العودة إلى خواطر
مشهد من مقهي الاثرياء

خاطرة

مشهد من مقهي الاثرياء

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢٣/٠٨/٢٠٢٥ لنفسي رخصةً صامتة، وجلستُ في زاويةٍ من مقهى «المستقبل» كمن يفتح كتابًا بلا غلاف؛ أراقب صفحاته تُكتب أمامي على إيقاع فنجان إسبريسو يبرد. المكانُ يشبه

مشهد من مقهي الاثرياء
عبد السلام الزراع - ٢٣/٠٨/٢٠٢٥




لنفسي رخصةً صامتة، وجلستُ في زاويةٍ من مقهى «المستقبل» كمن يفتح كتابًا بلا غلاف؛ أراقب صفحاته تُكتب أمامي على إيقاع فنجان إسبريسو يبرد. المكانُ يشبه صندوقَ عطورٍ ثمينٍ يفوح بعبق «الرفاهية» حتى قبل أن تلمسه؛ يُستدعى فيه كلّ شيءٍ لكي يُرى، ويُسمع، ويُعجب.

في البداية، كانت الطاولةُ على يساري مقتصرةً على شابّين.

الأول طويلٌ قامةً، لحيته تُقصُّ بدقةٍ عربيّةٍ وطولٍ أوروبيّة، وكلامه ينساب بين «إن شاء الله» و actualités»، كأنّه يُسافر في كل جملةٍ من المشرق إلى المغرب ثم يعود. يُدلي بدلوٍ دينيٍّ هنا، ويُرشُّ عليه قليلَ من طمأنينة الغربة، فيبدو حديثه وثيقةَ سفرٍ أكثر منه عقيدة.

الثاني يحمل لغةَ «الزنقة» على كتفيه، كأنّه يُفكِّك مفكرةَ نجّارٍ من جيبه فيضعها على الطاولة: كلامٌ صلبٌ، مساميره واضحة، لا يُغلّف شيئًا.

ثم انضمّ إليهما صمتٌ اسمه «ثالث»، صوته ناعمٌ كحريرٍ مبلّل بندى الصباح، وجسده يميل إلى الرقة كغصنِ ليمونٍ في مهبّ ريحٍ خجولة. لم أرَ فيه علامةَ اضطرابٍ، بل رأيتُ أنوثةً رصينةً ترفضُ أن تُسمّى غير «أنا».

رابعهم لم يكن سوى حضورٍ يُسمع أنفاسه من حينٍ لآخر، كأنّه يشهد على الجلسة دون أن يشارك في وثيقتها.

تحدّثوا عن الأفاعي.

نعم، الأفاعي.

أخرج أحدهم هاتفه، وبحركةِ ساحرٍ أخرج ثعبانًا افتراضيًا يتلوّى على الشاشة، فابتسم الجميع ابتسامةَ أطفالٍ رأوا قنديلَ بحرٍ لأول مرة. كانوا يفرّون إلى الأمام والخلف بالإبهام، ويضحكون كأنّهم يُعيدون اكتشاف الخوف من بداياته. في تلك اللحظة، لم أرَ شبابًا يتكلمون عن زواحف، بل رأيتُ نفوسًا تتشبث بأيّ موضوعٍ خفيفٍ كي لا تغرق في بحرها الداخلي.

فجأةً، انفتح الباب على وقع خطواتٍ مُعتادةٍ على السجادة الحمراء للمكان: رضوان و ابنته، صديقٌ، ومجهولٌ رابع. صعدوا إلى الطابق العلوي حيث «الجلسة المختلطة»، فهناك يُسمح للضوء أن يكون أكثر حياءً، والأصوات أن تكون أكثر همسًا، كأنّ كلّ طابقٍ في «Storify» يُمارس طقسًا اجتماعيًا خاصًا به.

مرّت ساعةٌ ونصف.

ظلّت الكلماتُ تدور في فلك السطحيّات: سيارةٌ جديدة، خليةُ نحلٍ اشتراها أحدهم في شرفة منزله، قطٌّ تبنّاه جارهم ثم أعاده إلى الشارع. لم يذكروا الأسعار، ولا الغلاء، ولا الحروب القريبة أو البعيدة. كانوا كمن يُمسك بمسبحةِ الحديث ويتلوّى بها في إيقاعٍ لا يجرؤ على الانكسار.

وفي لحظةٍ من لحظات الصمت، خطر لي أنّ هذه السطحيّة ليست سذاجة، بل هي رغبةٌ واضحةٌ في أن تكون الحياة خفيفةً كفقاعة صابونٍ لا تُرى إلا إذا التقطتها الشمس. ربما يتركون الثقل لغرف أخرى: لجلسات البرلمان، لندوات الجامعة، لصفحاتهم السرية على مواقع التواصل. أما هنا، فالمطلوبُ هو أن تُسمع ضحكتك فوق زقزقة البنّ المطحون، وأن تُبقي على هشاشة اللحظة قبل أن تتحول إلى ذاكرة.

ولما غادرتُ، لم أخرج من مقهى «Storify» فحسب، بل خرجتُ أيضًا من فكرةٍ كنتُ أظنّها بديهية: إنّ العُمق مطلوبٌ دائمًا. أدركتُ أنّ بعض الناس يُعيدون تعريف العمق فيضعونه على أطراف أصابعهم، لا في قاعهم.

وأنا أخطو في الشارع، كانت الشمس تُداعب واجهة المقهى فتعكس عليّ صورتي، فابتسمتُ:

أنا أيضًا كنتُ، للحظةٍ ما، فقاعةً في فنجانهم.
يوم السبت 12 ماي 2025)
عبد السلام الزراع
قصة قصيرة