العودة إلى خواطر
مشهد رقم 10

خاطرة

مشهد رقم 10

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع تقديم: كعادتي، أغوص في بحر الإيماءات البشرية، أقتفي أثرها كمن يفك طلاسم مخطوطة قديمة، بحثًا عن خبايا اللغة الجسدية التي تروي ما لا تنطق به الشفاه. أستقي حكاياتي من فضاءات الحياة العامة: مقاهي الزوايا، مغارات المدينة النابضة، وقاعات انتظار المؤسسات التي تحمل أنفاس الزمن الراكد.

مشهد رقم 10
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥
مشهد رقم 10



بقلم عبد السلام الزراع

تقديم:

كعادتي، أغوص في بحر الإيماءات البشرية، أقتفي أثرها كمن يفك طلاسم مخطوطة قديمة، بحثًا عن خبايا اللغة الجسدية التي تروي ما لا تنطق به الشفاه. أستقي حكاياتي من فضاءات الحياة العامة: مقاهي الزوايا، مغارات المدينة النابضة، وقاعات انتظار المؤسسات التي تحمل أنفاس الزمن الراكد.

لكن الريح تعاندني، فالوقت ضنين، واللحظات التي أرصد فيها هذه الإشارات الصامتة تتسرب كرمل بين أصابعي. الناس، كطيور مهاجرة، لا يستقرون في مرفأ واحد، يعبرون هذه الأماكن كمحطات عابرة، تتلاشى خطاهم في ضجيج المدينة.

المحيط:

على كورنيش برجيش، يتربع مقهى متواضع، كأنه زاوية منسية من الزمن، قليل الرواد بعد أن ودّع الصيف وأرخى الخريف ستائره الذهبية. مرتادوه من أهل الحياة البسيطة، وجوههم محفورة بخطوط الكد والصبر. يستقبلهم نادل بابتسامة دافئة، كأنها شعاع شمس في يوم ملبد، يوقظ في النفس ذكرى أماكن مألوفة من زمن غابر. هذا المقهى، كلوحة بالية، يرسم خلفية لمجتمع يتنفس تحت وطأة الظروف القاسية.

اليوم، يلفح الطقس الحار وجوه الخلائق، ونحن على أعتاب السنة الدراسية، حيث تثقل الهموم المادية أكتاف المواطنين. الأعصاب مشدودة كأوتار قيثارة قديمة، يعزف عليها الغلاء لحنًا صاخبًا يجتاح كل شيء، ويزيدها قسوة نقص المواد الأساسية—السكر، القهوة، الشاي—كأنها أحلام تتبخر في مهب الريح. يحتضن هذا التوتر قلوب الناس، فيتشكل منه لوحة نفسية مكتظة بالقلق والضجر.

بجواري، على طاولة خشبية متآكلة، طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العاشرة، تجلس كزهرة برية بين والدها وكهل أحسبه جدّها، وجهه محفور بتجاعيد الحياة.

الرجل المسن:

يرتدي مريولاً أبيض تتخلله خطوط سوداء كأنها خيوط قدر محبوك، وقد غزت الشيب رأسه كفضة تلمع تحت شمس الظهيرة. يدخن سيجارته بيده اليمنى، وبعد كل نفس، يهاجمه سعال جاف كأنه صرخة من صدر مثقل بالهموم. تلك النوبات مرايا لروحه المضطربة، ربما صدى لمعاناة تتشابك فيها الجسد والنفس. يضع يديه مفتوحتين على ركبتيه، كأنه يحتضن لحظة راحة وهمية، ثم يمسحهما على بنطاله في حركة قلقة، ويضم أصابعه كمن يتشبث بحبل الأمل. تلك الحركات، كأنها رقصة صامتة للتوتر، تحكي عن نفس تحاول استعادة زمامها.

بين حين وآخر، يرتشف من فنجان قهوته السوداء، كأنه يشرب من مرارة الأيام. ينهض فجأة، صوته يرتجف كورقة شجر في مهب الريح، متوسلاً مرافقه:

"يجب أن نذهب إلى المهدية، فالوقت يفر منا كظل عابر."

في هذا التوسل، صدى الضعف والوحدة، كأن صوته يحمل أثقال سنوات طويلة. يعود إلى مقعده، يواصل التدخين وترشف القهوة بحركات مضطربة، وأصابعه اليسرى تداعب المفاتيح كأنها تعزف لحنًا من القلق. تلك الحركات اللاإرادية، كأمواج بحر متلاطمة، تكشف عن نفس غارقة في بحر الهم.

الابن الشاب:

يتربع على كرسي بلاستيكي، متكئًا إلى الوراء كأنه يتحدى ثقل اللحظة بمظهر اللامبالاة. لكن في استرخائه، خدعة خفية، كأنه يرتدي قناع الراحة ليداري توترًا يعتمل في الأعماق. يدخن سيجارته، رافعًا إياها إلى مستوى رأسه بأناقة متكلفة، كمن يقلد حركات الفتيات اللواتي يرقصن على إيقاع الحرية. في هذه الحركة، رغبة في التمرد، لكنها قد تخفي هشاشة الروح. يرتشف القهوة بنهم، كأنه يبحث عن ملاذ في طعمها المر. يرفض طلب المسن بالذهاب، ثم يضع ذراعه على الطاولة، ويطفئ سيجارته في المنفضة بحركة حاسمة، وينهض كمن يهرب من حوار داخلي. في اندفاعه، قرار مفاجئ، كأنه يطرد شبح الضغط الذي يخنقه.

الطفلة الصغيرة:

تتزين بحجاب أحمر كزهرة الخشخاش، تتخلله لمسة سوداء عند غطاء الرأس كظلال الليل. تقضي وقتها غارقة في شاشة هاتف والدها، أصابعها الصغيرة ترقص على الشاشة كفراشات تائهة. في انشغالها، هروب من ضجيج العالم، كأنها تبني عالمًا موازيًا من الأضواء والألوان. هذا الانفصال، كأنه قوقعة هشة، تحميها من قسوة الواقع لكنه يباعد بينها وبين جذور النضج العاطفي.

ملاحظات عامة:

المسن يحاول النهوض بين الفينة والأخرى، كأنه يتشبث بخيط من الأمل في إتمام مهمته. يتوسل مرافقه، ثم يغادران معًا، كظلين يتلاشيان في أفق مجهول. في ترددهما، قصة عدم اليقين، كأن الحياة نفسها تتأرجح بين الثبات والرحيل.

التحليل:

في أزقة المجتمع التونسي، تنتشر كالوباء ظاهرة الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم العقد الأول، يغرقون في بحر الهواتف الجوالة. الأمهات، في محاولة لإسكات صخب الصغار، يمنحونهم شاشات مضيئة كملاذ، فينشأ إدمان يُعرف بـ"النونافونيا"، كأنه سجن رقمي يسرق براءة العقول ويُضعف جذور النمو العاطفي. في هذا الهروب إلى الشاشات، خسارة لأحلام الطفولة، كأنها أجنحة تُقص قبل أن تطير.

ولا يقل قتامة عن ذلك التوتر الذي يرسم خطوطه على وجوه الناس، والانطواء الذي يغزو القلوب. في المقهى، يجلس الرواد كجزر منعزلة في بحر من الصمت، أعينهم معلقة بشاشات هواتفهم، كل يغرق في عالمه الخاص، كأنه يبحث عن ملاذ من عاصفة الواقع. في هذا الانفصال، تفكك للروابط الإنسانية، كأن المدينة أصبحت غابة من الوحدة.

الخلاصة:

هذا المشهد، كلوحة قاتمة، يرسم ملامح مجتمع تونسي يئن تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. التوتر ينسج خيوطه في النفوس، والانفصال يبني جدرانًا بين القلوب، بينما تتحول التكنولوجيا إلى ملاذ زائف يسرق الروح من لحظات الحياة الحقيقية. في هذا العالم المتأرجح بين الأمل واليأس، يبقى السؤال: هل ستجد هذه النفوس طريقها إلى الضوء، أم ستظل تائهة في ظلال القلق؟

انتهى. 25/09/2024