خاطرة
نكران الجميل
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع {{الخجول يرتكب حماقات اقبح من الوقاحة }} في حضرةِ الذكرياتِ الباليةِ، أُمعِنُ النظرَ في وجهِ هذا الرجلِ الذي ظننتُه يحملُ من الوفاءِ ما يكفي ليُطفئَ عطشَ الصداقةِ في صدري، فإذا به يُفجعُني بما هو أشدُّ من جفاءِ الغريب: جفاءُ الأقربين.
نكران الجميل
عبد السلام الزراع - ٢٤/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
{{الخجول يرتكب حماقات اقبح من الوقاحة }}
في حضرةِ الذكرياتِ الباليةِ، أُمعِنُ النظرَ في وجهِ هذا الرجلِ الذي ظننتُه يحملُ من الوفاءِ ما يكفي ليُطفئَ عطشَ الصداقةِ في صدري، فإذا به يُفجعُني بما هو أشدُّ من جفاءِ الغريب: جفاءُ الأقربين.
أيُّ عجبٍ هذا الذي يسكنُ فينا؟ نُلبسُ الوجوهَ أقنعةً من الضوءِ، ونُخفي في الظلالِ تناقضاتٍ لا تُطاق. كان يُصافحُ الناسَ بابتسامةٍ كأنها شعاعُ فجرٍ، ويُودعهم بصوتٍ كأنه دعاءُ أمٍّ، ثم يُديرُ ظهره فيُطفئُ كلَّ شمعةٍ أضاءها.
في موسمِ الزيتونِ الأخيرِ، حملتُ إليه ستَّ قلوبٍ من الذهبِ الأخضرِ – كلُّها دهنٌ وذكرياتُ طفولةٍ – فاستقبلها بعينين دامعتينِ كأنه يستقبلُ روحَ أبيه. ثم عدتُ، كمن يُصلي في صومعةِ الحقلِ، فاستثمرت في أرضَهُ بلا أجرٍ، وسقيتُ اشجاره بعرقي، ظانّاً أنّي أروي فيه شجرةَ صداقةٍ لن تذبل.
لكنه، في صمتٍ موحشٍ، استبدلني بوهم آخرَ، واستأجرَ علاقة اخرى ، ليقومَ بما كنتُ أعدّهُ عهدَ الوفاءِ. لم يُخبرني، ولم يعتذر، بل تركني أرقبُ عجزي في عينيه كمن يرى ظلَّهُ يتبعُ غيرَه.
أهذا هو الإنسانُ؟ يُعطيك من الابتسامةِ ما يكفي لتُؤمنَ أنك في قلبهِ سكونٌ، ثم يُغلقُ البابَ دون أن يتركَ لكَ ظلَّ عتبةٍ تعودُ إليه؟
ربما كان خوفُهُ من المواجهةِ أقوى من صدقِه، أو ربما كانت بداياتُ الخرفِ تُغطي على ذاكرتهُ فيُنسيه معروفَ من أحسنَ إليه. لكنّي، في لحظةِ الحقيقةِ، لم أعد أرى في عينيه سوى انعكاسٍ لضعفٍ بشريٍّ لا يُبرّرُ، ولا يُنسى.
انتهت الرحلةُ، وانطفأتْ في صدري آخرُ سراجٍ كنتُ أضيئهُ لأحدٍ كان يُشبهُ الوفاءَ. والآن، أنا هنا، أكتبُ كمن يُغلقُ دفترَ ذكرياتٍ، ويعلّقُ على غلافهِ لافتةً صغيرةً: "هنا كان صديقي".
التحليل النفسي
عبد السلام الزراع - ٢٤/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
{{الخجول يرتكب حماقات اقبح من الوقاحة }}
في حضرةِ الذكرياتِ الباليةِ، أُمعِنُ النظرَ في وجهِ هذا الرجلِ الذي ظننتُه يحملُ من الوفاءِ ما يكفي ليُطفئَ عطشَ الصداقةِ في صدري، فإذا به يُفجعُني بما هو أشدُّ من جفاءِ الغريب: جفاءُ الأقربين.
أيُّ عجبٍ هذا الذي يسكنُ فينا؟ نُلبسُ الوجوهَ أقنعةً من الضوءِ، ونُخفي في الظلالِ تناقضاتٍ لا تُطاق. كان يُصافحُ الناسَ بابتسامةٍ كأنها شعاعُ فجرٍ، ويُودعهم بصوتٍ كأنه دعاءُ أمٍّ، ثم يُديرُ ظهره فيُطفئُ كلَّ شمعةٍ أضاءها.
في موسمِ الزيتونِ الأخيرِ، حملتُ إليه ستَّ قلوبٍ من الذهبِ الأخضرِ – كلُّها دهنٌ وذكرياتُ طفولةٍ – فاستقبلها بعينين دامعتينِ كأنه يستقبلُ روحَ أبيه. ثم عدتُ، كمن يُصلي في صومعةِ الحقلِ، فاستثمرت في أرضَهُ بلا أجرٍ، وسقيتُ اشجاره بعرقي، ظانّاً أنّي أروي فيه شجرةَ صداقةٍ لن تذبل.
لكنه، في صمتٍ موحشٍ، استبدلني بوهم آخرَ، واستأجرَ علاقة اخرى ، ليقومَ بما كنتُ أعدّهُ عهدَ الوفاءِ. لم يُخبرني، ولم يعتذر، بل تركني أرقبُ عجزي في عينيه كمن يرى ظلَّهُ يتبعُ غيرَه.
أهذا هو الإنسانُ؟ يُعطيك من الابتسامةِ ما يكفي لتُؤمنَ أنك في قلبهِ سكونٌ، ثم يُغلقُ البابَ دون أن يتركَ لكَ ظلَّ عتبةٍ تعودُ إليه؟
ربما كان خوفُهُ من المواجهةِ أقوى من صدقِه، أو ربما كانت بداياتُ الخرفِ تُغطي على ذاكرتهُ فيُنسيه معروفَ من أحسنَ إليه. لكنّي، في لحظةِ الحقيقةِ، لم أعد أرى في عينيه سوى انعكاسٍ لضعفٍ بشريٍّ لا يُبرّرُ، ولا يُنسى.
انتهت الرحلةُ، وانطفأتْ في صدري آخرُ سراجٍ كنتُ أضيئهُ لأحدٍ كان يُشبهُ الوفاءَ. والآن، أنا هنا، أكتبُ كمن يُغلقُ دفترَ ذكرياتٍ، ويعلّقُ على غلافهِ لافتةً صغيرةً: "هنا كان صديقي".
التحليل النفسي