خاطرة
جواهر
تاريخ غير متوفر
اليوم، يتأرجح السماء بين غيمةٍ رقيقةٍ ودفءٍ شمسيٍّ يُقبّل الظلَّ بلطف. حملتُ أوراقي المطمورة، وقلمي المُعطَّر بالحبر الأسود، وسرتُ كطفلٍ يتبع خيطًا من نورٍ يقوده إلى المكتبة، ذلك القصر الصامت الذي يضمُّ في أحشائه أسرار الوجود. كم من عمرٍ قضيتُ بين رفوفها، أتجوّل كمسافرٍ
جواهر
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥
اليوم، يتأرجح السماء بين غيمةٍ رقيقةٍ ودفءٍ شمسيٍّ يُقبّل الظلَّ بلطف. حملتُ أوراقي المطمورة، وقلمي المُعطَّر بالحبر الأسود، وسرتُ كطفلٍ يتبع خيطًا من نورٍ يقوده إلى المكتبة، ذلك القصر الصامت الذي يضمُّ في أحشائه أسرار الوجود. كم من عمرٍ قضيتُ بين رفوفها، أتجوّل كمسافرٍ يبحث عن ماءٍ في صحراء الكلمات، وأنا أرى الزائرين يمشون كظلالٍ على جدرانٍ من صمتٍ عميق، حراسٌ للمعرفة، لا يعرفون أن الحقيقة سرابٌ يُغنّي للنائمين.
عند مدخل القاعة، وقفتُ كعاشقٍ ينتظر موعد لقاء، أمام مكتبٍ يبدو كحارسٍ على بوابةِ عالمٍ موازٍ. سلسلةٌ من الأسئلة تنهالُ عليّ كزخّة مطرٍ صيفي:
"بطاقة الهوية؟"
"ما الغرض من زيارتك؟"
"هل أنت عضوٌ منخرط؟"
ابتسمتُ في سرّي، هذه الأسئلة كأنها طقوسٌ قديمةٌ لعبورٍ إلى عالمٍ آخر، حيث لا تُسأل الروح عن اسمها. أعددتُ نفسي للإجابة، رغم أني أعلم أن إجاباتي لن ترضي ذلك الحارس الجالس خلف المكتب، ذاك الرجل الذي يبدو كأنه ابتلع كتابًا ثم تقيأه بغطرسةٍ تفوح منها رائحة الحبر القديم.
"ماذا تريد هنا؟" سألني بنظرةٍ متعالية، وهو يُدقّق في بطاقتي كمحققٍ يبحث عن جريمةٍ خفية.
"أريد أن أقرأ"، أجبتُ ببساطةٍ كأنني أقول: أريد أن أتنفس.
"طالع بهدوءٍ، ولا تُزعج أحدًا"، قالها وهو يدفع البطاقة نحوي، ثم عاد إلى تصفّح جريدته كأن الأمر لا يعنيه، وكأن الكلمات التي أبحث عنها لن تُغنيه عن صفحةٍ صفراء.
اندفعتُ إلى القاعة، كطفلٍ يدخل غابةً من القصص، عيناي تبحثان بين الطاولات عن ذلك "الطيف" الذي وعدني بلقائه في المنام. ليلة البارحة، رأيته واضحًا كوضوح النهار: ظلٌّ نورانيٌّ يهمس لي بأن الحقيقة تكمن بين هذه الجدران، كزهرةٍ تنمو في الظلام. لكنّ القاعة كانت خالية إلا من بضع شخصياتٍ منعزلة، يبدو أنهم يقرأون كتبًا تتحدث عن صمتِهم.
فجأة...
انبعث نورٌ خافتٌ من زاويةٍ بعيدة، كشمعةٍ تُنير نفسها بنفسها في عتمةِ الليل. اقتربتُ بخطواتٍ وئيدة، كأنني أتبع نداءً خفيًا، وإذ بكتابٍ قديمٍ موضوعٍ على رفٍّ منخفض، عنوانه الباهت يقول: "الجواهر". لم يكن موجودًا في زياراتي السابقة، كأنه ظهر من العدم، أو من عالمٍ آخر.
فتحتُ الصفحة الأولى، فإذا بها بيضاء كصحراءٍ نقية، لكن عندما مررت أصابعي على الورق، بدأت الكلمات تظهر كالوشم الخفي، تُرسم نفسها أمامي كأنها تنبض بالحياة:
"الحقيقة ليست في الكلمات، بل في الفراغات بينها، كما أن النجوم تتلألأ في الظلام، لا في النور."
سمعتُ صوت خطواتٍ خفيفة، فالتفتُ فإذا بظلٍّ يقترب مني، لم يكن رجلًا ولا امرأة، بل كيانًا من نورٍ يتشكل كتمثالٍ من بلورٍ شفاف. عرفته فورًا: إنه الطيف من حلمي، ذلك الظلُّ النورانيُّ الذي وعدني بلقاءٍ في هذا المكان.
"أخيرًا"، همستُ، كأنني ألتقي بعشيقٍ بعد فراقٍ طويل.
رفع "اليد" - إذا كان له يدٌ - وأشار إلى الكتاب. نظرتُ إليه مجددًا فوجدت كل الصفحات قد امتلأت بنصوصٍ لم أرها في حياتي، نصوصٌ تكتب نفسها أمام عينيّ، كأنها تنبع من قلب الكون.
"هل هذا... حقيقي؟" سألت، صوتي يترنح بين الشك واليقين.
لكن الضوء بدأ يخفت، والطيف يتباعد، كأن سحابةً عابرةً أخفت وجه القمر. أمسكتُ الكتاب بشدة، خائفًا من أن يختفي كالحلم، كأنني أمسك بذراعٍ من نورٍ ينسلُّ من بين أصابعي.
عندما فتحتُ عينيّ مجددًا، وجدتُ نفسي جالسًا على الكرسي ذاته، والكتاب بين يديّ. لكنّ عنوانه الآن واضحٌ كالصبح:
"الجواهر: مذكرات رجلٍ لم يوجد قط"
أغلقتُ الكتاب بابتسامةٍ خفيفة، كأنني أغلق بابًا على سرٍّ عظيم. لقد عرفتُ السرّ: المكتبة ليست مكانًا للبحث عن الحقيقة، بل هي الحقيقة نفسها، تنامُ بين الرفوف، تنتظر من يوقظها من سباتها العميق، لتروي له قصصًا لا تُروى إلا في المنام.
عبد السلام الزراع
قصور الساف(تونس)
17/09/2023
قصة قصيرة
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥
اليوم، يتأرجح السماء بين غيمةٍ رقيقةٍ ودفءٍ شمسيٍّ يُقبّل الظلَّ بلطف. حملتُ أوراقي المطمورة، وقلمي المُعطَّر بالحبر الأسود، وسرتُ كطفلٍ يتبع خيطًا من نورٍ يقوده إلى المكتبة، ذلك القصر الصامت الذي يضمُّ في أحشائه أسرار الوجود. كم من عمرٍ قضيتُ بين رفوفها، أتجوّل كمسافرٍ يبحث عن ماءٍ في صحراء الكلمات، وأنا أرى الزائرين يمشون كظلالٍ على جدرانٍ من صمتٍ عميق، حراسٌ للمعرفة، لا يعرفون أن الحقيقة سرابٌ يُغنّي للنائمين.
عند مدخل القاعة، وقفتُ كعاشقٍ ينتظر موعد لقاء، أمام مكتبٍ يبدو كحارسٍ على بوابةِ عالمٍ موازٍ. سلسلةٌ من الأسئلة تنهالُ عليّ كزخّة مطرٍ صيفي:
"بطاقة الهوية؟"
"ما الغرض من زيارتك؟"
"هل أنت عضوٌ منخرط؟"
ابتسمتُ في سرّي، هذه الأسئلة كأنها طقوسٌ قديمةٌ لعبورٍ إلى عالمٍ آخر، حيث لا تُسأل الروح عن اسمها. أعددتُ نفسي للإجابة، رغم أني أعلم أن إجاباتي لن ترضي ذلك الحارس الجالس خلف المكتب، ذاك الرجل الذي يبدو كأنه ابتلع كتابًا ثم تقيأه بغطرسةٍ تفوح منها رائحة الحبر القديم.
"ماذا تريد هنا؟" سألني بنظرةٍ متعالية، وهو يُدقّق في بطاقتي كمحققٍ يبحث عن جريمةٍ خفية.
"أريد أن أقرأ"، أجبتُ ببساطةٍ كأنني أقول: أريد أن أتنفس.
"طالع بهدوءٍ، ولا تُزعج أحدًا"، قالها وهو يدفع البطاقة نحوي، ثم عاد إلى تصفّح جريدته كأن الأمر لا يعنيه، وكأن الكلمات التي أبحث عنها لن تُغنيه عن صفحةٍ صفراء.
اندفعتُ إلى القاعة، كطفلٍ يدخل غابةً من القصص، عيناي تبحثان بين الطاولات عن ذلك "الطيف" الذي وعدني بلقائه في المنام. ليلة البارحة، رأيته واضحًا كوضوح النهار: ظلٌّ نورانيٌّ يهمس لي بأن الحقيقة تكمن بين هذه الجدران، كزهرةٍ تنمو في الظلام. لكنّ القاعة كانت خالية إلا من بضع شخصياتٍ منعزلة، يبدو أنهم يقرأون كتبًا تتحدث عن صمتِهم.
فجأة...
انبعث نورٌ خافتٌ من زاويةٍ بعيدة، كشمعةٍ تُنير نفسها بنفسها في عتمةِ الليل. اقتربتُ بخطواتٍ وئيدة، كأنني أتبع نداءً خفيًا، وإذ بكتابٍ قديمٍ موضوعٍ على رفٍّ منخفض، عنوانه الباهت يقول: "الجواهر". لم يكن موجودًا في زياراتي السابقة، كأنه ظهر من العدم، أو من عالمٍ آخر.
فتحتُ الصفحة الأولى، فإذا بها بيضاء كصحراءٍ نقية، لكن عندما مررت أصابعي على الورق، بدأت الكلمات تظهر كالوشم الخفي، تُرسم نفسها أمامي كأنها تنبض بالحياة:
"الحقيقة ليست في الكلمات، بل في الفراغات بينها، كما أن النجوم تتلألأ في الظلام، لا في النور."
سمعتُ صوت خطواتٍ خفيفة، فالتفتُ فإذا بظلٍّ يقترب مني، لم يكن رجلًا ولا امرأة، بل كيانًا من نورٍ يتشكل كتمثالٍ من بلورٍ شفاف. عرفته فورًا: إنه الطيف من حلمي، ذلك الظلُّ النورانيُّ الذي وعدني بلقاءٍ في هذا المكان.
"أخيرًا"، همستُ، كأنني ألتقي بعشيقٍ بعد فراقٍ طويل.
رفع "اليد" - إذا كان له يدٌ - وأشار إلى الكتاب. نظرتُ إليه مجددًا فوجدت كل الصفحات قد امتلأت بنصوصٍ لم أرها في حياتي، نصوصٌ تكتب نفسها أمام عينيّ، كأنها تنبع من قلب الكون.
"هل هذا... حقيقي؟" سألت، صوتي يترنح بين الشك واليقين.
لكن الضوء بدأ يخفت، والطيف يتباعد، كأن سحابةً عابرةً أخفت وجه القمر. أمسكتُ الكتاب بشدة، خائفًا من أن يختفي كالحلم، كأنني أمسك بذراعٍ من نورٍ ينسلُّ من بين أصابعي.
عندما فتحتُ عينيّ مجددًا، وجدتُ نفسي جالسًا على الكرسي ذاته، والكتاب بين يديّ. لكنّ عنوانه الآن واضحٌ كالصبح:
"الجواهر: مذكرات رجلٍ لم يوجد قط"
أغلقتُ الكتاب بابتسامةٍ خفيفة، كأنني أغلق بابًا على سرٍّ عظيم. لقد عرفتُ السرّ: المكتبة ليست مكانًا للبحث عن الحقيقة، بل هي الحقيقة نفسها، تنامُ بين الرفوف، تنتظر من يوقظها من سباتها العميق، لتروي له قصصًا لا تُروى إلا في المنام.
عبد السلام الزراع
قصور الساف(تونس)
17/09/2023
قصة قصيرة