خاطرة
حلم تحت قبة العتمة
تاريخ غير متوفر
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥ بقلم عبد السلام الزراع حلمٌ تحت قبةِ العتمة أوْهامٌ تَسلَّلتْ إلى فراشي فأطاحتْ بي في عالمٍ لا أرى له من عُمقِ اليقظةِ أثرًا. كانتْ مشاهدُهُ كأنها أشرعةُ سفينةٍ مُترنِّحةٍ في ليلٍ شاحبٍ تتمايلُ مع كلِّ لحظةٍ فتُسافرُ بي إلى أبعدَ
حلم تحت قبة العتمة
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
حلمٌ تحت قبةِ العتمة
أوْهامٌ تَسلَّلتْ إلى فراشي فأطاحتْ بي في عالمٍ لا أرى له من عُمقِ اليقظةِ أثرًا. كانتْ مشاهدُهُ كأنها أشرعةُ سفينةٍ مُترنِّحةٍ في ليلٍ شاحبٍ تتمايلُ مع كلِّ لحظةٍ فتُسافرُ بي إلى أبعدَ من حدودِ النوم.
أولًا: أشباحٌ لا أعرفُ أسماءَها
حضرتْ إلى الحُلمِ وجوهٌ لم تُعرَّفْ في أحلامي السابقة؛ وجوهٌ كأوراقٍ متناثرةٍ في مهبِّ ريحٍ عاتية. أبرزُهم كان نورُ الدينِ ، ذلك الاسمُ الذي يتردَّدُ في آذانِ طفولتي كأغنيةٍ نسيها المغنّون. إلى جانبِهِ كانتْ قطيعٌ من الكلابِ الكانيشانِ والبارجيّ، يتقاسمون معنا سقفَ البيتِ كأنهم ورثةٌ قدامى. وبقيةُ الشخصياتِ ظلالٌ مُبهماتٌ لا تُمسِكُهُنَّ إلا عتمةُ الليل.
ثانيًا: زقاقٌ يأكلُ الضوء
في زقاقٍ يضيقُ حتى يكادَ يلتهمُ خطاي، اعترضني ثلاثةُ كلابٍ تلهو كأطفالٍ في عيدٍ مُغتسلٍ بالقمر. قفزوا حولي كأنهم أرواحٌ طلقةٌ تبحثُ عن جسدٍ تسكنه. وعندما تسللتُ إلى المنزل، وجدتُ نور الدين جالسًا في إحدى زوايا الغرفةِ كأنه ظلٌّ طويلٌ لرجلٍ نسيَ وجهَهُ المرآة. قيل لي إنه لا مأوى يأويه، فاختارنا ملاذًا مؤقتًا قبل أن يغادر إلى حيثُ لا يعرفُ أحدٌ طريقَه.
ثالثًا: عرشُ العوز
كانت صديقتي تُديرُ شؤونه كأمٍّ عطوفٍ تُسكبُ من حنانِها على جرحِ الحياة. كان يرسلُ إليها طلباتٍ ملحةً لا تنقطع، حتى كادتِ اللحظةُ تئنُّ تحت وطأةِ صوتِه المتكرر. أما هو فكان جاثمًا على الأرضِ كأنه تمثالُ رجلٍ تحطّمَتْ قدماه من فرطِ الوقوفِ على أطلالِ الأيام. بنطالٌ أبيضُ قطنيٌّ يُغطي جسده النحيل، وعضوُّهُ التناسليُّ بارزٌ كأنه نداءُ عارٍ في ليلٍ صامت. ارتبكتُ، فهمستُ له: «استرْ عورتك، فالليلُ له عينان».
رابعًا: تنورةُ الغيرة
في المقابل، كانت صديقتي ترتدي تنورةً قصيرةً من خمسينياتِ القرن الماضي، أزرارُها ترصّعُها كأقمارٍ صغيرةٍ على خصرٍ أبيض. فجأةً، شعرتُ بنارِ الغيرةِ تلسعُ قلبي، كأن كلَّ زرٍّ في تلك التنورةِ هو عينٌ تراقبني، وتدفعني إلى التفكيرِ في أسرارٍ لا أملكُ مفاتيحَها.
خامسًا: سوقُ الضوضاء
في سوقِ الخضارِ، حيثُ الرائحةُ الخضراءُ تتصاعدُ كبخورٍ عتيق، التقيتُ بفلاح. حاولتُ أن ألتفَّ عنه كمن يتهربُ من لعنةٍ قديمة، لكنه احتجَّ بصوتٍ يعلو فوق ضجيجِ الباعة. تركتُه يُلقي بكلماتِه كأحجارٍ في بئرٍ عميقة، لا أسمعُ صدىً واضحًا سوى غضبِه المتصاعد.
سادسًا: قزمٌ في علبة
وفي لحظةٍ انفصلتْ عن منطقِ الزمان، تحوّل نور الدين فجأةً إلى قزمٍ صغيرٍ كأنه قطعةٌ من ليلٍ انكمشتْ على نفسها. اختفى داخلَ علبةٍ بلاستيكيةٍ كأنها ضريحٌ مؤقت، ولم أستطع التعامل معه، لا سيما حين حاولنا إخراجَهُ من منزلِنا، فكان ينكمش أكثر فأكثر، حتى صار ندًا في كفِّ الريح.
وهكذا انتهى الحلم، تاركًا في قلبي طعمَ ترابٍ لم أعرف له طريقًا إلى اليقظة.
قصة قصيرة
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
حلمٌ تحت قبةِ العتمة
أوْهامٌ تَسلَّلتْ إلى فراشي فأطاحتْ بي في عالمٍ لا أرى له من عُمقِ اليقظةِ أثرًا. كانتْ مشاهدُهُ كأنها أشرعةُ سفينةٍ مُترنِّحةٍ في ليلٍ شاحبٍ تتمايلُ مع كلِّ لحظةٍ فتُسافرُ بي إلى أبعدَ من حدودِ النوم.
أولًا: أشباحٌ لا أعرفُ أسماءَها
حضرتْ إلى الحُلمِ وجوهٌ لم تُعرَّفْ في أحلامي السابقة؛ وجوهٌ كأوراقٍ متناثرةٍ في مهبِّ ريحٍ عاتية. أبرزُهم كان نورُ الدينِ ، ذلك الاسمُ الذي يتردَّدُ في آذانِ طفولتي كأغنيةٍ نسيها المغنّون. إلى جانبِهِ كانتْ قطيعٌ من الكلابِ الكانيشانِ والبارجيّ، يتقاسمون معنا سقفَ البيتِ كأنهم ورثةٌ قدامى. وبقيةُ الشخصياتِ ظلالٌ مُبهماتٌ لا تُمسِكُهُنَّ إلا عتمةُ الليل.
ثانيًا: زقاقٌ يأكلُ الضوء
في زقاقٍ يضيقُ حتى يكادَ يلتهمُ خطاي، اعترضني ثلاثةُ كلابٍ تلهو كأطفالٍ في عيدٍ مُغتسلٍ بالقمر. قفزوا حولي كأنهم أرواحٌ طلقةٌ تبحثُ عن جسدٍ تسكنه. وعندما تسللتُ إلى المنزل، وجدتُ نور الدين جالسًا في إحدى زوايا الغرفةِ كأنه ظلٌّ طويلٌ لرجلٍ نسيَ وجهَهُ المرآة. قيل لي إنه لا مأوى يأويه، فاختارنا ملاذًا مؤقتًا قبل أن يغادر إلى حيثُ لا يعرفُ أحدٌ طريقَه.
ثالثًا: عرشُ العوز
كانت صديقتي تُديرُ شؤونه كأمٍّ عطوفٍ تُسكبُ من حنانِها على جرحِ الحياة. كان يرسلُ إليها طلباتٍ ملحةً لا تنقطع، حتى كادتِ اللحظةُ تئنُّ تحت وطأةِ صوتِه المتكرر. أما هو فكان جاثمًا على الأرضِ كأنه تمثالُ رجلٍ تحطّمَتْ قدماه من فرطِ الوقوفِ على أطلالِ الأيام. بنطالٌ أبيضُ قطنيٌّ يُغطي جسده النحيل، وعضوُّهُ التناسليُّ بارزٌ كأنه نداءُ عارٍ في ليلٍ صامت. ارتبكتُ، فهمستُ له: «استرْ عورتك، فالليلُ له عينان».
رابعًا: تنورةُ الغيرة
في المقابل، كانت صديقتي ترتدي تنورةً قصيرةً من خمسينياتِ القرن الماضي، أزرارُها ترصّعُها كأقمارٍ صغيرةٍ على خصرٍ أبيض. فجأةً، شعرتُ بنارِ الغيرةِ تلسعُ قلبي، كأن كلَّ زرٍّ في تلك التنورةِ هو عينٌ تراقبني، وتدفعني إلى التفكيرِ في أسرارٍ لا أملكُ مفاتيحَها.
خامسًا: سوقُ الضوضاء
في سوقِ الخضارِ، حيثُ الرائحةُ الخضراءُ تتصاعدُ كبخورٍ عتيق، التقيتُ بفلاح. حاولتُ أن ألتفَّ عنه كمن يتهربُ من لعنةٍ قديمة، لكنه احتجَّ بصوتٍ يعلو فوق ضجيجِ الباعة. تركتُه يُلقي بكلماتِه كأحجارٍ في بئرٍ عميقة، لا أسمعُ صدىً واضحًا سوى غضبِه المتصاعد.
سادسًا: قزمٌ في علبة
وفي لحظةٍ انفصلتْ عن منطقِ الزمان، تحوّل نور الدين فجأةً إلى قزمٍ صغيرٍ كأنه قطعةٌ من ليلٍ انكمشتْ على نفسها. اختفى داخلَ علبةٍ بلاستيكيةٍ كأنها ضريحٌ مؤقت، ولم أستطع التعامل معه، لا سيما حين حاولنا إخراجَهُ من منزلِنا، فكان ينكمش أكثر فأكثر، حتى صار ندًا في كفِّ الريح.
وهكذا انتهى الحلم، تاركًا في قلبي طعمَ ترابٍ لم أعرف له طريقًا إلى اليقظة.
قصة قصيرة