خاطرة
حوار مع رجل دين
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع في دهاليز النرجسية حين يستدينُ الدينُ ثوبَ التزيُّف تلقَّيتُ النداءَ فجأة، كأنَّ عصا الحلم تُحرِّكُ ماءَ الصمتِ في سماعةِ الهاتف: «نحتاجُ توقيعَكَ على شهادةٍ البراءة لابنك ، فقد أراد أن يُبدِّلَ مهنتَه في بطاقةِ هويَّته». قلتُ: «أُحِلُّ ،ساعةً قريبةً، إن شاء الرحمن».
حوار مع رجل دين
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في دهاليز النرجسية حين يستدينُ الدينُ ثوبَ التزيُّف
تلقَّيتُ النداءَ فجأة، كأنَّ عصا الحلم تُحرِّكُ ماءَ الصمتِ في سماعةِ الهاتف: «نحتاجُ توقيعَكَ على شهادةٍ البراءة لابنك ، فقد أراد أن يُبدِّلَ مهنتَه في بطاقةِ هويَّته». قلتُ: «أُحِلُّ ،ساعةً قريبةً، إن شاء الرحمن».
وما كادت قدماي تخطوان رُخامَ اليقضة حتى اهتزَّ صدىُ خطوتي في دهاليزها، فرأيتُ ابني يجلسُ إلى يَسارِ الطاولةِ كأنَّه نصلُ سكينةٍ باهتٍ، وإلى جانبه صُدفةً – أو قدرًا – السيدُ رجل الدين، إمامُ جامعِ بمدينة الفردوس ،و معه الموظفان الذان مسؤوىان عن منح الشهادة للحالمينفقط. .
ألقيتُ التحيَّةَ طوقَ ودٍّ، فأشار إليَّ الحلم: «نكتبُ للفتى شهادتَه، لكن صاحبَنا هنا يريد أن يُسمعَنا رأيَه في شؤونِ البلاد». فابتسمتُ ابتسامةَ من يعلمُ أنَّ العاصفةَ قادمةٌ.
وقد أطلق رجل الدين عِنانَ صوتِه يُحلِّقُ في فضاءِ الكبرياء، يُراوغُ، يُلمِّعُ جملَه، يُقيمُ من نفسه منبرًا ومنارةً. فقلتُ – وقد تسلَّلَ الحنينُ إلى صوتي –:
«أراكُم – أيّها الواعضون – قد صرتم مثلَ كنيسةٍ عتيقةٍ: تُقيمون احتفالاتٍ تُورِّقُ فيها الثيابُ الفاخرةُ أغصانَها، وتُقيمون طقوسًا ما أنزل اللهُ بها من سلطان».
فارتجَّت ملامحُه كأنَّ كلامي صاعقةٌ عقرتْ صرحَه، ثم قال – وقد اشتعلتْ في عينيه شراراتُ الغضبِ –:
«أنا أعشقُ الثياب الجميلة و اقيم لها الطقوس اجلالا لقدرها ، وأشتريها من مالي الخاصّ!» ثم تحدّاني: «إن رأيتَ منّي زلَّةً فاهدُها!».
فقلتُ: «قد رأيتُكَ في الحرمِ تُقيمُ الكاميرا لتُصوِّرَ المعتمرين، تبيعُ وجوهَهم ابتسامةً لإعلانٍ شخصي».
فردَّ – وقد علتْ لهجتُهُ نَشْوَةُ الوقاحةِ –:
«أنا لا أخطئ!».
فاستفهمتُ: «ألستَ بشرًا؟».
قال: «نعم، أنا إنسانٌ، ومع ذلك لا أخطئ! فائتِنِي بغلطةٍ واحدةٍ إن كنتَ صادقًا!».
فازدادَتْ حدَّتُه، وتورَّدَ وجهُه، وانفجرَ كلامُه قنابلَ صوتيةً يُفرغُ فيها عدوانيَّتَه المطمورةَ، كأنَّه يُراوغُ عيوبَه بعويلِ الريح. وهناك – في تلك اللحظة – تجلَّى «وهمُ الكمال» النرجسيُّ؛ إذ يرفضُ صاحبُه أن تَطأَ قدمُ النقصِ أرضَه، فينهارُ أمامَ أبسطِ مرآة.
ولما قال إنه «يعشقُ الثياب الجميلة ، راودتني خاطرةٌ ساخرةٌ: لو كان يحبُّ الثوب حقًّا، فلماذا لا يفتحُ دكّانةً يبيعُ فيها الأثوابَ؟ لكنّي أدركتُ أنه لا يُحِبُّ التٱنق، بل يعشقُ ذاتَه المتموِّجةِ في ثناياها؛ إنها ليست ثوبَ زهدٍ، بل وشاحُ نفاقٍ اجتماعيٍّ يُخفي تحتَه تقوُّقَ المادّةِ وصريرَ الأنانيّة.
وصديقُه «عكرمة » – الذي يُرسلُه إلى جامعِ التوبة ليتجسَّسَ على إمامٍ آخر – يُكمِلُ المشهدَ: رجلُ دينٍ يُحوِّلُ المحرابَ إلى مكتبِ تَسَوُّسٍ، والمنبرَ إلى كاميرا مراقَبةٍ. إنهم لا يخدمون الدين، بل يستدينون اسمه؛ فالدينُ عندهم «حسابٌ بنكيٌّ» يُرَبِّحُهم وديعةَ النفوذ، و«تذكرةُ سفرٍ» تُصعدُهم إلى كراسي السلطة.
فانتفضت روحي من سباتها و صاحت باعلى صوتها :
إنَّ هذا اللقاء يُتيح لنا أن نرى النموذجَ الاجتماعيَّ الخطيرَ عن كثب: إمامٌ يَرتدي الإيمانَ قناعًا، فإذا انكشفَ الغطاءُ بدت عظامُ النرجسيةِ البالية. أبرزُ سماته:
- النرجسيةُ: إنكارُ الخطأ، الثقةُ المفرطةُ، وهوسُ الظهور.
- العدوانيةُ المكبوتةُ: تحويلُ النقدِ إلى هجومٍ شخصيٍّ.
- ازدواجيةُ المعاييرِ: التظاهرُ بالزهدِ والانغماسُ في الترف.
- عقدةُ النقصِ المعوَّضةُ: السعيُ وراء المناصبِ لتعويضٍ داخليٍّ مؤلم.
غفوت من نومي ،اتصبب عرقا ،و لعنت السرير الذي انام عليه قلت لنفسي،
-،هو سبب ارقي و وجعي.
قصورُ الساف – 11 شتنبر 2023
قصة قصيرة
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في دهاليز النرجسية حين يستدينُ الدينُ ثوبَ التزيُّف
تلقَّيتُ النداءَ فجأة، كأنَّ عصا الحلم تُحرِّكُ ماءَ الصمتِ في سماعةِ الهاتف: «نحتاجُ توقيعَكَ على شهادةٍ البراءة لابنك ، فقد أراد أن يُبدِّلَ مهنتَه في بطاقةِ هويَّته». قلتُ: «أُحِلُّ ،ساعةً قريبةً، إن شاء الرحمن».
وما كادت قدماي تخطوان رُخامَ اليقضة حتى اهتزَّ صدىُ خطوتي في دهاليزها، فرأيتُ ابني يجلسُ إلى يَسارِ الطاولةِ كأنَّه نصلُ سكينةٍ باهتٍ، وإلى جانبه صُدفةً – أو قدرًا – السيدُ رجل الدين، إمامُ جامعِ بمدينة الفردوس ،و معه الموظفان الذان مسؤوىان عن منح الشهادة للحالمينفقط. .
ألقيتُ التحيَّةَ طوقَ ودٍّ، فأشار إليَّ الحلم: «نكتبُ للفتى شهادتَه، لكن صاحبَنا هنا يريد أن يُسمعَنا رأيَه في شؤونِ البلاد». فابتسمتُ ابتسامةَ من يعلمُ أنَّ العاصفةَ قادمةٌ.
وقد أطلق رجل الدين عِنانَ صوتِه يُحلِّقُ في فضاءِ الكبرياء، يُراوغُ، يُلمِّعُ جملَه، يُقيمُ من نفسه منبرًا ومنارةً. فقلتُ – وقد تسلَّلَ الحنينُ إلى صوتي –:
«أراكُم – أيّها الواعضون – قد صرتم مثلَ كنيسةٍ عتيقةٍ: تُقيمون احتفالاتٍ تُورِّقُ فيها الثيابُ الفاخرةُ أغصانَها، وتُقيمون طقوسًا ما أنزل اللهُ بها من سلطان».
فارتجَّت ملامحُه كأنَّ كلامي صاعقةٌ عقرتْ صرحَه، ثم قال – وقد اشتعلتْ في عينيه شراراتُ الغضبِ –:
«أنا أعشقُ الثياب الجميلة و اقيم لها الطقوس اجلالا لقدرها ، وأشتريها من مالي الخاصّ!» ثم تحدّاني: «إن رأيتَ منّي زلَّةً فاهدُها!».
فقلتُ: «قد رأيتُكَ في الحرمِ تُقيمُ الكاميرا لتُصوِّرَ المعتمرين، تبيعُ وجوهَهم ابتسامةً لإعلانٍ شخصي».
فردَّ – وقد علتْ لهجتُهُ نَشْوَةُ الوقاحةِ –:
«أنا لا أخطئ!».
فاستفهمتُ: «ألستَ بشرًا؟».
قال: «نعم، أنا إنسانٌ، ومع ذلك لا أخطئ! فائتِنِي بغلطةٍ واحدةٍ إن كنتَ صادقًا!».
فازدادَتْ حدَّتُه، وتورَّدَ وجهُه، وانفجرَ كلامُه قنابلَ صوتيةً يُفرغُ فيها عدوانيَّتَه المطمورةَ، كأنَّه يُراوغُ عيوبَه بعويلِ الريح. وهناك – في تلك اللحظة – تجلَّى «وهمُ الكمال» النرجسيُّ؛ إذ يرفضُ صاحبُه أن تَطأَ قدمُ النقصِ أرضَه، فينهارُ أمامَ أبسطِ مرآة.
ولما قال إنه «يعشقُ الثياب الجميلة ، راودتني خاطرةٌ ساخرةٌ: لو كان يحبُّ الثوب حقًّا، فلماذا لا يفتحُ دكّانةً يبيعُ فيها الأثوابَ؟ لكنّي أدركتُ أنه لا يُحِبُّ التٱنق، بل يعشقُ ذاتَه المتموِّجةِ في ثناياها؛ إنها ليست ثوبَ زهدٍ، بل وشاحُ نفاقٍ اجتماعيٍّ يُخفي تحتَه تقوُّقَ المادّةِ وصريرَ الأنانيّة.
وصديقُه «عكرمة » – الذي يُرسلُه إلى جامعِ التوبة ليتجسَّسَ على إمامٍ آخر – يُكمِلُ المشهدَ: رجلُ دينٍ يُحوِّلُ المحرابَ إلى مكتبِ تَسَوُّسٍ، والمنبرَ إلى كاميرا مراقَبةٍ. إنهم لا يخدمون الدين، بل يستدينون اسمه؛ فالدينُ عندهم «حسابٌ بنكيٌّ» يُرَبِّحُهم وديعةَ النفوذ، و«تذكرةُ سفرٍ» تُصعدُهم إلى كراسي السلطة.
فانتفضت روحي من سباتها و صاحت باعلى صوتها :
إنَّ هذا اللقاء يُتيح لنا أن نرى النموذجَ الاجتماعيَّ الخطيرَ عن كثب: إمامٌ يَرتدي الإيمانَ قناعًا، فإذا انكشفَ الغطاءُ بدت عظامُ النرجسيةِ البالية. أبرزُ سماته:
- النرجسيةُ: إنكارُ الخطأ، الثقةُ المفرطةُ، وهوسُ الظهور.
- العدوانيةُ المكبوتةُ: تحويلُ النقدِ إلى هجومٍ شخصيٍّ.
- ازدواجيةُ المعاييرِ: التظاهرُ بالزهدِ والانغماسُ في الترف.
- عقدةُ النقصِ المعوَّضةُ: السعيُ وراء المناصبِ لتعويضٍ داخليٍّ مؤلم.
غفوت من نومي ،اتصبب عرقا ،و لعنت السرير الذي انام عليه قلت لنفسي،
-،هو سبب ارقي و وجعي.
قصورُ الساف – 11 شتنبر 2023
قصة قصيرة