العودة إلى خواطر
غربة مثقف

خاطرة

غربة مثقف

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع أخذتُ حقيبتي، وانطلقتُ بسيارتي في صباحٍ تَصَهّر فيه الأشياء، متّجهًا إلى السوق الأسبوعيّ الذي يقبع في أطراف المدينة. كان الحرّ يُقسّم النهار إلى رمادٍ متوهّج، وكأنّنا على عتبة خريفٍ يحمل وجهَ صيفٍ ما عاد يعرف الرحمة. لقد أطلّ علينا ذلك الصيف بما لم تطلّ به فصولُ أخرى، فتركنا

غربة مثقف
عبد السلام الزراع - ١٠/٠٩/٢٠٢٥

بقلم عبد السلام الزراع

أخذتُ حقيبتي، وانطلقتُ بسيارتي في صباحٍ تَصَهّر فيه الأشياء، متّجهًا إلى السوق الأسبوعيّ الذي يقبع في أطراف المدينة. كان الحرّ يُقسّم النهار إلى رمادٍ متوهّج، وكأنّنا على عتبة خريفٍ يحمل وجهَ صيفٍ ما عاد يعرف الرحمة. لقد أطلّ علينا ذلك الصيف بما لم تطلّ به فصولُ أخرى، فتركنا وفيًّا لذكرى لهبٍ لا يُنسى.

عند مدخل السوق، تَصَفّق البضائع المستعملة في وجوه المارّة، قادمةً من بلادٍ تغتال فيها الشمسُ بردَها. هناك تُعرَض أدواتُ المائدة إلى جانب مولدّاتٍ صامتة، كأنّها قلوبٌ أوروبيّةٌ نُزِعت من صدورها فأُلقيت على الرصيف. ثمّ أكشاكُ الملابس، تتكاثر كأحلامِ الناس في ليالٍ صيفيّة، أسعارُها تترنّح بين ثلاثين وخمسمئة دينار، في مشهدٍ يُذكّرك بأنّ للفقر ألوانًا لا تُحصى.

سرتُ حتى وقفتُ أمام بائعِ الكتب القديمة، تلك التي جُمِعت مع الثياب المستعملة، فصارت كأنّها أرواحٌ مُبعثرة تبحث عن جسدٍ آخر. كانت الكتبُ من كلّ لغةٍ ومن كلّ فنّ، لكنّها اجتمعت على خيبةٍ واحدة. أمسكتُ مجلّدًا ضخمًا، وسألتُ البائع عن ثمنه، فقال ببرودةٍ تُذكّرك بأنّ الكلامَ هنا لا يُكتب في سجلّ الحياة: «عشرون دينارًا». ثم أخذتُ كتابًا أصغر حجمًا، لكنّه أثقلُ من الجبل في معناه، فإنخفض السعرُ إلى ثمانية دنانير، وكأنّ الوزنَ هو الذي يُعيِّن القيمة، لا الروحُ التي في داخل الصفحات.

يا لهذه المدينة التي تُوزّع فيها الجهالةُ بالكيلو، وتُباعُ فيها المعرفةُ على الميزان! لا تستغرب إن رأيتَ جاهلًا يتربّع على كرسيّ المدينة، يُصدر الأوامر، ويُعيد رسمَ الخرائط، ويُعمّي الأبصار. وإذا ابتسمَ الجاهلُ في شارعنا، فانتظر قهقهةَ المريدين التي تلي ابتسامته، فالجهلُ هنا صناعةٌ رابحة، والعلمُ سلعةٌ كاسدة.

إنّ البائعَ لا يعرفُ اسمَ الكتاب الذي بين يديه، ولا يعرفُ أنّ فيه روحًا سكنتْ ذاتَ يومٍ في قلبِ قارئ. كلّ ما يعرفه أنّ المالَ هو الفيصل، وأنّ من يدفع أكثر يصبحُ صديقًا للحظةٍ تنتهي بانتهاء الصفقة. في مدينتي، تُقاسُ المعرفةُ بالدراهم، والمثقفُ مطرودٌ من أسواق الناس، صوتُه يُسكب في الرمال، ولا يُسمع له صدى.

آهٍ على عالِمٍ يعيشُ بين قطعانِ الجهل، جيرانه خِرفانٌ لا تعرفُ صوتَ الحكمة. صارَت الغربةُ طعامَ صباحه وشرابَ مسائه. وإذا مرّوا به قالوا: «مرّ بنا في هذا الممرّ شبحٌ يمشي كأنّه غزالٌ في ريعانِ الحزن، رأسُه يلامس السحاب، وقدماه تُشعلان في الأرض نارًا». ثم يهمسون: «ليتنا استظللنا بجناحه يومًا، في روضةٍ من ثلجِ الكلام وهجومِ القطعان».

ويمضي المثقفُ في دروبِ المدينة، كأنّه نبيٌّ مُتَحَيِّر، يحملُ في جيبه قصيدةً لم يكملها، وفي صدره سؤالاً لم يجِبْ عنه أحد. تلاحقه أصواتُ الباعةِ كأنّها نباحُ كِلابٍ ضالّة، ويلاحقه صمتُ الكتبِ المبعثرةِ كأنّها أشباحُ أصدقاء رحلوا دون وداع.

وفي كلّ ليلةٍ يعودُ إلى غرفته، فيُخرجُ من جيبه تلك الورقةَ التي لم يكملها، فيكتبُ عليها بخطٍّ يختنقُ بالعتمة: «إنّما نحنُ هنا غرباءُ عن غرباء، نبيعُ ما بقي من أرواحنا على أرصفةِ النسيان، فإن اشترى منّا أحدٌ شيئًا، ظنّ أنّه اقتنى كنزًا، وما كان الكنزُ إلا ظلَّ حلمٍ مرّ من هنا».

ويمضي الصباحُ، فيعودُ إلى السوق، يبحثُ بين أكوامِ الجهلِ عن كتابٍ يعرفُ اسمه، فيجدُه مُلقىً تحت صندوقِ «حذاء رياضيّ بسعرٍ مغري»، فيُمسكُ به كأنّه يُمسكُ طفلَه الضائع، يُنفضُ عنه غبارَ السخرية، ويعودُ به إلى بيته، فيضعه على الرفِّ إلى جانبِ أخوته الأشباح.

وتبقى المدينةُ تُعيدُ إنتاجِ جهلِها، كأنّها آلةُ طباعةٍ عملاقة، تطبعُ وجوهًا بلا عيون، وكتبًا بلا عناوين، وتُصدّرُ إلى العالم ضحكاتٍ مُعلَّبة، تُباعُ في الأسواقِ العالميّةِ بسعرٍ يُنافسُ فيه «المعرفة المستعملة».

وفي كلّ مساءٍ، يخرجُ المثقفُ إلى شرفته، فينظرُ إلى السماء، فيجدُها قد استُبدلتْ بلوحةٍ إعلانيّةٍ ضخمة، كُتب عليها: «الجهلُ صناعةٌ وطنيّة». فيهمسُ للريح: «يا ريح، إن مررتَ بمدينةٍ فيها كتابٌ يُقرأ، فأبلغهم أنّ في أقصى الجنوب مثقفًا ينتظرُ أن يُعادَ إليه اسمه».

ثم يدخلُ إلى غرفته، يُطفئُ النور، ويضعُ رأسه على وسادته، فيسمعُ صوتَ الكتبِ تُناجيه: «نمْ هانئًا، فأنتَ لم تُهزمْ بعد، ما دام في صدرك سؤالٌ لم يُقتلْ، وما دام في يديك قلمٌ لم يُكسرْ».

فتنامُ المدينةُ، وتبقى أضواؤها المزيّفةُ تُغازلُ الظلام، ويبقى المثقفُ وحيدًا، لكنّه في وحشته كلُّ الحضور، وفي صمته كلُّ الكلام.
قصة قصيرة