العودة إلى خواطر
استراحة في مقهى

خاطرة

استراحة في مقهى

تاريخ غير متوفر

مرآةُ المجتمعِ التونسيِّ أقلَّني الدربُ إلى مدينة المهدية، مُرافِقاً ابنتي إلى فَصلٍ امتحانيٍّ في قانون الطرقات، تلك البوابةُ الصغيرةُ نحو رخصة السياقة. استقرَّ بنا المقامُ أمام الإدارة الفنية بوزارة النقل في التاسعة وثلاث وخمسين دقيقة، قبل أن يهمَّ عقربُ الساعة بالإعلان عن العاشرة. تركتُها تتنفَّسُ عبيرَ

استراحة في مقهى
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥


مرآةُ المجتمعِ التونسيِّ

أقلَّني الدربُ إلى مدينة المهدية، مُرافِقاً ابنتي إلى فَصلٍ امتحانيٍّ في قانون الطرقات، تلك البوابةُ الصغيرةُ نحو رخصة السياقة. استقرَّ بنا المقامُ أمام الإدارة الفنية بوزارة النقل في التاسعة وثلاث وخمسين دقيقة، قبل أن يهمَّ عقربُ الساعة بالإعلان عن العاشرة. تركتُها تتنفَّسُ عبيرَ الترقُّب، وعبرتُ الشارعَ إلى مقهى «الدروب»، ذلك الملاذِ المُقابِل. استقررتُ على كرسيٍّ بلاستيكيٍّ، وطلبتُ قهوةً تُحيلُ صخبَ الانتظارِ إلى صمتٍ ناعم.

إنّ المقهى ليست رُقعةً لاحتساء القهوة، بل لوحةً تُجسِّدُ حكايةَ المجتمعِ التونسيِّ. تتداخلُ فيها الأجناسُ والطبقاتُ، تلتقي فيها الهوى والهوية، كأنّه بحرٌ صغيرٌ يُجسّدُ البحرَ الأبيضَ المتوسِّطَ على شاطئ المهدية.

عن يميني، شابّان في ربيع العشرين، يتصاعدُ من بين أصابعهما دخانٌ كـ «سُدَرِ الكلام»، وقد غاصا في هواتفهما كأنّهما في قعرِ بئرٍ رقميٍّ. حلاقةٌ كوريةٌ حديثة، وملابسُ عصريةٌ تُفصحُ عن شمسٍ غربيةٍ تسكنُ قلبيهما. هما من أبناء المهجر، يحملان في عينيهما وطناً مفقوداً، وفي روحيهما نكهةً من الغربة. كلٌ منهما يُمسكُ درعاً إلكترونياً يقيانه من وقعِ الواقع، أو جسراً يصله بثقافةٍ أخرى، فتتصارعُ في داخله هويتان: واحدةٌ تُصرخُ «أنا هنا»، وأخرى تُهمسُ «لكنّي هناك».

عن يساري، كهلٌ ومسنٌّ يتبادلان الحديثَ بصوتٍ مُنخفضٍ كأنّهما يُلقيان أسرارَ الماضي. أمامهما أوراقٌ تروي قصصَ سياراتٍ وإجراءاتَ إدارية. عيناهما تحملُ غيمةَ حنينٍ لمهاجرٍ عائدٍ لبرهةٍ. المقهى، إذن، ليس فقط مكاناً، بل ساحةُ لقاءٍ، حيث يلتقي المهاجرُ بالمحليِّ، والتقليديُّ بالحديث، في نسيجٍ اجتماعيٍّ يشبه السجادَ الشرقيَّ المتشابك.

جذبني النادل، قصيرُ القامة، في بنطالٍ أسودَ ضيّقٍ يُعيقُ خطاه، وقميصٍ أبيضَ يحتضنُ جسده. يتحركُ بخفّةٍ كأنّه يرقصُ على أنغامٍ صامتةٍ، لكنّ طابعَ الريفِ يتسلَّلُ من إيماءاته. يُصرِّفُ وجنتيه ابتسامةً دائمةً، ويُخفي تحتها صبراً طويلاً، كأنّه يُجسِّدُ حيرةَ البساطةِ حين تُقتحمُ سرعةَ المدينة.

في المقدّمة، شابٌّ وحيدٌ يغيبُ في عالمٍ موسيقيٍّ، سماعةٌ في أُذنيه كأنّها شراعٌ يُبحرُ به بعيداً. بجانبه، فتاةٌ في ثيابِ جينزٍ وقميصٍ، شعرُها مرفوعٌ بعنايةٍ، تجلسُ بثقةٍ تُجاهِلُ نظراتِ الآخرين، فابتسمتْ لوالدها المسنِّ، الذي يجلسُ مُنفرجَ الساقين، يُعطِّرُ الهواءَ بدخانِ سيجارته، ويُرشِّفُ قهوتَه ببطءِ عاشقٍ لِذِكرى. إلى جانبهما، شابٌّ عليه وشومٌ كأنّها حروفٌ من سيرةٍ مجهولة، قبعةٌ شابو على رأسه، وعينانِ تُرصِدان المكانَ بحذرٍ وذكاء. الفتاةُ، ببشرتها البيضاء، تتحركُ بحريةٍ، تُعلي خصلةً من شعرها بحركةٍ أنيقة، بينما يراقبُها الشابُ الأسمرُ بنظراتٍ حذِرة، كأنّه يقرأُ في دفترِ الأسئلةِ الاجتماعية. تتجلّى هنا مفارقةُ الأجيال: الوشومُ والقبعاتُ الحديثةُ، والسجائرُ التقليدية، في لوحةٍ تعكسُ تحوُّلَ المجتمعِ نحو العولمةِ بثوبٍ تونسيٍّ.

على الجانب الآخر، عائلةٌ تجمعُ شابّاً ملتحياً في الثلاثينيات، طفلاً صغيراً، فتاتين، وشابتين إحداهما شقراءُ والأخرى سمراءُ. شابٌّ آخرُ بنظاراتٍ شمسية، وجهُه مستطيلٌ وذقنُه صغيرة، كأنّما انقسم وجهُه إلى نصفين متقابلين. انضمَّت إليهم امرأةٌ كهلةٌ، يبدو أنّها الأمُّ، بينما تبدو الشقراءُ ذات ملامحَ أجنبية. هذه العائلةُ، بمزيجِها من الحجابِ واللحيةِ والشعرِ الذهبي، كأنّها رسالةٌ من المستقبلِ تُعلِن دمجَ التقاليدِ والحداثةِ في قالبٍ واحد.

عادت عيناي إلى طاولة الشابِّ ذي الوشم. وقف، توجّه إلى سيارته، وعادَ بعلبةِ سجائرٍ قدَّمها للمسنِّ. لاحظتُ أنّ جسدَه البدينَ من أسفل يتناقضُ مع خفّةِ حركته، بينما الفتاةُ الأجنبيةُ التي ترافقه، بملابسِها المُتبرِّجة وسجائرِها، تُضيفُ طبقةً جديدةً من التناقض. تصرّفُه يحملُ رائحةَ استرضاءٍ اجتماعي، بينما حُريّةُ مظهرِ الفتاةِ تنبضُ بعالمٍ آخر.

فجأة، أصبحت طاولةٌ على يساري شاغرة، فاحتلَّتها شابةٌ ببنطالِ جينزٍ ومريولٍ أحمرَ مطبوعٍ عليه «مقهى الماضي». أشعلتْ سيجارةً، وغرقتْ في هاتفها، وعلى ذراعِها لصيقةٌ تُفصحُ عن جرحٍ حديث. طلبتْ قهوةً إكسبريس، وبشرتُها السمراءُ ونظاراتُها تُكملان لوحةً صغيرةً من التحدّياتِ اليومية. كانت تُحدّثُ الهاتفَ طوال الوقت، كأنّ العالمَ الافتراضيَّ ملاذُها الوحيد. تبدو من طبقةِ العاملين في خدماتِ الناس، تحملُ في جرحِها ومريولِها قصصَ الكدِّ اليومي.

في تلك اللحظة، دخل زوجان: رجلٌ أجنبيٌّ بملامحَ أوروبية، وامرأةٌ سمراءُ ذاتُ ملامحَ عربية. جلسا على الجانب الأيمن، وطلبا شايًا باللوز. فجأة، اقتربت طفلةٌ سمراءُ لا يتجاوز عمرُها الخامسة، تتسوَّلُ ببراءةٍ طفولية. أعطاها الأجنبيُّ بعضَ النقود، فطلبتْ أن تُقبِّلَه، في مشهدٍ يمزجُ البراءةَ بالمأساة. تفاجأتُ من هذه الظاهرة، فالتسوّل، رغم منعه قانونًا، يبقى جرحًا نازفًا في جسد المجتمع. ثم ظهر رجلٌ مسنٌ يحملُ مظلةً وورقةً تدّعي الإعاقة، يتسوَّلُ بمظهرٍ لا يخلو من خداع. هؤلاء، بأساليبهم، يعكسون آلياتَ بقاءٍ في مجتمعٍ يعاني من التفاوت والتهميش.

الشابةُ ذاتُ المريولِ الأحمر، التي تجلسُ قربي، تصدَّقتْ ثلاثَ مرّات، تارةً بتردّدٍ وتارةً بسخاء. تصرّفاتُها تحملُ رحمةً ممزوجةً بالحذر، كأنّها تعرفُ قواعدَ هذه اللعبةِ الاجتماعية.

في هذا «المشهد»، تتجاذبُ الحياةُ أطرافَها: من شبابِ المهجر إلى العائلاتِ المختلطة، من التسوّل إلى الثقة، ومن التقاليد إلى الحداثة. كلُّ نظرةٍ تحكي صراعًا نفسيًا، كلُّ ابتسامةٍ تُعلن تكيّفًا أو تحديًا، في مدينةٍ تحتضنُ كلَّ الأمواجِ والتناقضات، كالبحرِ الذي لا يُقصي رملةً ولا يُكره رغوةً.

إنّ هذا المقهى ليس إلا مرآةً صافيةً تعكسُ نبضَ المجتمعِ التونسيِّ. فيه تتلاقى الهوياتُ، وتتصارعُ الثقافاتُ، وتتشابكُ القصصُ، في لوحةٍ واحدةٍ عنوانُها: تونسُ اليوم، بين الأمسِ والغد، بين الأصالةِ والتجديد، بين الحنينِ والأمل.
المهدية
عبد السلام الزراع
قصة قصيرة