العودة إلى خواطر
ٱم نرجسية و ابن مضطرب

خاطرة

ٱم نرجسية و ابن مضطرب

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢٤/٠٨/٢٠٢٥ في أثَرِ هذا النصّ الذي حملتُهُ إليكِم، تبدو الحياةُ وكأنها لوحةُ زيتٍ عتِيقةٍ، تناستْ فيها الألوانُ التناسقَ، فاختلطَ الضوءُ بالظلِّ، والحُبُّ بالجُنون، والأمومةُ بالنرجسية. إنّي أرى امرأةً تسيرُ على خيطٍ رفيعٍ من الغرور، بينما يقفُ ابنُها على طرفِ الخيطِ الآخر، يُرجِّحُ كفّةَ الطفولةِ بثقلِ الكآبة

ٱم نرجسية و ابن مضطرب
عبد السلام الزراع - ٢٤/٠٨/٢٠٢٥
في أثَرِ هذا النصّ الذي حملتُهُ إليكِم، تبدو الحياةُ وكأنها لوحةُ زيتٍ عتِيقةٍ، تناستْ فيها الألوانُ التناسقَ، فاختلطَ الضوءُ بالظلِّ، والحُبُّ بالجُنون، والأمومةُ بالنرجسية. إنّي أرى امرأةً تسيرُ على خيطٍ رفيعٍ من الغرور، بينما يقفُ ابنُها على طرفِ الخيطِ الآخر، يُرجِّحُ كفّةَ الطفولةِ بثقلِ الكآبة.

أمّا هي، فقد صارتْ تمثالًا من ثلجٍ يُحاكي جمالَ الشمسِ، لكنّه يُعرّي قلبَهُ من الدفء. كلُّ كلمةٍ تُطلقها تُقيمُ في فمِها مأدبةَ الكبرياء، وكلُّ نظرةٍ تُلقيها على ابنها تُشبهُ عصفورًا يُحاولُ أن يُقيمَ عشَّهُ في قفصٍ من سؤالٍ دائم: "لماذا لا يكونُ كما أُريدُهُ أن يكون؟"

والطفلُ، ذلك البرعمُ الذي خرجَ من رحمِ العتمةِ متأخرًا، يُمسكُ بقلمٍ لا يكتبُ، وقلبٍ لا يهدأُ، وروحٍ تُحاولُ أن تُفلتَ من بينَ أنيابِ توقّعاتٍ لا تُرضَى إلا بالكمال. إنّه يُحاولُ أن يُعلِّمَ العالمَ أنّ الفراشاتَ لا تطيرُ إلا حينَ تُتركُ أجنحتُها بلا قيودٍ، لكنّ أمهُ تُصرُّ على أن تُزيِّنَ جناحيهِ بأصفادٍ من التبجيل والرياء.

في صدرِ الليلِ، حينَ يغفو الناسُ، تبقى هذه المرأةُ مستيقظةً، تُقلِّبُ في يدِها هاتفَها كأنّه مرآةُ نفسٍ مشروخة، تبحثُ فيها عن وجهٍ لم تعد تستطيعُ أن تُكبِّرهُ أكثرَ مما هو مُكبَّر. أما ابنها، فيقفُ عند البابِ، يُمسكُ حقيبتَهُ كأنّها كتفُ عالمٍ يثقلُهُ، ويُراقبُ أُمَّهُ وهي تُغلِّفُ حياتَهُ بورقٍ ملوّنٍ من الأوهام.

إنّ العنفَ الذي تمارسهُ هذه الأمُّ ليس سوى صرخةِ روحٍ خاويةٍ، تُحاولُ أن تملأَ فراغَها بأنقاضِ أحلامٍ لم تتحقّق. والطفلُ، في صمتهِ، يُحيّي ثورةً صامتةً، يُعلنُ فيها استقلالَهُ عن قيودِ الإكراه، ويُمهِّدُ ليومٍ تشرقُ فيه شمسُ الحقيقةِ على أنقاضِ الكبرياء.

يا ليتَ هذه الأمَّ تدركُ أنّ الطفلَ ليس مرآةً تعكسُ صورةَ والديه، بل هو نهرٌ جديدٌ يجري إلى حيثُ لا يعلمُ أحد. ويا ليتَها تفهمُ أنّ الكتابةَ ليست مجردَ حروفٍ على ورق، بل هي رحلةُ روحٍ تبحثُ عن معنى، وأنّ الذكاءَ لا يُقاسُ بقدرةِ اليدِ على الإمساكِ بالقلم، بل بقدرةِ القلبِ على الإمساكِ بالحياة.

إنّنا أمامَ قنبلةٍ موقوتةٍ، لكنّ مؤقّتَها ليس في يدِ الطفلِ، بل في يدِ الأمِّ التي تُعيدُ ترتيبَ دميةٍ مكسورةٍ، ظنًّا منها أنّها تُصلحُ العالم. إنّ الخلاصَ لن يأتيَ من تغييرِ الطفل، بل من تغييرِ المرآةِ التي تنظرُ فيها الأمُّ إلى ذاتِها، لترى فيها ليس ما تُريدُ أن تراه، بل ما ينبغي أن تكونَ عليه: إنسانةً تستطيعُ أن تحبَّ دون أن تملك، وأن تعطيَ دون أن تنتظر، وأن تُربّيَ دون أن تُسيطر.

فهل تستطيعُ هذه الأمُّ أن تُغمِضَ عينيها لحظةً، لتسمعَ صوتَ الطفلِ يهمسُ من وراءِ الظلمة: "أمّاه، لا تُحاولي أن تُصلحيني، بل ساعديني أن أُصلحَ قلمي، فأنا لا أكتبُ لأُرضيَكِ، بل لأُعربَ عنّي. وإذا لم تستطيعي ذلك، فدعيني أكتبُ على جدرانِ الريحِ، فلعلّ حروفي تصلُ إلى حيثُ لا تستطيعُ أحلامُكِ أن تصل."
التحليل النفسي