زاويةٍ بعيدة من المساء، حيث تتلاشى أصوات الأطفال تدريجيًّا، التقيتُ بها: امرأة تحمل في عينيها سؤالًا لا ينتهي، وفي صوتها نبرةُ دفاعٍ عن شيءٍ لم يُهدَّد بعد. كانت تُمسك بهاتفها كمن يُمسك بعصا سحرية، تتقلّب بين صورٍ مُقنَّنة وسلعٍ مُبهَمة، بينما ابنها يجلس على عتبة المنزل، يُمسك بحقيبته كأنها درع، ويُحدّق في الأفق كأنه يبحث عن مدخلٍ آخر للعالم.
1. أمٌ في دهاليز الذات
حديثها لا يتوقف، كأنها تُعيد ترتيب أطلال يومٍ انهار داخلها. لا تترك لك فرصة لكلمة، فهي تُريد أن تُسمعك لا أن تُسمع. تُحدثك عن ابنها وكأنها تُلقي تقريرًا عن مشروعٍ تعثّر، لا عن كائنٍ حيٍّ يتنفس. يُسمعك قلقها، لكنك تُدرك أنه ليس قلقًا عليه، بل قلقٌ منه؛ من أن يخرج عن السيناريو الذي رسمته له داخل رأسها، من أن يكون غير ما تمنت.
في عينيها مرآةٌ لا تعكس إلا صورتها، حتى حين تتحدث عن «النابغة» الذي يُزعج المعلمين، تُدرك أنها لا تُدافع عن تفوقه، بل تُدافع عن صورتها: «انظروا، أنا أمّ نابغة». لا تسأل عن وجعه، لا تسأل عن صمته، لا تسأل عن يديه الصغيرتين اللتين ترتعشان حين يُمسك القلم. المهم أن يظلّ ضمن الإطار الذي رسمته له، حتى لو كان الإطار يخنقه.
2. طفلٌ يُفكّك الألغاز قبل أن يُمسك المقص
هو لم يكمل العاشرة بعد، لكن عقله يجري سباقًا مع الزمن. يُدرك النتيجة قبل أن تُكتب، فيملأ صفحته بخطوطٍ عشوائية، فيُتهم بالشقاوة. يتسلل إلى حديث الكبار، فيُرمى بتهمة «الانحراف»، بينما هو لا يفعل سوى أنه يبحث عن مكانٍ يسعه خارج دهاليز الصمت. يُحبط من بطء يديه، فيُعرض عن الكتابة، فيُحبط أكثر، فيدور في حلقة مفرغة لا يُدرك أحدٌ أنها بدأت من مطبخٍ يرتفع فيه صوت الأم، وينخفض فيه صوت الطمأنينة.
3. عنفٌ مُبطَّن بالعاطفة
حين تبدأ «مراجعة الدروس»، يتحول البيت إلى ساحة معركة. الكلمات تُطلق من فمها كسهام: «بطيء، غير مُركّز، عقاب». واليد تُرتفع، لا لتُعلّم، بل لتُذكّر بمن هو صاحب القرار. لا تُدرك أن الطفل يتعلم أكثر من صرختها مما يتعلمه من واجباته. يتعلم أن الحب مشروطٌ بالامتثال، وأن الذات تُسحق حين تُخالف التوقعات. وفي ليلةٍ ما، سيُعلن الطفل انسحابه الصامت: «لا أقبل الإهانة بعد اليوم». ستُفاجأ الأم، لكن المفاجأة لن تكون في تمرده، بل في أنها لم تلاحظ أن الثورة بدأت منذ اللطمة الأولى.
4. توصيات: كيف نُنقذ ما تبقى من طفل؟
- أولًا: اخرسي صوت التوقعات. ابدأي بسماع إيقاعه الخاص، حتى وإن خالف إيقاعك.
- ثانيًا: ضعي العنف جانبًا، اللفظي والبدني. الذاكرة الجسدية للطفل لا تمحوها الاعتذارات لاحقًا.
- ثالثًا: استعيني بمختصّ تربوي أو نفسي، ليس لكي يُصلح «العيب»، بل لكي يُعيد ترتيب العلاقة.
- رابعًا: إسمحي له بالكتابة بأي وسيلة تُريحه، حتى لو كانت أزرار لوحة مفاتيح. الفكرة لا تموت بسبب شكل الحرف.
- خامسًا: تذكري دائمًا أن الطفل ليس امتدادًا لك، بل كائنٌ مستقلّ يُحاول أن يجد اسمه بين أسماء العالم.
خاتمة: وهل تستفيق المرآة ؟
قبل أن تغلقي هاتفك، قبل أن تُكملي جولة التسوق التالية، أوقفي لحظةً صوتك الداخلي واسألي: «هل أُحب ابني، أم أُحب صورتي في عينيه؟». لا تُجيبي سريعًا؛ فالإجابة الحقيقية تكمن في أنفاسه حين ينام مُطمئنًا، لا في صورك التي تُلتقطينها له وهو يبتسم مرغمًا.
إن أردتِ أن يُحبك الطفل فعلًا، فابدئي بأن تُحبي الطفل الذي هو عليه، لا الطفل الذي تُمنين أن يكون. وحينها فقط، حين تتحطم المرآة النرجسية، قد ترين في الزجاج المبعثر وجهًا بشريًا لا يُشبهك تمامًا، لكنه يحمل ابتسامةً لا تُصنع إلا بالحرية.
التحليل النفسي