العودة إلى خواطر
موجز تاريخ قصور الساف سلقطة

خاطرة

موجز تاريخ قصور الساف سلقطة

تاريخ غير متوفر

موجز من تاريخ قصور الساف وسلقطة **عبد السلام الزراع** (مدينة ساحلية في القطر التونسي ) لم تُذكر قصور الساف توثيقاً إلا في بعض نصوص القرن الثامن عشر الميلادي، مثل كتاب "مقديش" (1). وحتى في كتاب "المناقب" للهواري، لم يرد ذكرها إلا من خلال الشيخ الطاهر المزوغي وآخرين، حيث "استقر أخيراً في بادية سوسة .

موجز تاريخ قصور الساف سلقطة
عبد السلام الزراع - ٠٩/٠٤/٢٠٢٥
موجز من تاريخ قصور الساف وسلقطة
**عبد السلام الزراع**
(مدينة ساحلية في القطر التونسي )


لم تُذكر قصور الساف توثيقاً إلا في بعض نصوص القرن الثامن عشر الميلادي، مثل كتاب "مقديش" (1). وحتى في كتاب "المناقب" للهواري، لم يرد ذكرها إلا من خلال الشيخ الطاهر المزوغي وآخرين، حيث "استقر أخيراً في بادية سوسة".
**هل هذا يعني أنها لم تكن موجودة في القرن السابع؟**
هذا سؤال يطرح فرضية تحتاج إلى تدقيق، لكن النص لا يقدم إجابة قاطعة، بل يترك المجال للبحث التاريخي.
**الموقع الجغرافي**
تقع قصور الساف على ربوة غرب وادٍ ذي منحدر حاد، حيث جرفت سيول الأمطار المنحدرة من المرتفعات المحيطة بالبلدة من الغرب والجنوب. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً أو اعتباطياً، بل كان مدروساً وفقاً لمقاييس تخطيط المدن.
كانت المدن والقرى في العصر الحفصي أو الأغلبي تقام على أنقاض المدن الفينيقية أو الرومانية، ويتخذ سكانها من الأماكن المرتفعة مواقع للسكن والاستقرار خوفاً من هجمات العدو على شكل رباطات.

**تاريخ التأسيس**
يعتقد أغلب المؤرخين أن تأسيس مدينة قصور الساف تم على خلفية انقراض مدينة سلقطة وتقلص نفوذ قصورها ورباطها البحري، إبان الزحف الهلالي وهجمات النورمان على السواحل التونسية "إفريقية"، وما خلفته من دمار للعباد والعمران. وهذا ما دفعنا إلى تبني الفرضية القائلة إن قصور الساف قرية مستحدثة نشأت في العصر الحفصي، واقترن اسمها باسم الشيخ الطاهر المزوغي.
أما الفرضية الثانية التي ذهب إليها المؤرخ والباحث محمد بن حسن، وهي أن مدينة قصور الساف قديمة وكانت تُعرف تحت اسم آخر "تماجر"، فهي فرضية ضعيفة لا تؤيدها البحوث والوقائع، وظل الغموض يكتنفها من عدة جوانب.
ولا يمكننا البحث في نشأة قصور الساف إذا تجاهلنا امتدادها التاريخي عبر العصور: الفينيقي، الروماني، الإسلامي، الفاطمي، إلخ، وخصوصاً الآثار التي خلفتها في تخومها وضواحيها مثل العالية والمقلوبة والحريقة وغيرها، والتي لا تزال إلى الآن مجهولة المعالم.

---

**سلقطة عبر التاريخ**
سلقطة مدينة تاريخية عُرفت بجمال شواطئها، تبعد عن المهدية 12 كيلومتراً وعن قصور الساف 5 كيلومترات. تتميز بموقع جغرافي فريد، حيث تمتد على ثلاثة خلجان متجاورة:
- الأول يبدأ من بلدة الشابة (رأس قبودية) جنوباً وينتهي عند نقطة في البحر تُعرف برأس البلد.
- الثاني ينتهي عند نقطة تُسمى رأس شبورو.
- الثالث يبدأ من رأس شبورو ويصل إلى قبودة في مدينة المهدية (2).

××××××××××××××××××××××××××
#### **الهواري**
الهواري (584-664 هـ / 1189-1265 م)، علي بن محمد أبو القاسم الهواري التونسي الصوفي، من أصحاب الشيخ الطاهر المزوغي، اشتهر بالصلاح وكتابة المناقب. من مؤلفاته: "مناقب الأولياء" و"بيان ترباتهم ومزاراتهم".


×××××××××××××××××××××××××

**العهد الفينيقي**
يعود تأسيس سلقطة إلى العصر البوني (الفينيقي) حوالي 1100 ق.م، عندما ظهر الفينيقيون على السواحل التونسية. وعندما وصلوا إلى إفريقية، وجدوها مأهولة بالسكان، حيث كانت تحتلها قبائل عديدة لها حضارتها وتقاليدها ونظمها السياسية، وليس كما يروج البعض أنهم كانوا أناساً متوحشين (3).
عندما استوطن الفينيقيون في سلقطة وغيرها، نشروا الحضارة والعمران وأسسوا ميناءً لاهتمامهم بالتجارة، ولا تزال آثارها إلى الآن (4).
اسم "الفينيقيون" مشتق من مادة يونانية، وقد تحدث هوميروس في "الإلياذة" و"الأوديسة" عنهم، مشيراً إلى حسهم التجاري ومهاراتهم في البيع والشراء. كانوا يأتون من الشام وأسسوا معالم تجارية عديدة، منها حضرميتوم (سوسة الحالية)، أوتيقا، وبنزرت (5).
تمكن الأسطول الفينيقي من التفوق وفرض هيمنته بفضل مهاراتهم في التجارة وحذقهم في صناعة السفن. وزد على ذلك أن الملاح الفينيقي أصبح معروفاً بحذقه في ضبط الاتجاه والتعرف على المسالك البحرية لتجنب التيارات السريعة والقرصنة (6).
أسس التجار الفينيقيون الماهرون سلقطة، ووجدوا في السواحل التونسية (إفريقية) مواقع مميزة أقاموا فيها مستوطنات، منها سلقطة، لقيمتها الكبرى من حيث موقعها الدفاعي والاقتصادي والتجاري (7).
كان الفينيقيون أمة بحرية، فاتخذوا من البحر حضارة شامخة. وكانت جل عنايتهم في ما ينمي الثروة، كالتجارة والصناعة والفلاحة وغرس الأشجار وحفر الآبار. ولا يُستبعد أن يكونوا جلبوا شجرة الزيتون من الشام وغرسوها في الأراضي التونسية (8).
لكن في الحقيقة، الرومان هم من دعموا هذه الزراعة وشجعوا على الغرس في إفريقية (9).

**العهد الروماني**
بعد سقوط قرطاج وأفول الحضارة الفينيقية، استوطن الرومان سلقطة ونشروا فيها الحضارة، وأسسوا ميناءً كبيراً متخذين منه وسيلة لتصدير منتجاتهم الزراعية مثل الزيت والخمور (10).
كان أهالي سلقطة في تلك الحقبة وثنيين قبل الميلاد، ثم اعتنقوا النصرانية وأطلقوا على المدينة الاسم اللاتيني "sullectum"، أي المكان المختار أو المفضل.
ومن المنتجات الأكثر ازدهاراً عند الرومان كان الزيت، إذ استُخدم لإشعال القناديل وفي المطبخ وبديلاً عن الصابون في الاستحمام. وفي سنة 300 ق.م، وُجد في روما حوالي 2300 بائع زيت، وهو دليل على كثرة المحلات التجارية بجانب المساكن (11).
ازدهرت سلقطة في العهد الروماني بفضل كثافة أنشطتها البحرية، ثم تطورت إلى صناعات تحويلية، وكان بها مراكز عديدة للصيد البحري تحتوي على خزانات كبيرة لتمليح الأسماك (12).
من معالمها الرومانية الحمام العمومي، الذي كان له مكانة هامة في حياة الروماني ويُدرج ضمن ممارساته اليومية. احتوت سلقطة على حمامات فسيحة وفاخرة، حيث يقضي الإنسان أوقات فراغه كمكان للاجتماع والترفيه، فضلاً عن الاستحمام. وكانت تُمارس فيها الألعاب الرياضية والمطالعة، واشتملت على حدائق للتنزه ومكتبات وأحياء تجارية، إلخ.
كان الحمام مؤسسة هامة، وقد عُثر في سلقطة الرومانية عند مدخل حوض سباحة على لوحة فسيفسائية مرصعة بأبيات شعرية (Invidus) (13).
حين ظهر الدين الجديد (المسيحية)، اضطُهد أنصاره بشدة حتى تحول مسرح الجم إلى مذبحة رهيبة. لذلك، بنى النصارى الأوائل في سلقطة مدافن (الكاتاكومب أو "داموس")، يُطلق عليها المحليون "غار الضبع"، وتأتي في المرتبة الثالثة بعد مدافن سوسة وقرقنة (14).
ففي مدخلها هيكل أو كنيسة بمحراب، ويقال إن هذه المداخل تمتد لعشرات الكيلومترات، استُخدمت كمنفذ للوصول إلى مسرح الجم بساحل سلقطة.
تحدث التيجاني في رحلته قائلاً: "عندما حوصرت الكاهنة في قصر الجم، كان يأتيها الطعام والشراب من نفق يربط القصر بساحل سلقطة" (15).
يتكون هذا المدفن الضخم من أروقة تحت الأرض، عرض الواحدة لا يتجاوز أربعة أمتار وارتفاعها حوالي ثلاثة أمتار، تضم تجويفات في جدرانها كانت تُوضع فيها جثث المتوفين من مختلف الأعمار. الأروقة متداخلة، بعضها متشابه وبعضها غير نافذ. ولمعرفة مكوناته، يجب الرجوع إلى الطقوس الرومانية الخاصة بالموت (16).
> "كان اليونانيون والإيطاليون القدامى فرعاً من الجنس الهندي الأوروبي. من عقائدهم أن الموت لا ينهي الحياة، بل هو ميلاد جديد من نوع آخر ونقطة تحول. ويعتقدون أن النفس بعد انفصالها عن الروح لا تتنقل إلى بدن آخر ولا تصعد إلى السماء، بل تبقى قريبة من الأرض مع البشر. ودليلهم أن طقوس الدفن عندهم احتفال بدفن الجثة، ينادون روح الميت باسمه ثلاث مرات، ويتمنون لها العيش سعيدة تحت الأرض. وكانوا يكتبون على القبر 'هنا يرقد فلان'، ويضيفون أشياء يحبها الميت كالملابس والسلاح والأدوات، لاعتقادهم أنه حي، ويذبحون الجياد والرقيق ويدفنونهم قريباً منه كقرابين يحتاجها" (17).

**العهد البيزنطي**
تبعد سلقطة عن المهدية ثمانية أميال، وعن قصر الجم حوالي 33 ميلاً، المعروف بقصر الكاهنة التي حوصرت فيه. حفرت نفقاً في الصخر إلى سلقطة، يمكن أن تمر فيه الخيول، وكان يُنقل الطعام إليها من سلقطة إلى الجم (18).
في 31 أغسطس 533 م، نزل القائد البيزنطي بليساريوس في رأس قبودية (Caput Vada) على رأس أسطول ضخم لزعزعة الإمبراطورية الرومانية في إفريقية (19).
بعد عام 583 م، أصبحت سلقطة تحت النفوذ البيزنطي، لكنها تراجعت لاحقاً، وأسس البيزنطيون حول مينائها قصراً جديداً تحميه قلعة مربعة (50 م × 50 م) (20).

**سلقطة ما بعد الفتح الإسلامي**
وجد العرب الفاتحون في سلقطة آثار منارة بناها الفينيقيون على المرفأ، لكنهم فضلوا الاستقرار بعيداً عن مفاجآت البحر في قصور الساف (21).
احتفظت بنفس مكانتها التجارية قبل الفتح، حيث كانت السفن تنطلق من الإسكندرية عبر مرسى المهدية إلى مرسى سلقطة حتى تصل قرقنة (22).
كانت سلقطة مركزاً للمرابطة، لكنها فقدت وظيفتها في العهد الفاطمي، فتحولت المنطقة إلى منتجع لأمراء العبيديين ثم الصنهاجيين، مما أدى إلى انقراض القصر في العهد الحفصي. وأُنشئت قصور الساف كمركز صوفي، أي رباط خلفي لسلقطة.
أصبحت سلقطة في العهد الفاطمي ربضاً من أرباض المهدية (23).
كشفت الحفريات عن مآثر فاطمية كالخزف الملون والمطلي والزجاج المذهب المصنوع بالمنصورة.
بعد أن عاشت فترات من الشموخ والرقي، جاء الزحف الهلالي فأتى على الأخضر واليابس، مما أدى إلى انقراضها نهائياً. وانتقل سكانها إلى قصور الساف خوفاً من الإعراب، فتُركت مهجورة في القرن 13 الميلادي.

**المصادر والمراجع**
1. "نزهة الأنظار"، محمود مقديش، تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1988، ج1، ص...
2. يوغرطة، حسن فنطر، الدار التونسية للنشر، 1984، ص29.
- عبد المولى، "تاريخ قصور الساف وسلقطة"، ص19.
3. نفس المصدر، ص20.
4. نفس المصدر، ص20.
5. "الفينيقيون بناة المتوسط"، حسن فنطر، ص75.
6. ناجي جلول، "L’homme et la mer"، ص151؛ حسن فنطر، "El Alia"، ص48، ص98.
7. "معجم المدائن التونسية"، أحمد الحمروني، ميدياكزم، الطبعة الثانية، 1998، ص86.
8. "خلاصة تاريخ تونس"، حسن حسني عبد الوهاب، ص86.
9. نور الدين النوري، "الزيتونة ثروة"، ص19.
10. عبد المولى، "تاريخ قصور الساف وسلقطة"، ص24.
11. "Comment vivaient les Romains"، Joan Formen et Fernand Nathan، 1975، ص26.
12. عبد المولى، "تاريخ قصور الساف وسلقطة"، ص22.
13. محمد الشريف، "تاريخ تونس"، ص124.
14. عبد المولى، "تاريخ قصور الساف وسلقطة"، ص2627.
15. "رحلة التيجاني"، تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، ص57.
16. "رحلة التيجاني"، ص57-59.
17. ناجي جلول، "L’homme et la mer"، ص151.
18. البكري، "المسالك والممالك"، ص682.
19. "Histoire de l’Afrique du Nord"، Edmond Johan، باريس، 1968، ص50.
20. "الرباطات البحرية بإفريقية في العصر الوسيط"، وزارة البحث العلمي، تونس، 1999، ص128.
21. البكري، "المسالك والممالك"، دار العربية للكتاب، تونس، 1992، ج2، ص684.
22. عبد المولى، "تاريخ قصور الساف وسلقطة"، 1984، ص23.
23. ناجي جلول، "L’homme et la mer"، ص151.

---