خاطرة
مهرجانات التونسية بين الهوية و الفراغ
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع مهرجانات التراب والطعم: بين الهوية والفراغ في تونس، أرض الزيتون والموج، أصبحت المهرجانات تتسلل إلى الذاكرة كأنها أوراق خريفية تتساقط على أرض
مهرجانات التونسية بين الهوية و الفراغ
عبد السلام الزراع - ٢٥/١٠/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
مهرجانات التراب والطعم: بين الهوية والفراغ
في تونس، أرض الزيتون والموج، أصبحت المهرجانات تتسلل إلى الذاكرة كأنها أوراق خريفية تتساقط على أرض جافة، تحمل أسماء تلامس الحواس الأساسية: الطعام. من الرمان الذي ينفجر عصارته كذكرى الجنة المفقودة، إلى التمور التي تُشبه أصابع الزمن المتجعدة، مرورًا بالبسيسة ذات الرائحة الترابية الدافئة، وصولاً إلى الأسماك التي تهمس بأسرار البحر. وحتى الأشجار، كالزيتون العتيق الذي يقف شاهداً على قرون من الصبر، أصبحت بطلة هذه الاحتفالات. أليس هذا الإغراق في الطبيعي علامة حب عميق للهوية الأرضية، حيث يعود الإنسان إلى جذوره كشجرة تُمسك بالتربة لئلا تُقذَفَ بالرياح؟ أم أنه هروب مدروس من مطبات الظواهر الاجتماعية والسياسية، تلك الوحوش التي تُلْبِسُ الثوبَ الثقيلَ على كاهل الروح؟ ومع ذلك، يتنافى هذا التوجه مع ما يُقْرُهُ النظام في بنيته المؤسسية، حيث تُفْتَحُ الأبوابُ للثقافة كوسيلة للترفيه، لا للتحدي أو الإصلاح.
وها هو موضوعُنا الحالُ يَرْسُمُ لوحةً أكثر دفءًا وألمًا: مهرجانُ الميلة في سلقطة، تلك المدينة الساحلية التي تُعَانِقُ البحرَ كعاشقٍ يخشى الفراق. الميلة، هذه السمكة الرشيقة التي كانت في الماضي رفيقَ الطاولة الشعبية، تُقْلَصُ الآن من عالمِ الفقراءِ مع تَضَاءُلِ القدرةِ الشرائيةِ للمواطن. كان كيلوُها يُجْهَزُ بِنصْفِ أجرةِ الأجيرِ، فَيَصْبِحُ اقْتِنَاؤُهَا مِلْكًا للطبقةِ الميسورةِ نسْبِيًّا. أمَّا الفقيرُ، فَيَمْكِنُهُ أَنْ يَتْذَوْقَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، لِيُقْنِعَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ نَذِيرَةً مِنْ طِعَامِ الْأَجْدَادِ، كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ لَوْحَةً فَادِيَةً قَدِيمَةً لِيَرْمِيَ بِهَاْ الْغُبَارَ عَنْ ذِكْرَاهُ. هَذِهِ الْمَحْوَلَةُ لِلْمَاضِيِّ تَكْشِفُ عَنْ تَشَوُّهِ الْعَادَاتِ، حَيْثُ يَصْبِحُ الْفَقْرُ لَيْسَ فَقْرًا مَالِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ فَقْرًا حَوَاسِّيًّا يَحْرِمُ الْإِنْسَانَ مِنْ لَذَّةِ الْيَوْمِيِّ.
وَفِيْ خَلْفِ هَذَا الْحَفْلِ يَقْعُ الْفَرَاغُ الْثَّقَافِيُّ الْمُؤْلِمُ الَّذِيْ تَعَانِيْ مِنْهُ الْمُؤَسَّسَةُ الْثَّقَافِيَةُ، فَدَفَعَهَا إِلَى الْانْغْمَاسِ فِيْ التَّفَاهَاتِ وَتَهْوِيلِ الْأَنْظَارِ عَنْ الْمَشَاغِلِ الْحَقِيقِيَّةِ. أَلَيْسَ هَذَا الْمَهْرَجَانُ سَيَعْمَلُ كَجِسْرٍ لِتَطْوِيرِ قَطَاعِ الصَّيْدِ الْبَحْرِيِّ، مُعْرِضًا تِقْنِيَاتَ الصَّيْدِ الْمُسْتَدَامَةَ وَدَعْمًا لِلْأَسْرِ الْبَحْرِيَّةِ الْمُتَعَثِّرَةِ، أَمْ هُوَ فُلْكْلُورٌ ترفِيهُ وَيُمْلَأُ الْفَرَاغَ الْتَّنْشِيطِيَّ بِلَيْلَةٍ مِنْ الْأَغَانِيْ وَالرَّقْصِ، كَأَنَّهُ قِنْوَانٌ يَخْفِيْ الْجُرْحَ دُونَ شِفَائِهِ؟ إِنَّ الْأَوْلَىْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَابًا لِلْوَعْيِ الْبِيْئِيِّ، حَيْثُ يَتَعَلَّمُ الْجَمْهُورُ كَيْفَ يَحْمِيْ الْبَحْرَ مِنْ الْتَّلَوُّثِ وَالْصَّيْدِ الْفَوْضَوِيِّ، مُحَوِّلًا الْمَهْرَجَانَ مِنْ تَرْفِيهٍ إِلَىْ أَدَاةِ تَغْيِيرٍ. أَمَّا الْثَّانِيَةُ، فَتَبْقَىْ مَرْآَةً لِلْفَرْغِ الْمُزْمِنِ، تَعْكِسُ كَيْفَ تَحْوَلُ الْثَّقَافَةُ إِلَىْ سِلْسِلَةٍ مِنْ الْلَّحْظَاتِ الْعَابِرَةِ دُونَ أَنْ تَبْنِيْ.
غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَتُنْظَمْ حَلْقَةُ نِقَاشٍ قِيلَ إِنَّهَا سَتَغُوصُ فِيْ عُلُومِ الْبِحَارِ وَعَلَاقَتِهَا بِالْبِيْئَةِ، رُبَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الْحَلْقَةُ نَقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِتَحْوِيلِ الْفُلْكْلُورِ إِلَىْ حَرْكَةٍ. فِيْ هَذِهِ الْأَرْضِ الْتِّيْ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمَوْجِ وَالْجَبَلِ، يَمْكِنُ لِلْمَهْرَجَانَاتِ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامٍ وَرَقْصٍ؛ يَمْكِنُهَا أَنْ تَصْبِحَ صَوْتًا لِلْأَرْضِ الْمَغْدُورَةِ، وَجِسْرًا يَعُودُ بِنَا إِلَىْ الْأَصْلِ دُونَ أَنْ يَفْتَرِقَ عَنْ الْحَاضِرِ. إِلَىْ اللِّقَاءِ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلْنَأْمَلْ أَنْ يَكُونَ الْحِوَارُ بَدْءًا لِشِفَاءٍ.
في أحضان سلقطة، تلك المدينة الساحرة التي تُخفي في طياتها أسرار البحر الأزلي، وصلتُ وكأني ضيفٌ على الرياح الربيعية، مخالفةً لسرِّ الخريف الذي يُغلفُ الأرض بستارٍ من الذكريات الذابلة. تأخرتْ الأمطارُ كعشاقٍ مترددين، فأقامَ الأجدادُ خيامهم في ربوعِ قصورِ الشافِ، حيث يتسلَّلُ المناخُ النخبويُّ كضوءٍ خافتٍ يُنيرُ وجوهَ الغائبين عن الزمن. أغلبُ الحاضرينِ نساءٌ من طبقةٍ نسائيةٍ متميزة، تستقبلهنَّ مديرةُ دارِ الثقافةِ بابتسامةٍ تُشبهُ فجرَ يومٍ جديد، في مكانٍ أُطلِقَ عليهِ "المركزُ الثقافيُّ بِسَلْقَطَة"، يَشْرَفُ عليهِ الشاعرُ يوسُفُ رَزُوقَةُ كحارسٍ لِبَوَابَةِ الأحلامِ الشعريةِ. في مبنىً شَبِيهٍ بِمَسْكَنٍ هادئٍ، أُفْرِغَتْ قاعَةٌ واسِعَةٌ تَتَسَعُ لِعَدَدٍ مِنَ الأفرادِ، مُخَصَّصَةً لِمَعْرَضِ الرَّسُومَاتِ الزَّيْتِيَّةِ التي تَرْسُمُ لوْحَاتِ الرُّوحِ بِأَلْوَانِ الغُرْبَةِ.
النِّسَاءُ الحَاضِرَاتُ مِنْ صِنْفِ الحَدَاثَةِ، شَعْرُهُنَّ مَقْصُوصٌ كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ مُنْحَوْتَةٍ بِالْبَرْدِ، وَلِبَاسُهُنَّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْحَدَاثِيَّةِ: تَايْيُورَاتٌ وَبَنَاطِيلُ تَتَرَاقَصُ مَعَ الْبَحْرِ، وَقَمْصَانٌ قَصِيرَةُ الْأَكْمَامِ تَكْشِفُ عَنْ ذِرَاعَيْنِ كَأَجْنِحَةِ طَيْرٍ حُرٍّ. هُنَاكَ امْرَأَةٌ تَرْتَدِي تَنُورَةً طَوِيلَةً كَجُدْرَانِ قَلْعَةٍ قَدِيمَةٍ، لَكِنَّهَا مُكْشُوفَةُ الشَّعْرِ كَنَهْرٍ يَفِيضُ بِالْحُرِّيَّةِ، تَجَالِسُهَا امْرَأَةٌ مُتَحَجِّبَةٌ وَاضِعَةَ السَّاقَ عَلَى السَّاقِ كَعَرْشٍ مِنْ صَمْتٍ مُتَوَازِنٍ، تَتَحَاوَرَانِ مَعَ الْأُسْتَاذِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ يَشْرَفُ عَلَى النِّدْوَةِ، يَتَحَاوَرُ مَعَهُمَا عَلَى مَسَافَةٍ تَكَادُ تَكُونُ بَعِيدَةً نِسْبِيًّا، لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَسَاحَةِ الشَّخْصِيَّةِ كَحُدُودِ جَنْتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ. الْمَشْهَدُ الْعَامُ لِلْحَاضِرِينَ هُوَ النُّخْبَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْقَدِيمَةِ، كَأَشْبَاحٍ مِنْ عَصْرٍ مَاضٍ تَتَجَوْلُ فِي أَرْضِ الْحَاضِرِ.
الْآنَ، كَلِمَةُ الِافْتِتَاحِ مِنْ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ بِقَصُورِ الشَّافِ، تَرْحَبُ بِالْحُضُورِ كَأُمٍّ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْبَيْتِ لِلْأَوْلَادِ الْبَعِيدِينَ، وَتَعْتَبِرُ أَنَّ الْبَحْرَ فِي سَلْقَطَةِ لَيْسَ لِلسَّبَاحَةِ فَقَطْ بَلْ هُوَ مُنَاخٌ لِلْبِيْئَةِ كَكِتَابٍ مَفْتُوحٍ يَرْوِي قِصَصَ الْأَرْضِ. هَدْفُنَا الْأَسَاسِيُّ لِهَذِهِ النِّدْوَةِ لَيْسَ الِاحْتِفَالَ بِالْمِيلَادِ – فَهُوَ سَوَى إِكْسِيسْوَارٍ زَاهِيٍّ – بَلْ الْمَوْضُوعُ الرَّئِيسِيُّ هُوَ دِرَاسَةُ الْبِيْئَةِ، وَطَبْعًا الْبَحْرُ فِي تُونُسَ يَعَانِي مِنْ عِدَدٍ مِنَ الْعِلَلِ كَجُرُوحٍ تَبْكِي دَمْعَ الْمَوْجِ.
الْآنَ كَلِمَةٌ لِلشَّاعِرِ يُوسُفِ رَزُوقَةِ، يَرْحَبُ بِالْحُضُورِ شَاكِرًا مُدِيرَةَ دَارِ الثَّقَافَةِ كَشُكْرِ الْبَحْرِ لِلْرِّيَاحِ، وَيَعْتَبِرُ أَنَّ سَلْقَطَةَ وَقَصُورَ الشَّافِ وَجْهَانِ لِعَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَدُورُ فِي دَوْرَانِ التَّارِيخِ، وَأَغْلَبُ فَحْوَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ شُكْرٌ لِلْمُؤَسَّسَاتِ وَالشَّخْصِيَّاتِ الْمُشَارِكَةِ كَأَنْغَامِ سِمْفُونِيَّةٍ تَتَرَاقَصُ مَعَ الْأَمْوَاجِ.
الْكَلِمَةُ الْآنَ لِلْأُسْتَاذِ ، الَّذِي أَحَالَهَا إِلَى سلطة قَصُورِ الشَّافِ، الَّذِي أَشَارَ إِلَى شُكْرِ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ كَرَمْزٍ لِلْوَفَاءِ، وَأَثَارَ نُقْطَةً حَادَّةً: أَنَّ مَنْدُوبِيَّةَ الْمَهْدِيَّةِ تذمرت مِنَ الْمِيزَانِيَّاتِ الْمُخَصَّصَةِ لِمَدِينَةِ قَصُورِ الشَّافِ، كَأَنَّهَا تَقْطَعُ أَوْرَاقَ شَجَرَةٍ تَحْمِلُ ثِمَارَ الْأَمَلِ.
في أروقةِ النِّدْوَةِ، حَيْثُ تَتَرَاقَصُ كَلِمَاتُ الْبَحْرِ مَعَ أَمْوَاجِ الْأَفْكَارِ، انْبَثَقَ التَّدْخِلُ الْأَوَّلُ مِنْ شَابَّةٍ فِي مَقْتَبِلِ الْعُمْرِ، كَزَهْرَةٍ تَبْتَسِمُ لِلشَّمْسِ الْغَرْبِيَّةِ. قَدَّمَتْ بِوَرْقَةٍ تَسْتَعْرِضُ جَوَانِبَ مَدِينَةِ سَلْقَطَةِ الْمُتَنَوِّعَةَ: تَارِيخِيَّةً كَأَنْهَارِ التَّارِيخِ الْفِينِيقِيِّ الْمُتَدَفِّقَةِ مَرُّورًا بِالرُّومَانِيِّ الْحَاضِرِ إِلَى الْحَاضِرِ الْمُتَعَثِّرِ، وَاقْتِصَادِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً وَبِيْئِيَّةً كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ تَحْمِلُ أَسْرَارَ الْأَرْضِ. لَمْ أَرْغَبْ فِي الْوُقُوفِ عَلَى فَحْوَاهَا، فَهِيَ مَسْحٌ تَارِيخِيٌّ مَعْرُوفٌ لِسُكَّانِ الْمَنْطِقَةِ كَقِصْصِ الْأَجْدَادِ الْمُتَرَدِّدَةِ فِي الْلَّيَالِي. كَانَتْ هَذِهِ الْوَرْقَةُ وَثِيقَةً إِدَارِيَّةً كَقَصَاصَةٍ مِنْ سِجِلِّ الْوَقْتِ، مُسْتَمَدَّةً مِنْ مَنْدُوبِيَّةِ الْفَلَّاحَةِ بِالْمَهْدِيَّةِ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَنْمَاطِ الصَّيْدِ وَطُرُقِهِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْعَتِيقَةِ وَالْعَصْرِيَّةِ الْمُتَفَطِّرَةِ، وَتَشِيرُ إِلَى تَآكُلِ الْبِنْيَةِ الْتَّحْتِيَّةِ لِلْمَوَانِئِ كَجُرُوحٍ تَبْكِي دَمْعَ الْمَالِ، وَالْمَدَاخِيلُ الْمُتَوَاضِعَةُ الَّتِي لَا تُشَجِّعُ عَلَى تَطْوِيرِ هَذَا الْقِطَاعِ، فَبَقِيَتْ سَلْقَطَةُ بِمَنَائِهَا وَمُعَدَّاتِهَا كَسَفِينَةٍ قَدِيمَةٍ لَا تَرْتَقِي إِلَى سَمَاءِ الْتَّقَدُّمِ. وَفِي سِيَاقِهَا، أَشَارَتْ إِلَى التَّلَوُّثِ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ الْأَحْوَاضُ الْمَائِيَّةُ لِتَرْبِيَةِ الْأَسْمَاكِ الْمُنْتَصِبَةِ بِبَحْرِ سَلْقَطَةِ، لَكِنَّهَا مَرَّتْ مُرُورَ الْكَرَامِ دُونَ غَوْصٍ فِي التَّفَاصِيلِ، فَالْمَوْضُوعُ ذَلِكَ مُعَقَّدٌ كَعُقْدَةِ الْأَمْوَاجِ. كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلرَّوَاسِبِ الْعُلْفِيَّةِ الْمُحْمِلَةِ لِلْمَوَادِ الْمُضَادَّةِ لِلْحَيَاةِ، وَلِلْمَبِيدَاتِ الْحِشَرِيَّةِ (les insecticides) الَّتِي تَرْتَسِبُ فِي قَاعِ الْبَحْرِ كَسُمُومٍ خَفِيَّةٍ، فَتُبِيدُ الصُّورَةَ السَّمَكِيَّةَ وَتُهَدِّدُ الْفَأْنَاءَ الْبَحْرِيَّةَ (les faunes maritimes) كَسَيْفٍ مُخْفِيٍّ فِي أَحْضَانِ الْمَاءِ. مَشْكُورَةٌ عَلَى مَجْهُودِهَا، رَغْمَ الْقُيُودِ الشَّائِكَةِ الَّتِي تَصْعُبُ عَلَى عالمٍ التَّطَرُّقَ إِلَيْهَا، كَأَنْهَا تَمْشِي عَلَى حَبْلٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ الْأَمْوَاجِ.
أَمَّا التَّدْخِلُ الثَّانِي، فَكَانَ مِنْ امْرَأَةٍ مَسْنَةٍ يَبْدُو أَنَّهَا فِي عُقْدِهَا السَّابِعِ، لَمْ يَعْقِهَا الْعُمْرُ عَنْ الْحَيَوِيَّةِ وَالنَّشَاطِ، بَخْلَافَ الْمُتَقَاعِدِينَ الَّذِينَ يَرْكُنُونَ إِلَى الرَّاحَةِ كَسَفِينَةٍ تَرْسُو فِي الْمَرْفَأِ. تَنْشَطُ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمَدْنِيِّ مِنْ صَفَاقِسَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، كَطَائِرٍ يَجْوَلُ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، هَكَذَا أَشَارَتْ. قَصِيرَةُ الْقَامَةِ تَرْتَدِي تَنُورَةً مِنْ تَصْمِيمِ السَّبْعِينِيَّاتِ الْمَاضِيَةِ كَذِكْرَى مِنْ عَصْرٍ ذَهَبِيٍّ، وَقِصَّةُ شَعْرِهَا شَبَابِيَّةٌ كَقَصْصَةِ غُلَامٍ (coupe garçon). فِي الْبِدَايَةِ، رَفَضَتْ مَسْكَ الْمِيكْرُوفُونِ بِيَدِهَا، مُتَعَلِّلَةً بِحَمِيمِيَّةِ الْجَوِّ، فَلَا دَاعِيَ لِمُضْخِمَاتِ الصَّوْتِ. لَمْ أَدْرِكْ رَابِطَةَ هَذَا بِالْاسْتِئْنَاسِ مَعَ الْحُضُورِ إِذَا أُصِرَّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَفِي الْحَقِيقَةِ، تُثِيرُ هَذِهِ الْأَدَاةُ لَدَى بَعْضِهِمْ مَوْجَةَ قَلَقٍ تَنْتَابُ الْخَاطِبَ أَمَامَ الْجَمَاهِيرِ، وَيُشَوِّشُ التَّنَاغُمُ بَيْنَ مَشَاكِسِهَا وَالْكَلَامِ عَلَى تَدَفُّقِ الْأَفْكَارِ كَرِيَاحٍ تَعْصِفُ بِالْأَشْجَارِ. غَيْرَ أَنَّ صَوْتَهَا الْأُنْثَوِيَّ الرَّقِيقَ كَأَوْرَاقِ الْوَرْدِ، جَعَلَنَا نَسْتَمِعُ إِلَى مُدَاخِلَتِهَا بِكُلِّ انْتِبَاهٍ وَمَحَبَّةٍ.
مَحْتَوَاهَا جَيِّدٌ، رَغْمَ ثَقَافَتِهَا الْفَرَنْكُوفُونِيَّةِ، فَعَبَّرَتْ عَنْ تَجَزُّؤِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مُوَاكَبَةِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْتَّقْنِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَزَائِفَةٍ مِنْ وَهْمِ الْعَصْرِ. كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْبِرَ عَنْ عَجْزِهَا الشَّخْصِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ فِي التَّرْتِيبِ الْعَالَمِيِّ تَسْبِقُ الْفَرَنْسِيَّةَ كَنَهْرٍ أَصْلِيٍّ. اسْتَعَانَتْ بِصُوَرٍ مِنْ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ الْفَرَنْسِيِّ لِتَثْقِيفِ النَّشْءِ عَلَى وَعْيِ الْبِيْئَةِ الْمُسْتَدَامَةِ، دُونَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَخَلُّفِ الْمَنَاهِجِ التَّرْبَوِيَّةِ التُّونْسِيَّةِ الَّتِي تَغْفَلُ هَذَا الْجَانِبَ كَأَرْضٍ بَارِرَةٍ. أَمَّا الْوَضْعُ الْبِيْئِيُّ بِسَلْقَطَةَ، فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ لَا مِنْ بَعِيدٍ وَلَا مِنْ قَرِيبٍ، اكْتَفَتْ بِالْإِشَارَةِ إِلَى التَّلَوُّثِ الْبِلَاسْتِيكِيِّ وَأَضْرَارِهِ عَلَى الْبِيْئَةِ الْبَحْرِيَّةِ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ وَالْمُتَوَسِّطِ، كَسَمُومٍ تَتَسَرَّبُ بِبُطْءٍ فِي عُرُوقِ الْمَحِيطِ. شُكْرًا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الْحَدِيدِيَّةِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ السَّبْعِينِيَّاتِ كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ، لَكِنَّهَا تُعَادِي التَّطَوُّرَ الرَّقْمِيَّ فِي اسْتِهْجَانِهَا لِلذَّكَاءِ الْاصْطِنَاعِيِّ، فَهَذِهِ فَجْوَةُ الْأَجْيَالِ: الْأَوَّلُ يَحْمِلُ وَعْيَ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَيَجْتَازُ الْتَّوَتُّرَ الرَّقْمِيَّ كَجَبَلٍ شَامِخٍ، وَالثَّانِي يَفْتَقِرُ إِلَى الْوَعْيِ الْمَسْؤُولِ وَيَسِيطِرُ عَلَى الْعَالَمِ الْإِفْتِرَاضِيِّ كَشَبَكَةٍ مِنْ أَحْلَامٍ. مَتَى يَلْتَقِيَانِ، يَا أَيُّهَا الْزَّمَانُ الْمُتَعَثِّرُ؟......
وَفِي التَّدْخِلِ الثَّالِثِ، تَبْرُزُ شَابَّةٌ دُكْتُورَةٌ فِي عِلْمِ الْبِحَارِ، لِبَاسُهَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدَاثَةِ وَالْتَّقَالِيدِ كَجِسْرٍ عَلَى نَهْرِ الْزَّمَانِ: مُحْجَبَةٌ وَمُرْتَدِيَةُ بِنْطَالًا، نَشِيطَةٌ كَمَوْجَةٍ صَغِيرَةٍ تَصْطَدِمُ بِالصُّخُورِ، مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ وَرْقَتِهَا كَسَيْفٍ حَادٍّ. عَرَضَتْ عَلَيْنَا أَنْوَاعَ الْميلة وَخَصَائِصَ مَرَاحِلِهَا مِنَ الْيَرْقَةِ إِلَى التَّكَاثُرِ وَطَرِيقَةِ صَيْدِهَا، وَالْخَطَرَ الَّذِي تَعْرَضُ لَهُ مِنْ مُلَوَّثَاتِ الْإِنْسَانِ، رَغْمَ أَنَّهَا مِنَ الْأَسْمَاكِ الْمُنَظِّفَةِ لِلْبِيْئَةِ كَأَيْدِيْ تَمْسَحُ غُبَارَ الْأَرْضِ.
أَمَّا الْخُلَاصَةُ، فَهِيَ حِصِيلَةُ مُبَادَرَةِ السَّيِّدَةِ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ، هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْأَنِيقَةِ الْبَشُوشَةِ، الَّتِي تَسْتَقْبِلُ الْحُضُورَ بِابْتِسَامَةٍ كَأَنَّهُمْ ضُيُوفُ بَيْتِهَا الْوَاسِعِ، وَهَذَا السُّلُوكُ لَا يُوجَدُ إِلَّا لَدَى مَنْ يَتَوَفَّرُ فِيهِمْ ثِقَةٌ بِالنَّفْسِ وَثَقَافَةٌ عَالِيَةٌ لَا تُشْعِرُهُمْ بِالدُّونِيَّةِ، فِي مُقَابَلَةِ الدُّكْتُورَاهِ وَالْعُلَمَاءِ فِي مَيَادِينِهِمْ، فَشَتَانُ بَيْنَ الْمُثَقَّفِ وَنَقِيضِهِ كَشَتَانِ بَيْنَ النُّورِ وَالْعَتْمَةِ. لِذَلِكَ نَرَى دَارَ الْثَّقَافَةِ تَشْهَدُ نَهْضَةً فِكْرِيَّةً لَيْسَتْ فَلْكْلُورِيَّةً كَمَا كُنَّا نَرَاهَا فِي الْمَاضِي، بَلْ هِيَ نَبْعٌ يَفِيضُ بِالْأَفْكَارِ. إِلَى اللِّقَاءِ فِي فُرَصٍ أُخْرَى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، حَيْثُ تَلْتَقِي الْأَمْوَاجُ بِالْأَحْلَامِ.
عبد السلام الزراع - ٢٥/١٠/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
مهرجانات التراب والطعم: بين الهوية والفراغ
في تونس، أرض الزيتون والموج، أصبحت المهرجانات تتسلل إلى الذاكرة كأنها أوراق خريفية تتساقط على أرض جافة، تحمل أسماء تلامس الحواس الأساسية: الطعام. من الرمان الذي ينفجر عصارته كذكرى الجنة المفقودة، إلى التمور التي تُشبه أصابع الزمن المتجعدة، مرورًا بالبسيسة ذات الرائحة الترابية الدافئة، وصولاً إلى الأسماك التي تهمس بأسرار البحر. وحتى الأشجار، كالزيتون العتيق الذي يقف شاهداً على قرون من الصبر، أصبحت بطلة هذه الاحتفالات. أليس هذا الإغراق في الطبيعي علامة حب عميق للهوية الأرضية، حيث يعود الإنسان إلى جذوره كشجرة تُمسك بالتربة لئلا تُقذَفَ بالرياح؟ أم أنه هروب مدروس من مطبات الظواهر الاجتماعية والسياسية، تلك الوحوش التي تُلْبِسُ الثوبَ الثقيلَ على كاهل الروح؟ ومع ذلك، يتنافى هذا التوجه مع ما يُقْرُهُ النظام في بنيته المؤسسية، حيث تُفْتَحُ الأبوابُ للثقافة كوسيلة للترفيه، لا للتحدي أو الإصلاح.
وها هو موضوعُنا الحالُ يَرْسُمُ لوحةً أكثر دفءًا وألمًا: مهرجانُ الميلة في سلقطة، تلك المدينة الساحلية التي تُعَانِقُ البحرَ كعاشقٍ يخشى الفراق. الميلة، هذه السمكة الرشيقة التي كانت في الماضي رفيقَ الطاولة الشعبية، تُقْلَصُ الآن من عالمِ الفقراءِ مع تَضَاءُلِ القدرةِ الشرائيةِ للمواطن. كان كيلوُها يُجْهَزُ بِنصْفِ أجرةِ الأجيرِ، فَيَصْبِحُ اقْتِنَاؤُهَا مِلْكًا للطبقةِ الميسورةِ نسْبِيًّا. أمَّا الفقيرُ، فَيَمْكِنُهُ أَنْ يَتْذَوْقَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، لِيُقْنِعَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ نَذِيرَةً مِنْ طِعَامِ الْأَجْدَادِ، كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ لَوْحَةً فَادِيَةً قَدِيمَةً لِيَرْمِيَ بِهَاْ الْغُبَارَ عَنْ ذِكْرَاهُ. هَذِهِ الْمَحْوَلَةُ لِلْمَاضِيِّ تَكْشِفُ عَنْ تَشَوُّهِ الْعَادَاتِ، حَيْثُ يَصْبِحُ الْفَقْرُ لَيْسَ فَقْرًا مَالِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ فَقْرًا حَوَاسِّيًّا يَحْرِمُ الْإِنْسَانَ مِنْ لَذَّةِ الْيَوْمِيِّ.
وَفِيْ خَلْفِ هَذَا الْحَفْلِ يَقْعُ الْفَرَاغُ الْثَّقَافِيُّ الْمُؤْلِمُ الَّذِيْ تَعَانِيْ مِنْهُ الْمُؤَسَّسَةُ الْثَّقَافِيَةُ، فَدَفَعَهَا إِلَى الْانْغْمَاسِ فِيْ التَّفَاهَاتِ وَتَهْوِيلِ الْأَنْظَارِ عَنْ الْمَشَاغِلِ الْحَقِيقِيَّةِ. أَلَيْسَ هَذَا الْمَهْرَجَانُ سَيَعْمَلُ كَجِسْرٍ لِتَطْوِيرِ قَطَاعِ الصَّيْدِ الْبَحْرِيِّ، مُعْرِضًا تِقْنِيَاتَ الصَّيْدِ الْمُسْتَدَامَةَ وَدَعْمًا لِلْأَسْرِ الْبَحْرِيَّةِ الْمُتَعَثِّرَةِ، أَمْ هُوَ فُلْكْلُورٌ ترفِيهُ وَيُمْلَأُ الْفَرَاغَ الْتَّنْشِيطِيَّ بِلَيْلَةٍ مِنْ الْأَغَانِيْ وَالرَّقْصِ، كَأَنَّهُ قِنْوَانٌ يَخْفِيْ الْجُرْحَ دُونَ شِفَائِهِ؟ إِنَّ الْأَوْلَىْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَابًا لِلْوَعْيِ الْبِيْئِيِّ، حَيْثُ يَتَعَلَّمُ الْجَمْهُورُ كَيْفَ يَحْمِيْ الْبَحْرَ مِنْ الْتَّلَوُّثِ وَالْصَّيْدِ الْفَوْضَوِيِّ، مُحَوِّلًا الْمَهْرَجَانَ مِنْ تَرْفِيهٍ إِلَىْ أَدَاةِ تَغْيِيرٍ. أَمَّا الْثَّانِيَةُ، فَتَبْقَىْ مَرْآَةً لِلْفَرْغِ الْمُزْمِنِ، تَعْكِسُ كَيْفَ تَحْوَلُ الْثَّقَافَةُ إِلَىْ سِلْسِلَةٍ مِنْ الْلَّحْظَاتِ الْعَابِرَةِ دُونَ أَنْ تَبْنِيْ.
غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، سَتُنْظَمْ حَلْقَةُ نِقَاشٍ قِيلَ إِنَّهَا سَتَغُوصُ فِيْ عُلُومِ الْبِحَارِ وَعَلَاقَتِهَا بِالْبِيْئَةِ، رُبَّمَا تَكُونُ هَذِهِ الْحَلْقَةُ نَقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِتَحْوِيلِ الْفُلْكْلُورِ إِلَىْ حَرْكَةٍ. فِيْ هَذِهِ الْأَرْضِ الْتِّيْ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمَوْجِ وَالْجَبَلِ، يَمْكِنُ لِلْمَهْرَجَانَاتِ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ طَعَامٍ وَرَقْصٍ؛ يَمْكِنُهَا أَنْ تَصْبِحَ صَوْتًا لِلْأَرْضِ الْمَغْدُورَةِ، وَجِسْرًا يَعُودُ بِنَا إِلَىْ الْأَصْلِ دُونَ أَنْ يَفْتَرِقَ عَنْ الْحَاضِرِ. إِلَىْ اللِّقَاءِ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلْنَأْمَلْ أَنْ يَكُونَ الْحِوَارُ بَدْءًا لِشِفَاءٍ.
في أحضان سلقطة، تلك المدينة الساحرة التي تُخفي في طياتها أسرار البحر الأزلي، وصلتُ وكأني ضيفٌ على الرياح الربيعية، مخالفةً لسرِّ الخريف الذي يُغلفُ الأرض بستارٍ من الذكريات الذابلة. تأخرتْ الأمطارُ كعشاقٍ مترددين، فأقامَ الأجدادُ خيامهم في ربوعِ قصورِ الشافِ، حيث يتسلَّلُ المناخُ النخبويُّ كضوءٍ خافتٍ يُنيرُ وجوهَ الغائبين عن الزمن. أغلبُ الحاضرينِ نساءٌ من طبقةٍ نسائيةٍ متميزة، تستقبلهنَّ مديرةُ دارِ الثقافةِ بابتسامةٍ تُشبهُ فجرَ يومٍ جديد، في مكانٍ أُطلِقَ عليهِ "المركزُ الثقافيُّ بِسَلْقَطَة"، يَشْرَفُ عليهِ الشاعرُ يوسُفُ رَزُوقَةُ كحارسٍ لِبَوَابَةِ الأحلامِ الشعريةِ. في مبنىً شَبِيهٍ بِمَسْكَنٍ هادئٍ، أُفْرِغَتْ قاعَةٌ واسِعَةٌ تَتَسَعُ لِعَدَدٍ مِنَ الأفرادِ، مُخَصَّصَةً لِمَعْرَضِ الرَّسُومَاتِ الزَّيْتِيَّةِ التي تَرْسُمُ لوْحَاتِ الرُّوحِ بِأَلْوَانِ الغُرْبَةِ.
النِّسَاءُ الحَاضِرَاتُ مِنْ صِنْفِ الحَدَاثَةِ، شَعْرُهُنَّ مَقْصُوصٌ كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ مُنْحَوْتَةٍ بِالْبَرْدِ، وَلِبَاسُهُنَّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْحَدَاثِيَّةِ: تَايْيُورَاتٌ وَبَنَاطِيلُ تَتَرَاقَصُ مَعَ الْبَحْرِ، وَقَمْصَانٌ قَصِيرَةُ الْأَكْمَامِ تَكْشِفُ عَنْ ذِرَاعَيْنِ كَأَجْنِحَةِ طَيْرٍ حُرٍّ. هُنَاكَ امْرَأَةٌ تَرْتَدِي تَنُورَةً طَوِيلَةً كَجُدْرَانِ قَلْعَةٍ قَدِيمَةٍ، لَكِنَّهَا مُكْشُوفَةُ الشَّعْرِ كَنَهْرٍ يَفِيضُ بِالْحُرِّيَّةِ، تَجَالِسُهَا امْرَأَةٌ مُتَحَجِّبَةٌ وَاضِعَةَ السَّاقَ عَلَى السَّاقِ كَعَرْشٍ مِنْ صَمْتٍ مُتَوَازِنٍ، تَتَحَاوَرَانِ مَعَ الْأُسْتَاذِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ يَشْرَفُ عَلَى النِّدْوَةِ، يَتَحَاوَرُ مَعَهُمَا عَلَى مَسَافَةٍ تَكَادُ تَكُونُ بَعِيدَةً نِسْبِيًّا، لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَسَاحَةِ الشَّخْصِيَّةِ كَحُدُودِ جَنْتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ. الْمَشْهَدُ الْعَامُ لِلْحَاضِرِينَ هُوَ النُّخْبَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْقَدِيمَةِ، كَأَشْبَاحٍ مِنْ عَصْرٍ مَاضٍ تَتَجَوْلُ فِي أَرْضِ الْحَاضِرِ.
الْآنَ، كَلِمَةُ الِافْتِتَاحِ مِنْ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ بِقَصُورِ الشَّافِ، تَرْحَبُ بِالْحُضُورِ كَأُمٍّ تَفْتَحُ أَبْوَابَ الْبَيْتِ لِلْأَوْلَادِ الْبَعِيدِينَ، وَتَعْتَبِرُ أَنَّ الْبَحْرَ فِي سَلْقَطَةِ لَيْسَ لِلسَّبَاحَةِ فَقَطْ بَلْ هُوَ مُنَاخٌ لِلْبِيْئَةِ كَكِتَابٍ مَفْتُوحٍ يَرْوِي قِصَصَ الْأَرْضِ. هَدْفُنَا الْأَسَاسِيُّ لِهَذِهِ النِّدْوَةِ لَيْسَ الِاحْتِفَالَ بِالْمِيلَادِ – فَهُوَ سَوَى إِكْسِيسْوَارٍ زَاهِيٍّ – بَلْ الْمَوْضُوعُ الرَّئِيسِيُّ هُوَ دِرَاسَةُ الْبِيْئَةِ، وَطَبْعًا الْبَحْرُ فِي تُونُسَ يَعَانِي مِنْ عِدَدٍ مِنَ الْعِلَلِ كَجُرُوحٍ تَبْكِي دَمْعَ الْمَوْجِ.
الْآنَ كَلِمَةٌ لِلشَّاعِرِ يُوسُفِ رَزُوقَةِ، يَرْحَبُ بِالْحُضُورِ شَاكِرًا مُدِيرَةَ دَارِ الثَّقَافَةِ كَشُكْرِ الْبَحْرِ لِلْرِّيَاحِ، وَيَعْتَبِرُ أَنَّ سَلْقَطَةَ وَقَصُورَ الشَّافِ وَجْهَانِ لِعَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَدُورُ فِي دَوْرَانِ التَّارِيخِ، وَأَغْلَبُ فَحْوَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ شُكْرٌ لِلْمُؤَسَّسَاتِ وَالشَّخْصِيَّاتِ الْمُشَارِكَةِ كَأَنْغَامِ سِمْفُونِيَّةٍ تَتَرَاقَصُ مَعَ الْأَمْوَاجِ.
الْكَلِمَةُ الْآنَ لِلْأُسْتَاذِ ، الَّذِي أَحَالَهَا إِلَى سلطة قَصُورِ الشَّافِ، الَّذِي أَشَارَ إِلَى شُكْرِ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ كَرَمْزٍ لِلْوَفَاءِ، وَأَثَارَ نُقْطَةً حَادَّةً: أَنَّ مَنْدُوبِيَّةَ الْمَهْدِيَّةِ تذمرت مِنَ الْمِيزَانِيَّاتِ الْمُخَصَّصَةِ لِمَدِينَةِ قَصُورِ الشَّافِ، كَأَنَّهَا تَقْطَعُ أَوْرَاقَ شَجَرَةٍ تَحْمِلُ ثِمَارَ الْأَمَلِ.
في أروقةِ النِّدْوَةِ، حَيْثُ تَتَرَاقَصُ كَلِمَاتُ الْبَحْرِ مَعَ أَمْوَاجِ الْأَفْكَارِ، انْبَثَقَ التَّدْخِلُ الْأَوَّلُ مِنْ شَابَّةٍ فِي مَقْتَبِلِ الْعُمْرِ، كَزَهْرَةٍ تَبْتَسِمُ لِلشَّمْسِ الْغَرْبِيَّةِ. قَدَّمَتْ بِوَرْقَةٍ تَسْتَعْرِضُ جَوَانِبَ مَدِينَةِ سَلْقَطَةِ الْمُتَنَوِّعَةَ: تَارِيخِيَّةً كَأَنْهَارِ التَّارِيخِ الْفِينِيقِيِّ الْمُتَدَفِّقَةِ مَرُّورًا بِالرُّومَانِيِّ الْحَاضِرِ إِلَى الْحَاضِرِ الْمُتَعَثِّرِ، وَاقْتِصَادِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً وَبِيْئِيَّةً كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ تَحْمِلُ أَسْرَارَ الْأَرْضِ. لَمْ أَرْغَبْ فِي الْوُقُوفِ عَلَى فَحْوَاهَا، فَهِيَ مَسْحٌ تَارِيخِيٌّ مَعْرُوفٌ لِسُكَّانِ الْمَنْطِقَةِ كَقِصْصِ الْأَجْدَادِ الْمُتَرَدِّدَةِ فِي الْلَّيَالِي. كَانَتْ هَذِهِ الْوَرْقَةُ وَثِيقَةً إِدَارِيَّةً كَقَصَاصَةٍ مِنْ سِجِلِّ الْوَقْتِ، مُسْتَمَدَّةً مِنْ مَنْدُوبِيَّةِ الْفَلَّاحَةِ بِالْمَهْدِيَّةِ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَنْمَاطِ الصَّيْدِ وَطُرُقِهِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْعَتِيقَةِ وَالْعَصْرِيَّةِ الْمُتَفَطِّرَةِ، وَتَشِيرُ إِلَى تَآكُلِ الْبِنْيَةِ الْتَّحْتِيَّةِ لِلْمَوَانِئِ كَجُرُوحٍ تَبْكِي دَمْعَ الْمَالِ، وَالْمَدَاخِيلُ الْمُتَوَاضِعَةُ الَّتِي لَا تُشَجِّعُ عَلَى تَطْوِيرِ هَذَا الْقِطَاعِ، فَبَقِيَتْ سَلْقَطَةُ بِمَنَائِهَا وَمُعَدَّاتِهَا كَسَفِينَةٍ قَدِيمَةٍ لَا تَرْتَقِي إِلَى سَمَاءِ الْتَّقَدُّمِ. وَفِي سِيَاقِهَا، أَشَارَتْ إِلَى التَّلَوُّثِ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ الْأَحْوَاضُ الْمَائِيَّةُ لِتَرْبِيَةِ الْأَسْمَاكِ الْمُنْتَصِبَةِ بِبَحْرِ سَلْقَطَةِ، لَكِنَّهَا مَرَّتْ مُرُورَ الْكَرَامِ دُونَ غَوْصٍ فِي التَّفَاصِيلِ، فَالْمَوْضُوعُ ذَلِكَ مُعَقَّدٌ كَعُقْدَةِ الْأَمْوَاجِ. كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلرَّوَاسِبِ الْعُلْفِيَّةِ الْمُحْمِلَةِ لِلْمَوَادِ الْمُضَادَّةِ لِلْحَيَاةِ، وَلِلْمَبِيدَاتِ الْحِشَرِيَّةِ (les insecticides) الَّتِي تَرْتَسِبُ فِي قَاعِ الْبَحْرِ كَسُمُومٍ خَفِيَّةٍ، فَتُبِيدُ الصُّورَةَ السَّمَكِيَّةَ وَتُهَدِّدُ الْفَأْنَاءَ الْبَحْرِيَّةَ (les faunes maritimes) كَسَيْفٍ مُخْفِيٍّ فِي أَحْضَانِ الْمَاءِ. مَشْكُورَةٌ عَلَى مَجْهُودِهَا، رَغْمَ الْقُيُودِ الشَّائِكَةِ الَّتِي تَصْعُبُ عَلَى عالمٍ التَّطَرُّقَ إِلَيْهَا، كَأَنْهَا تَمْشِي عَلَى حَبْلٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ الْأَمْوَاجِ.
أَمَّا التَّدْخِلُ الثَّانِي، فَكَانَ مِنْ امْرَأَةٍ مَسْنَةٍ يَبْدُو أَنَّهَا فِي عُقْدِهَا السَّابِعِ، لَمْ يَعْقِهَا الْعُمْرُ عَنْ الْحَيَوِيَّةِ وَالنَّشَاطِ، بَخْلَافَ الْمُتَقَاعِدِينَ الَّذِينَ يَرْكُنُونَ إِلَى الرَّاحَةِ كَسَفِينَةٍ تَرْسُو فِي الْمَرْفَأِ. تَنْشَطُ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمَدْنِيِّ مِنْ صَفَاقِسَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، كَطَائِرٍ يَجْوَلُ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، هَكَذَا أَشَارَتْ. قَصِيرَةُ الْقَامَةِ تَرْتَدِي تَنُورَةً مِنْ تَصْمِيمِ السَّبْعِينِيَّاتِ الْمَاضِيَةِ كَذِكْرَى مِنْ عَصْرٍ ذَهَبِيٍّ، وَقِصَّةُ شَعْرِهَا شَبَابِيَّةٌ كَقَصْصَةِ غُلَامٍ (coupe garçon). فِي الْبِدَايَةِ، رَفَضَتْ مَسْكَ الْمِيكْرُوفُونِ بِيَدِهَا، مُتَعَلِّلَةً بِحَمِيمِيَّةِ الْجَوِّ، فَلَا دَاعِيَ لِمُضْخِمَاتِ الصَّوْتِ. لَمْ أَدْرِكْ رَابِطَةَ هَذَا بِالْاسْتِئْنَاسِ مَعَ الْحُضُورِ إِذَا أُصِرَّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَفِي الْحَقِيقَةِ، تُثِيرُ هَذِهِ الْأَدَاةُ لَدَى بَعْضِهِمْ مَوْجَةَ قَلَقٍ تَنْتَابُ الْخَاطِبَ أَمَامَ الْجَمَاهِيرِ، وَيُشَوِّشُ التَّنَاغُمُ بَيْنَ مَشَاكِسِهَا وَالْكَلَامِ عَلَى تَدَفُّقِ الْأَفْكَارِ كَرِيَاحٍ تَعْصِفُ بِالْأَشْجَارِ. غَيْرَ أَنَّ صَوْتَهَا الْأُنْثَوِيَّ الرَّقِيقَ كَأَوْرَاقِ الْوَرْدِ، جَعَلَنَا نَسْتَمِعُ إِلَى مُدَاخِلَتِهَا بِكُلِّ انْتِبَاهٍ وَمَحَبَّةٍ.
مَحْتَوَاهَا جَيِّدٌ، رَغْمَ ثَقَافَتِهَا الْفَرَنْكُوفُونِيَّةِ، فَعَبَّرَتْ عَنْ تَجَزُّؤِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مُوَاكَبَةِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْتَّقْنِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَزَائِفَةٍ مِنْ وَهْمِ الْعَصْرِ. كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْبِرَ عَنْ عَجْزِهَا الشَّخْصِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ فِي التَّرْتِيبِ الْعَالَمِيِّ تَسْبِقُ الْفَرَنْسِيَّةَ كَنَهْرٍ أَصْلِيٍّ. اسْتَعَانَتْ بِصُوَرٍ مِنْ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ الْفَرَنْسِيِّ لِتَثْقِيفِ النَّشْءِ عَلَى وَعْيِ الْبِيْئَةِ الْمُسْتَدَامَةِ، دُونَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَخَلُّفِ الْمَنَاهِجِ التَّرْبَوِيَّةِ التُّونْسِيَّةِ الَّتِي تَغْفَلُ هَذَا الْجَانِبَ كَأَرْضٍ بَارِرَةٍ. أَمَّا الْوَضْعُ الْبِيْئِيُّ بِسَلْقَطَةَ، فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ لَا مِنْ بَعِيدٍ وَلَا مِنْ قَرِيبٍ، اكْتَفَتْ بِالْإِشَارَةِ إِلَى التَّلَوُّثِ الْبِلَاسْتِيكِيِّ وَأَضْرَارِهِ عَلَى الْبِيْئَةِ الْبَحْرِيَّةِ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ وَالْمُتَوَسِّطِ، كَسَمُومٍ تَتَسَرَّبُ بِبُطْءٍ فِي عُرُوقِ الْمَحِيطِ. شُكْرًا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الْحَدِيدِيَّةِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ السَّبْعِينِيَّاتِ كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ، لَكِنَّهَا تُعَادِي التَّطَوُّرَ الرَّقْمِيَّ فِي اسْتِهْجَانِهَا لِلذَّكَاءِ الْاصْطِنَاعِيِّ، فَهَذِهِ فَجْوَةُ الْأَجْيَالِ: الْأَوَّلُ يَحْمِلُ وَعْيَ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَيَجْتَازُ الْتَّوَتُّرَ الرَّقْمِيَّ كَجَبَلٍ شَامِخٍ، وَالثَّانِي يَفْتَقِرُ إِلَى الْوَعْيِ الْمَسْؤُولِ وَيَسِيطِرُ عَلَى الْعَالَمِ الْإِفْتِرَاضِيِّ كَشَبَكَةٍ مِنْ أَحْلَامٍ. مَتَى يَلْتَقِيَانِ، يَا أَيُّهَا الْزَّمَانُ الْمُتَعَثِّرُ؟......
وَفِي التَّدْخِلِ الثَّالِثِ، تَبْرُزُ شَابَّةٌ دُكْتُورَةٌ فِي عِلْمِ الْبِحَارِ، لِبَاسُهَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدَاثَةِ وَالْتَّقَالِيدِ كَجِسْرٍ عَلَى نَهْرِ الْزَّمَانِ: مُحْجَبَةٌ وَمُرْتَدِيَةُ بِنْطَالًا، نَشِيطَةٌ كَمَوْجَةٍ صَغِيرَةٍ تَصْطَدِمُ بِالصُّخُورِ، مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ وَرْقَتِهَا كَسَيْفٍ حَادٍّ. عَرَضَتْ عَلَيْنَا أَنْوَاعَ الْميلة وَخَصَائِصَ مَرَاحِلِهَا مِنَ الْيَرْقَةِ إِلَى التَّكَاثُرِ وَطَرِيقَةِ صَيْدِهَا، وَالْخَطَرَ الَّذِي تَعْرَضُ لَهُ مِنْ مُلَوَّثَاتِ الْإِنْسَانِ، رَغْمَ أَنَّهَا مِنَ الْأَسْمَاكِ الْمُنَظِّفَةِ لِلْبِيْئَةِ كَأَيْدِيْ تَمْسَحُ غُبَارَ الْأَرْضِ.
أَمَّا الْخُلَاصَةُ، فَهِيَ حِصِيلَةُ مُبَادَرَةِ السَّيِّدَةِ مُدِيرَةِ دَارِ الثَّقَافَةِ، هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْأَنِيقَةِ الْبَشُوشَةِ، الَّتِي تَسْتَقْبِلُ الْحُضُورَ بِابْتِسَامَةٍ كَأَنَّهُمْ ضُيُوفُ بَيْتِهَا الْوَاسِعِ، وَهَذَا السُّلُوكُ لَا يُوجَدُ إِلَّا لَدَى مَنْ يَتَوَفَّرُ فِيهِمْ ثِقَةٌ بِالنَّفْسِ وَثَقَافَةٌ عَالِيَةٌ لَا تُشْعِرُهُمْ بِالدُّونِيَّةِ، فِي مُقَابَلَةِ الدُّكْتُورَاهِ وَالْعُلَمَاءِ فِي مَيَادِينِهِمْ، فَشَتَانُ بَيْنَ الْمُثَقَّفِ وَنَقِيضِهِ كَشَتَانِ بَيْنَ النُّورِ وَالْعَتْمَةِ. لِذَلِكَ نَرَى دَارَ الْثَّقَافَةِ تَشْهَدُ نَهْضَةً فِكْرِيَّةً لَيْسَتْ فَلْكْلُورِيَّةً كَمَا كُنَّا نَرَاهَا فِي الْمَاضِي، بَلْ هِيَ نَبْعٌ يَفِيضُ بِالْأَفْكَارِ. إِلَى اللِّقَاءِ فِي فُرَصٍ أُخْرَى، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، حَيْثُ تَلْتَقِي الْأَمْوَاجُ بِالْأَحْلَامِ.