خاطرة
حوار مع متقاعد
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع في زقاقٍ مُقفِرٍ من مدينةِ صعيرة ، حيث تُداعَبُ الشمسُ الأفقَ بأصابعٍ ذهبيةٍ تائهة، التقيتُ بالصدفةِ بسيدٍ اسمه (مراد)، كأن القدرَ أراد أن يضعني أمام لوحةٍ بشريةٍ من زمنٍ آخر. كان مُحاطًا بهالةٍ من الصمتِ والوقار، وبرفقته رجلٌ لم أعرفه، لكن (مراد) قدّمه لي بكلماتٍ تُنمّ عن حبٍ عميقٍ واحترامٍ بالغ: "هذا صديقي وجاري، إنسانٌ طيّبٌ وخلوق، من خيرةِ من عرفتُ في هذه المدينة".
حوار مع متقاعد
عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في زقاقٍ مُقفِرٍ من مدينةِ صعيرة ، حيث
تُداعَبُ الشمسُ الأفقَ بأصابعٍ ذهبيةٍ تائهة، التقيتُ بالصدفةِ بسيدٍ اسمه (مراد)، كأن القدرَ أراد أن يضعني أمام لوحةٍ بشريةٍ من زمنٍ آخر. كان مُحاطًا بهالةٍ من الصمتِ والوقار، وبرفقته رجلٌ لم أعرفه، لكن (مراد) قدّمه لي بكلماتٍ تُنمّ عن حبٍ عميقٍ واحترامٍ بالغ: "هذا صديقي وجاري، إنسانٌ طيّبٌ وخلوق، من خيرةِ من عرفتُ في هذه المدينة".
لم أكن أعلم حينها أنني أقف أمام أستاذٍ متقاعد، فمظهره البسيطُ وثيابه الباليةُ خدعاني عن حقيقته. كان يرتدي مريولاً أزرقَ داكناً كاد يُذكره بسنواتِ تدريسه، وسروالاً قديمًا باهتَ اللون، كأن الزمنَ تركَ عليه بصماتِه. تساءلتُ في نفسي: كيف يعيشُ بعضُ الأساتذةِ بعد التقاعد؟ هل يُقاسون ما يُقاسيه غيرهم من ضيقِ العيشِ وضعفِ الإمكانات؟
عندما قدّمني (مراد) له، قال: "هذا التائه، من المثقفين والمطلعين فكرياً". لكن نظرةَ صديقِ صديقي لم تُظهر اهتماماً، بل بدا كأنه يرى في نفسه بحيرةً لا تُضاهى من المعرفة، وأن أي ادعاء بالثقافة من الآخرين قد يكون نوعاً من التطفل أو المبالغة.
بدأ الحوارُ بيننا حول الحربِ الإيرانية الإسرائيلية، فعبّرتُ عن رأيي بأن أمريكا لا ترغبُ في حربٍ جديدة، نظراً لتكلفتها الباهظة والوضع العالمي غير ملائم، خاصة بعد خروجها المُذل من أفغانستان. أضفتُ أن الإمبراطورية الأمريكية بدأت تفقدُ نفوذها تدريجياً، وأنها تحتفظُ بقوتها لمواجهةِ صراعٍ مستقبلي مع الصين. لاحظتُ أن هذه الفكرة لم تعجب صديقَ صديقي، حيث بدا عليه الضيقُ والتوتر، خاصة عندما أشرتُ إلى تراجع النفوذ الأمريكي.
ثم انتقلنا إلى موضوعٍ آخر، فذكرتُ أن القرآن وصف بعض الأعراب بأنهم "أشدُ كفراً ونفاقاً"، مستشهداً بحادثةٍ تاريخية في فترة الردة، حيث رفضت بعض القبائل دفعَ الزكاة. استخدمتُ مصطلح "الجباية" لوصفِ الزكاة في سياق الدولة، فاعترض بشدة، قائلاً: "لكلِّ فترةٍ مصطلحاتُها". حاولتُ توضيح وجهة نظري بأن كل فترة تاريخية يجب أن تُدرس بأدواتٍ علميةٍ معاصرة لفهم السياق بشكلٍ أعمق، لكنه بدا منزعجاً أكثر، ولم يُبدِ قبولاً لهذا الطرح، بل انسحبَ من النقاشِ موجهاً تحيةً مقتضبةً لصديقِه ومغادراً.
في تفكيري، رأيتُ أن سلوكَ صديقِ صديقي يعكس نمطاً شائعاً بين بعض الأفراد الذين قضوا عقوداً في بيئةٍ تعليميةٍ تقليدية تعتمد على التلقين. هؤلاء غالباً ما يطورون شعوراً قوياً بالثقة في معرفتهم، مما يجعلهم أقل انفتاحاً على الحوار أو قبول وجهات نظر مختلفة. هذا السلوك قد يتفاقم مع التقدم في العمر، حيث يميل الأفراد في مرحلة الشيخوخة إلى التمسك بآرائهم كجزء من هويتهم الشخصية، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ"الصلابة المعرفية".
في الختام، يُعدُّ الحوارُ مع أشخاصٍ مثل صديقِ صديقي تحدياً، ليس فقط بسبب اختلاف وجهات النظر، بل بسبب السياقات السيكولوجية والسوسيولوجية التي تشكل شخصياتهم. هؤلاء الأفراد، الذين يرون أنفسهم جزءاً من النخبة المثقفة، قد يجدون صعوبة في قبول النقد أو التقليل من شأن معرفتهم. ومع ذلك، ينبغي التعامل معهم باحترامٍ وتفهم، مع الأخذ في الاعتبار تأثير العوامل النفسية والاجتماعية على سلوكهم، لتحقيق حوارٍ مثمرٍ يراعي حساسياتهم ويفتح المجال لتبادل الأفكار دون مواجهةٍ مباشرة.
التحليل النفسي
عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في زقاقٍ مُقفِرٍ من مدينةِ صعيرة ، حيث
تُداعَبُ الشمسُ الأفقَ بأصابعٍ ذهبيةٍ تائهة، التقيتُ بالصدفةِ بسيدٍ اسمه (مراد)، كأن القدرَ أراد أن يضعني أمام لوحةٍ بشريةٍ من زمنٍ آخر. كان مُحاطًا بهالةٍ من الصمتِ والوقار، وبرفقته رجلٌ لم أعرفه، لكن (مراد) قدّمه لي بكلماتٍ تُنمّ عن حبٍ عميقٍ واحترامٍ بالغ: "هذا صديقي وجاري، إنسانٌ طيّبٌ وخلوق، من خيرةِ من عرفتُ في هذه المدينة".
لم أكن أعلم حينها أنني أقف أمام أستاذٍ متقاعد، فمظهره البسيطُ وثيابه الباليةُ خدعاني عن حقيقته. كان يرتدي مريولاً أزرقَ داكناً كاد يُذكره بسنواتِ تدريسه، وسروالاً قديمًا باهتَ اللون، كأن الزمنَ تركَ عليه بصماتِه. تساءلتُ في نفسي: كيف يعيشُ بعضُ الأساتذةِ بعد التقاعد؟ هل يُقاسون ما يُقاسيه غيرهم من ضيقِ العيشِ وضعفِ الإمكانات؟
عندما قدّمني (مراد) له، قال: "هذا التائه، من المثقفين والمطلعين فكرياً". لكن نظرةَ صديقِ صديقي لم تُظهر اهتماماً، بل بدا كأنه يرى في نفسه بحيرةً لا تُضاهى من المعرفة، وأن أي ادعاء بالثقافة من الآخرين قد يكون نوعاً من التطفل أو المبالغة.
بدأ الحوارُ بيننا حول الحربِ الإيرانية الإسرائيلية، فعبّرتُ عن رأيي بأن أمريكا لا ترغبُ في حربٍ جديدة، نظراً لتكلفتها الباهظة والوضع العالمي غير ملائم، خاصة بعد خروجها المُذل من أفغانستان. أضفتُ أن الإمبراطورية الأمريكية بدأت تفقدُ نفوذها تدريجياً، وأنها تحتفظُ بقوتها لمواجهةِ صراعٍ مستقبلي مع الصين. لاحظتُ أن هذه الفكرة لم تعجب صديقَ صديقي، حيث بدا عليه الضيقُ والتوتر، خاصة عندما أشرتُ إلى تراجع النفوذ الأمريكي.
ثم انتقلنا إلى موضوعٍ آخر، فذكرتُ أن القرآن وصف بعض الأعراب بأنهم "أشدُ كفراً ونفاقاً"، مستشهداً بحادثةٍ تاريخية في فترة الردة، حيث رفضت بعض القبائل دفعَ الزكاة. استخدمتُ مصطلح "الجباية" لوصفِ الزكاة في سياق الدولة، فاعترض بشدة، قائلاً: "لكلِّ فترةٍ مصطلحاتُها". حاولتُ توضيح وجهة نظري بأن كل فترة تاريخية يجب أن تُدرس بأدواتٍ علميةٍ معاصرة لفهم السياق بشكلٍ أعمق، لكنه بدا منزعجاً أكثر، ولم يُبدِ قبولاً لهذا الطرح، بل انسحبَ من النقاشِ موجهاً تحيةً مقتضبةً لصديقِه ومغادراً.
في تفكيري، رأيتُ أن سلوكَ صديقِ صديقي يعكس نمطاً شائعاً بين بعض الأفراد الذين قضوا عقوداً في بيئةٍ تعليميةٍ تقليدية تعتمد على التلقين. هؤلاء غالباً ما يطورون شعوراً قوياً بالثقة في معرفتهم، مما يجعلهم أقل انفتاحاً على الحوار أو قبول وجهات نظر مختلفة. هذا السلوك قد يتفاقم مع التقدم في العمر، حيث يميل الأفراد في مرحلة الشيخوخة إلى التمسك بآرائهم كجزء من هويتهم الشخصية، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ"الصلابة المعرفية".
في الختام، يُعدُّ الحوارُ مع أشخاصٍ مثل صديقِ صديقي تحدياً، ليس فقط بسبب اختلاف وجهات النظر، بل بسبب السياقات السيكولوجية والسوسيولوجية التي تشكل شخصياتهم. هؤلاء الأفراد، الذين يرون أنفسهم جزءاً من النخبة المثقفة، قد يجدون صعوبة في قبول النقد أو التقليل من شأن معرفتهم. ومع ذلك، ينبغي التعامل معهم باحترامٍ وتفهم، مع الأخذ في الاعتبار تأثير العوامل النفسية والاجتماعية على سلوكهم، لتحقيق حوارٍ مثمرٍ يراعي حساسياتهم ويفتح المجال لتبادل الأفكار دون مواجهةٍ مباشرة.
التحليل النفسي