العودة إلى خواطر
مشهد رقم 14

خاطرة

مشهد رقم 14

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع مدينة الضياع** شوارع المدينة، بأسفلتها المثقوب، تشبه ثوبًا باليًا تزينه زركشات الزمن العتيقة. تمشي فيها فتتعثر، كأنك تغوص في بركة مياه آسنة، تحيط بك ضوضاء المحركات وصخب المارة، أصواتهم المرتفعة تحمل شكاوى لا تعرف أصحابها. منبهات السيارات لم تعد مجرد إشارات، بل صارت صرخات تثبت الوجود في خضم الزحام. أجساد المارة مخدرة الأطراف، تحملها أقدامها إلى وجهات روتينية، كأنها جُبلت على تكرارها منذ الصغر. الناس، أنهكتهم لقمة العيش، يتحركون كمن يخوضون في كثبان رملية، أجسامهم مترهلة، أمعاؤها لا تفرق بين ما يدخلها، وعقولهم، التي أعياها الكسل الفكري، تسطحت في بوتقة التفاهة، عاجزة عن إيجاد مخرج من قبضة الفقر وضيق الحال.

مشهد رقم 14
عبد السلام الزراع - ٢٧/٠٩/٢٠٢٥
**مشهد رقم 14:

بقلم عبد السلام الزراع

مدينة الضياع**



شوارع المدينة، بأسفلتها المثقوب، تشبه ثوبًا باليًا تزينه زركشات الزمن العتيقة. تمشي فيها فتتعثر، كأنك تغوص في بركة مياه آسنة، تحيط بك ضوضاء المحركات وصخب المارة، أصواتهم المرتفعة تحمل شكاوى لا تعرف أصحابها. منبهات السيارات لم تعد مجرد إشارات، بل صارت صرخات تثبت الوجود في خضم الزحام. أجساد المارة مخدرة الأطراف، تحملها أقدامها إلى وجهات روتينية، كأنها جُبلت على تكرارها منذ الصغر. الناس، أنهكتهم لقمة العيش، يتحركون كمن يخوضون في كثبان رملية، أجسامهم مترهلة، أمعاؤها لا تفرق بين ما يدخلها، وعقولهم، التي أعياها الكسل الفكري، تسطحت في بوتقة التفاهة، عاجزة عن إيجاد مخرج من قبضة الفقر وضيق الحال.



ثلث التونسيين يعيشون تحت خط الفقر، يلتفون بلحاف العوز، ينامون على بساط الخصاصة. العوز ليس مجرد حالة، بل سمة وطنية تتشارك مرارتها الأغلبية. التظاهر بالرفاه صار أسلوب حياة، يخفي خلفه وجوهًا شاحبة، وقوى خائرة، وعيونًا ذابلة تحمل في نظراتها ذل الفاقة. لم يعد للناس رغبة في الحوار، فالكلام في نظرهم بات بلا جدوى. كل فرد غارق في همومه، يبحث عن حلول لذاته ولحياته، لكن الأفق مسدود، والضوء غائب.



الإحساس بالذنب يغلف الذات، يدفعها إلى متاهات القلق والضياع. الجسد منكفئ على نفسه، يناجي قواه الداخلية للخلاص من هذا الواقع المقيت. الأزمات والخلافات صارت قوتًا يوميًا، والتفكك والانفصام يخيمان على الأنفس. العزلة والعدوانية تسيطران على السلوك، فلم يعد يُرى إلا العبث بجوهر الإنسان، وصارت الكينونة ريشة تتقاذفها رياح التفاهة والرداءة. القيادة انفلتت من عقالها، تائهة بلا بوصلة، والاغتراب استقر في أعماق الذوات، يرسم معالمه بألوان اليأس. لعنة الفقر وتوابعه تحاصر الجميع، تتركهم في دوامة لا معنى

انتهي.