العودة إلى خواطر
اطفال ٱوديب

خاطرة

اطفال ٱوديب

تاريخ غير متوفر

اطفال ٱوديب
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥

بقلم عبد السلام الزراع
نزلت من السيارة شابة نحيفة القامة، شعرها البني متناثر على كتفيها كسحابة في فصل خريفي تبحث عن ملاذها. تقاطعت خصلتان من شعرها حول عينيها، فأزاحتهما بحركة رقيقة كأنها نفضت عن عينيها غبار الذاكرة لئلا يعكرا صفو تأملها في المشهد البحري الجميل. كانت الريح تُمارس هوايتها القديمة: تُرسل إلى أذنيها همسات مالحة كأنها تُذكّرها بميلادها من رحم الموج. نزل زوجها بدوره متجهاً نحو الباب الخلفي ليخرج كرة أطفال وبعض الأغراض المتعلقة بوجبة فطور. لحقهما طفلان، كلاهما لم يتجاوز الخامسة أو السادسة من العمر، نحيفي الجسم يشبهان قامة والدتهما. هرعا إلى البحر فرحين ودخلا الماء بثيابهما كما لو كانا ينزلقان تحت غطاء ماءٍ يُغنّي للصمت نشيداً أزليّاً.
التفت الأب، الذي لا يتجاوز طول قامته المتر والستين، خفيف الشعر من الجهة الأمامية للرأس، ويميل بكتلة جسمه إلى الجانب الأيسر عند وقوفه – عادة ورثها منذ الصغر على ما يبدو – وأشار إلى زوجته لتنزل المائدة البلاستيكية من السيارة. ردت عليه بعبوسة صغيرة تُخفي وراءها نزف الروح من ملامح وجهها تحمل امتعاضاً ودلالاً. كانت حركاتها بطيئة، تتلفت يمنة ويسرة وكأن المكان الذي ركنت فيه السيارة لم يُوقع في دواخلها أي شعور بالفرح. كانت ترتدي بنطالاً لاصقاً لجسمها كأنه يبرز بشرة سوداء لم تولد بها، ولّفت على خصرها لحافاً مزركش الألوان كأنها أرادت أن تُخفي عن الأفق سرّها الأخير: أنها امرأة ما زالت تُغازل فيها طفلة لم تُقصّر أجنحتها بعد، ووضعت على رأسها قبعة زرقاء داكنة. جذبت كرسياً بلاستيكياً من خلف السيارة، ووضعته أمام باب السائق، ثم جلست كأنها أرخت جسدها على مفترق طرق لا يؤدي أحدها منها إلى البيت، وأخرجت هاتفها الجوال من حقيبتها، وفتحته وبدأت تتصفح فيه، متجاهلة الغرض الذي جاؤوا من أجله، ألا وهو السباحة.
قال لها زوجها بصوت يُذلّل فيه الجرح ويُلطّف فيه الرجاء:
– ألا تريدين السباحة، عزيزتي؟
– لا، أريد أن أجلس هنا. اذهبا أنتما وتمتعا بالبحر، أنا سأبقى على الشاطئ.
لم يستوعب هذا الرد، فتوقف برهة كأنه أعاد ترتيب أوراق الذاكرة المبعثرة على رصيف اللسان، ثم أشار إلى طفليه بالذهاب، فاندفعوا جميعاً إلى الماء…
بقيت الأم منغمسة في هاتفها قرابة الساعة والنصف. خرج الزوج وحاول مجدداً التودد إليها لترافقه للسباحة. في البداية تلكأت، ثم أزاحت القبعة عن رأسها فاستسلمت خصلاتها للريح كأنها أطلقت أسراباً من الغربان البنية، ورافقته إلى الماء. أخذ بيدها وهو يلاطفها، متجنباً إثارة أي جدل قد يُخرج للناس ما يُخفيه القلب من جراح. بدأت تدخل الماء تدريجياً، كأن كل خطوة كانت تُفكّك عقدة من عقد الماضي. على بعد أمتار قليلة، بدأ الزوج يلاعبها وهي تتغنج، ثم حملها بين يديه كأنه أراد أن يُعيدها رضيعة تُولد من جديد بين أمواج البحر. كانت تصدر بين الحين والآخر صوتاً رقيقاً يشبه زقزقة عصفور استيقظ فجأة على غصن يُطلّ على بحر من الأسئلة، متجاهلة المحيط الذي حولها.
خرج الابن الأكبر من الماء وجلس على الكرسي الذي كانت تجلس عليه أمه، والتف بمنشفة وردية اللون. بدأت ملامح وجهه تتورد من لهيب الحسرة التي التهمت صدره الصغير كلما وقع بصره وسمع صوت أمه نتيجة مداعبات الأب. انتابته موجة من القلق، واغرورقت عيناه بالدموع، فأخفى وجهه في المنشفة كأنه أراد أن يُعيد كتابة العالم من داخله دون أن يراه أحد. بدا يشعر أن أمه تُنتزع منه كأنها صفحة من كتابه المفضّل تُقتلع بقسوة وهو عاجز عن تقديم العون لها. كانت بالنسبة له ملكه الخاص، لا يريد أن يتقاسمها مع أي كان، حتى لو كان الأب. تسرب الغضب إلى كيانه، يتمنى لو يصير مدّاً هائجاً يبتلع ذلك الأب ويُعيد أمه إلى شاطئه. ثم انتابته موجة من الشعور بالذنب، فأعاد إخفاء وجهه في المنشفة كأنه حبة سكر تذوب في التراب فتُصبح جزءاً من عطش الأرض. أشاح بوجهه نحو السماء، يتلقّى آخر خيوط النور قبل أن تغلق دونه أبواب الليل، متجاهلاً أن الحب في غالبه مغلّف بالأوجاع والآلام.
عاد والده رفقة أمه إلى السيارة، فالتفت إليهما وقال بصوت يحمل زهواً وكبرياء:
– هل البحر جميل؟
فلاذ الابن الأكبر بالصمت، يُقاتل في صدره طفلاً يبكي وشيخاً يعتذر أما الأم فراحت تنفش شعرها البني فجعلت منه ريشة ريح تُغنّي على إيقاع عودة الموج كأنها غزالة ترقص في موسم الحصاد.
قصة قصيرة