العودة إلى خواطر
قصيدةُ مدنٍ على حافّة الزمن

خاطرة

قصيدةُ مدنٍ على حافّة الزمن

تاريخ غير متوفر

قصور الساف وسلقطة بقلم عبد السلام الزرّاع 1 – الغياب الذي يُحيلنا إلى الحضور لم تُذكر قصور الساف في دواوين القدماء إلا مُرّةً أو مرتين، كأنّ التاريخ أراد لها أن تولد من رحم الصمت، فتكون مدينةً مُحجوبة، اسمها يُشبه همس النّسيم في أذن البادية. ففي كتاب «مقديش» (1) مرّت كالومضة، وفي «مناقب» الهواري وردت على لسان الشيخ الطاهر المزوغي كما تُرسل الحمامة رسالةً بيضاء: «استقرّ أخيراً في بادية سوسة».

قصيدةُ مدنٍ على حافّة الزمن
عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥

قصور الساف وسلقطة



بقلم عبد السلام الزرّاع

1 – الغياب الذي يُحيلنا إلى الحضور

لم تُذكر قصور الساف في دواوين القدماء إلا مُرّةً أو مرتين، كأنّ التاريخ أراد لها أن تولد من رحم الصمت، فتكون مدينةً مُحجوبة، اسمها يُشبه همس النّسيم في أذن البادية. ففي كتاب «مقديش» (1) مرّت كالومضة، وفي «مناقب» الهواري وردت على لسان الشيخ الطاهر المزوغي كما تُرسل الحمامة رسالةً بيضاء: «استقرّ أخيراً في بادية سوسة».

أهي إذن لم تكن موجودةً في القرن السابع؟ السؤال يتدلّى كعنقود عنبٍ بلا عنقود، ويترك بين شفاهنا دمعةً من الشكّ.

2 – الربوة التي اختارتها الأقدار

قصور الساف كتبت على جبين ربوةٍ غرب وادٍ، فكان المنحدر يشبه مقطعاً موسيقيّاً من صخورٍ وطين، تتدفّق سيول الأمطار عليه كأوتار قيثارةٍ تُجرِّب حزنها في ليلة شتويّة. لم يكن السكنُ هنا عبثاً، بل كان حكايةً في الهندسة، حيث يرتفع البيتُ قليلاً كي لا يرى العدوّ إلا ما شاءت له السماء أن يرى.

3 – سلقطة: ثلاثة خلجانٍ كالثلاث قلوب

أمّا سلقطة، فهي المرأة التي استلقت على الشاطئ ومدّت ذراعيها الثلاث: خلجانٌ متلاصقاتٌ كأنفاسٍ متعاقبة، يبدأ الأوّل من رأس قبودية جنوباً وينتهي عند «رأس البلد»، ويستريح الثاني عند «رأس شبورو»، ويُهرع الثالث إلى قبودة في المهديّة، كأنّه يريد أن يُعانق المدينة الأخت.

4 – الفينيقيّون: ملحٌ في عروق البحر

في العام 1100 ق.م، حمل الفينيقيون شمس الشام على سفنهم، فلمعت في عيون البحر متناسخةً كأجنحة النورس. لم يجدوا «إفريقية» قفراً، بل وجدوها قبائل كتب الله عليها أن تكون أغنيتها الأولى. فأنشأوا سلقطة، فكانت الضفةُ تُغنّي للمرفأ، والمرفأ يُغنّي للبحر، والبحر كان يعرف منذ ذلك الحين أنّه سيظلّ يحمل في أعماقه أسماءً لا تُمحى.

5 – الرومان: حمّامٌ يتكئ على عبق التاريخ

جاء الرومان بعد سقوط قرطاج، فحوّلوا سلقطة إلى قصيدةٍ رخاميّة: حمّاماتٌ عامّةٌ تضمّ أصوات الماء والضحك، وقاعاتٌ لرياضةٍ تُشبه رقصةً على أطراف أصابع القدم، ومكتباتٌ كانت تُصغي إلى همس الريح كما لو كانت صفحاتها تتنفّس. وفي أحد أروقة الحمّام عُثر على فسيفساءٍ رُصِّعت ببيتٍ شعريّ يُهمس: «يا غريباً في دمي، لا تكن عدوّاً لذكراي».

6 – الكاتاكومب: قلبٌ يخفق تحت الأرض

تحت سطح المدينة، كان الموتُ يُغنّي بصوتٍ خفيض: أروقةٌ ضيّقةٌ يتقاطع ضوء المصابيح فيها كخيوط عنكبوتٍ من ذهب، وتجويفاتٌ في الجدران تُضمّ أجساداً كانت ذات يومٍ أحلاماً تتوق إلى الحياة. كان الرومان يكتبون على القبور: «إنّ النفس لا تموت، بل تغيّر سكناها».

7 – البيزنطيّة: بوابةٌ على حافة الانهيار

في 31 أغسطس 533 م، رست سفن بليساريوس على رأس قبودية، فكان الوجود البيزنطيّ كشبحٍ يمشي على ماءٍ من نحاس. ثم أقاموا قلعةً مربعةً قبالة سلقطة (50×50 م)، فصارت المدينةُ تُناجي قلعتها كأمٍّ تُمسك يد ابنتها خوفاً من رياحٍ قادمة.

8 – الفتح الإسلامي: ريحٌ من الصحراء

أتى العرب ففضّلوا قصور الساف، فهي أبعد عن ضجيج الأمواج وأقرب إلى صمت الزّهد. تركوا سلقطة منارةً على المرفأ تُشبه شمعةً ما زالت تبكي على أمواتها، وانطلقوا إلى الداخل، فصار للصوفيّة في قصور الساف رباطٌ يُصلّي للبحر ويُصلّي للصحراء في آنٍ واحد.

9 – النهاية التي لم تكن نهاية

جاء الزحف الهلالي، فكان كسيفٍ يقطع الحنين. خرجت سلقطة من التاريخ كما تخرج العصافير من قفصٍ مفتوح، وانتقل سكانها إلى قصور الساف، فصارت سلقطة كتاباً مطويّاً على صفحةٍ صفراء، أمّا قصور الساف، فصارت ذاكرةً جديدةً تُغنّي للقديم وتُحيي للمستقبل.

10 – إشارة على هامش الزمن

اليوم، إذا مشيت على ربوة قصور الساف، يمكنك أن تسمع تحت قدميك همساً مزدوجاً: همس سلقطة التي نامت في أعماق البحر، وهمس قصور الساف التي ما زالت تُصلّي للريح، تاركةً للتاريخ أن يُكمل قصيدته على لسان الغياب.

تاريخ