العودة إلى خواطر
مجالية القرب

خاطرة

مجالية القرب

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢٣/٠٨/٢٠٢٥ في الأيام الأخيرة من رمضان، حين كان الوقت يهمس بقرب العيد، اجتمعنا حول مائدة تستعد لاحتضان أول قمر في شوال. لفّت السكينة المدينة، فلم يُسمع إلا دعوات المؤمنين وهمس أذان يعلن قرب انتهاء الصيام. لكن حضورنا بدا ناقصًا، إذ غاب ، أصغرنا، عن سفرتنا في ختام هذا الشهر الكريم.

مجالية القرب
عبد السلام الزراع - ٢٣/٠٨/٢٠٢٥
في الأيام الأخيرة من رمضان، حين كان الوقت يهمس بقرب العيد، اجتمعنا حول مائدة تستعد لاحتضان أول قمر في شوال. لفّت السكينة المدينة، فلم يُسمع إلا دعوات المؤمنين وهمس أذان يعلن قرب انتهاء الصيام. لكن حضورنا بدا ناقصًا، إذ غاب ، أصغرنا، عن سفرتنا في ختام هذا الشهر الكريم.
سألت أمي، وعيناها تحملان سؤالاً واسعًا كأفق صائم:
«أفي الغرفة أحمد؟»
ارتبكت الاخت الكبرى، وكأن ريحًا عبثت بورقة خضراء في يدها:
«لا أدري… لعله نائم هناك.»
كنت في غرفتي المجاورة، فسمعت همهماتهما، فأمسكت هاتفي أنادي أحمد. رنّ الجرس مرتين، ثم انقطع فجأة، فخُيّل إليَّ أن يدًا غاضبة أغلقت الباب الإلكتروني قبل أن يُسمع صوت الإفطار.
لم تقتنع مريم بالظنون، فصعدت الدرج بخطوات حذرة، كمن يخوض رحلة قصيرة إلى سر قلب شاب انطوى على نفسه. لكنها عادت بعد لحظات، وجهها كصفحة قمر اختفى خلف سحابة.
ثم نزل أحمد، غضبه عاصفة صغيرة في جسد نحيل، وصوته كنبال انطلق من قوس:
«لماذا دخلتِ غرفتي؟ كفى تدخلاً!»
في تلك اللحظة، بدا المشهد كلوحة رمادية، يغلفها قلق يحتضن حبًا، واستقلال يصطدم بعناية. مريم، التي أرادت إنقاذ لحظة عائلية، وجدت نفسها مقيدة بأغلال الظنون. وأحمد، الذي تمنى زاوية هادئة لنفسه، شعر بانتهاك خصوصيته.
كان قلق مريم سحابة عابرة، لكنها أمطرت في صحراء طفل يريد أن يقرأ العالم من كتابه الخاص. أما أحمد، فقد رأى في الدفء الأخوي تسلطًا خفيًا، فاستجمع كبرياءه ليرسم حدوده.
وهكذا، في حضرة رمضان، تتشابك الأرواح كأغصان شجرة واحدة، كل غصن يتوق إلى ضوء خاص، لكن الجذر واحد. وأنا، من موقعي كأب يتأمل الأغصان المتصارعة، أدرك أن المهمة ليست في قص الغصن، بل في ريّ الجذر، حتى إذا هدأت الريح، عادت الأغصان إلى احتضان دافئ، لا يذيع سر الريح، ولا يفقد الشجرة ظلها.
الطفولة