العودة إلى خواطر
امرٱة تريد ان تتخلص من وجهها

خاطرة

امرٱة تريد ان تتخلص من وجهها

تاريخ غير متوفر

ذاتُ مساءٍ شتويٍّ، والشارعُ يغفو تحت غطاءٍ من الضباب، التقيتُ «ارتقاء» – لا أُسميها كما تُسمى، بل كما تُحسّ – في صالة عرضٍ لأثاثٍ فاخر. كانت تقف أمام طاولةٍ من خشب الجوز، يدهنها بريقُ المصابيح كأنها قمرٌ نزل للتوّ من سماء

امرٱة تريد ان تتخلص من وجهها
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع

ذاتُ مساءٍ شتويٍّ، والشارعُ يغفو تحت غطاءٍ من الضباب، التقيتُ «ارتقاء» – لا أُسميها كما تُسمى، بل كما تُحسّ – في صالة عرضٍ لأثاثٍ فاخر. كانت تقف أمام طاولةٍ من خشب الجوز، يدهنها بريقُ المصابيح كأنها قمرٌ نزل للتوّ من سماء الرغبات. عيناها، وهما تُقيمان في المرآة انعكاساً لامرأةٍ أخرى، لم تكن تبحث عن طاولةٍ، بل عن قطعةٍ من ذاتها كانت مفقودة منذ الطفولة.

1. الجذور: حيث يولد الفقرُ وجعاً قبل أن يولد فقراً
في قريتها البعيدة، كانت الطينُ يُغلّف أحلامهم، وكانت السماءُ لا تُمطر إلا قلّةً. كانت أمُّها تُخفي النقودَ في كيسٍ من القماش وتُعلّقه على مسمارٍ خلف الباب، كأنّها تُخفي سرّاً لا يجب أن يراه الجوع. ،(ارتقاء) الصغيرة، كانت تلمس الكيسَ سرّاً، تشعر بأنّ بداخله نبضاً يُشبه قلباً، يخفق كلما اقتربت. لم تكن تسرق، بل كانت تُعيد إلى يدها ما لم تكن يداها قد حملته قطّ.

اليوم، وقد صارت مهندسةً، لا تزال تلمسُ كيسَ النقودِ في داخلها، وتُخرج منه، كلّما خلا جيبُ روحها، شعوراً بالنقص.

2. السلوكيات القهرية: حين يُصبح الشراءُ صلاةً للهروب
دخلتُ منزلها فكان كمتحفٍ مضاءً بالكريستال. ثمة قطعُ أثاثٍ لم تُستخدم، وأوانٍ فضيةٌ لا يعرفها أحدٌ إلا من خلال وهجها. كانت تشتري كما لو أنّها تُعيد تجميع أجزاءٍ من طفولتها المبعثرة. كل قطعةٍ تُشبه حلماً لم يتحقق، فتشتريه لتُغلق داخله صوتَ الفقر.

أما هاتفُها، فقد تحوّل إلى كهفٍ إلكترونيٍّ تختبئ فيه من صوتِ قلبها. كانت تنشر صوراً لحياةٍ مثالية، بينما كانت في الغرفة المقابلة تُمسك بوسادةٍ وتبكي بصوتٍ منخفض، كأنّها تُراضي طفلتها الصغيرة التي لم تحصل على دميةٍ في عيدٍ من الأعياد.

3. الأمومة تحت الضغط: حين يصبح الطفلُ مرآةً للقلق
عندما كانت تُساعد ابنها على حلّ واجباته، كانت تُسأله بصوتٍ حادّ:

– لماذا لم تحفظ الدرس؟

ثم تُكمّل بصوتٍ أخفض، كأنها تُسأل نفسَها:

– لماذا أنا لا أستطيع أن أُحفظ لك درسَ الاطمئنان؟

كانت تقسو عليه كما كانت الحياة قاسيةً عليها، وتُقبّله بعدها كأنها تُقبّل طفولتها التي لم تُقبّل.

4. التظاهر بالغنى: حين يُصبح الثراءُ قناعاً لنقصٍ أعمق
خرجتْ ذاتَ يومٍ إلى سوقٍ شعبيّ، ومعها حقيبةٌ من ماركةٍ عالمية. نظرت إلى بائعةٍ عجوزٍ تبيع خضاراً، فتذكّرت أمّها وقد كانت تجلس في المكان نفسه. اقتربت من العجوز، اشترت حزمةً من البقدونس، ثم أخرجت نقوداً كأنها تُخرج دمعةً من جيبها. لم تكن تُنفق، بل كانت تُعيد دفع دينٍ قديمٍ لطفولتها.

5. الصراع الداخلي: بين النجوم والرمال
نجحتْ في عملها، لكنها كانت تُشعرُ دائماً أنّ النجاحَ كائنٌ مؤقتٌ سيغادرها كما غادرها الأمان. كانت تُلقي بنفسها في العمل كمن يُلقي بعصفورٍ في قفصٍ ذهبي، مؤمنةً أنّ القفصَ هو الحماية، لكنها كانت تنسى أنّ العصفورَ يريد أن يطير.

6. العزلة: حين يكون المنزلُ أكبرَ من صوت الضحك
كان منزلها واسعاً، لكنّ ضحكتها كانت صغيرةً، تضيع بين الجدران. كانت تُقيم حفلاتٍ فاخرةً، لكنها كانت تجلس في زاويةٍ بعيدة، تراقب الضيوف وكأنهم شخصياتٌ من روايةٍ لم تكتبها هي.

7. التوصيات: أن نُعيد بناء القصيدة لا نُصلح الأبيات
1. العلاج النفسي العميق: عليها أن ترى طفلتها الصغيرة في المرآة، وتُخبرها أنّ الفقر ليس عاراً، بل هو تربةٌ صلبةٌ جعلتها شجرةً قوية.
2. تعزيز الهوية الإيجابية: أن تكتب سيرتها، لا لتُخفي فقرها، بل لتُعلّمه أنّ من رفعتهم السماءَ لا تهوي بهم الذكريات.
3. إعادة صياغة العلاقة بالأمومة: أن تُعلّم أطفالها أنّ الحب لا يُقاس بالهدايا، بل بالحضور.
4. الدعم الاجتماعي: أن تنضم إلى مجموعةٍ نسائيةٍ تشاركها همومها، كي تكتشف أنّ وحدتها ليست سوى ظلّاً طويلاً لصوتٍ لم يُسمع.

الخلاصة: قصيدةٌ على هامش الحياة
(ارتقاء) لم تكن تبحث عن أثاثٍ أو ملابس، بل عن قطعةٍ من كينونتها التي فقدتها في طفولتها. كانت تُعيد تجميع نفسها، قطعةً قطعة، كأنها تُركّب لوحةً فسيفسائية من زجاجٍ مكسور.

العلاجُ الحقيقي ليس في تغيير ما تفعله، بل في أن تُدرك أنّ الفقرَ لم يكن نقصاً، بل مدرسةً، وأنّ الثراءَ الحقيقي ليس في ما نملأ به البيوت، بل في ما نملأ به القلوب.

حين تفهم ذلك، سترى طفلتها الصغيرة تجلس على عتبة الباب، تمسك دميةً قديمةً، وتبتسم لها ابتسامةً لم تكن لتعرفها لولا أنّها عادت لتُقبّل الجرحَ قبل أن يُقبّل الندم.

#######
كفاحُها الداخلي يَتَسَرَّب إلى يوميّاتها كما يتسرّب الماء إلى ثوبٍ باهت اللون: لا تلاحظه فجأةً، لكنك تجده قد بلّل كلّ شيء.

1. صباحٌ في المرآة: محاكمةٌ صامتة
كل فجرٍ تقف طويلاً أمام المرآة، لا لتتأمّل جمالها بل لتُعذّب نفسها بالسؤال:

«هل أبدو كأنني مُنتميةً إلى هذا العالم؟»

ثوبٌ تُقلّبه ذات اليمين وذات الشمال، قلادةٌ تُضبطها وتُعيد ضبطها، وعينان تبحثان عن عيبٍ قد يفضح أصلها الفقير.

فيكون انطلاق يومها مشدوداً كأوتار كمانٍ على وشك الانكسار.

2. فطورٌ صغيرٌ، حربٌ كبيرة
عند الطاولة تُسكب الحليب فتتوقف فجأةً: «كم كنتُ أتوق إلى هذا الكوب حين كنتُ صغيرةً».

فإمّا تُبالغ في الكرم فتلتهب الثلاجةُ بالأطعمة الفاخرة، أو تُقصّر فجأةً لأن «الأساسيّ يكفي».

الطفل يشرب والأم تُراقب عينيه بحثاً عن رضا لم تجده هي.

3. مكتبٌ مضاءٌ بمصابيح الأداء
في الاجتماعات تبتسم ابتسامةً مدروسةً، لكنها تُمسك قلماً بإحكام خوفاً من أن تهتز يدها إذا سُئلت عن إجازتها في في النزل الفاخر لم تحجزها بعد.

تُدوّن في هاتفها كلماتٍ جديدةً: «زارا – كاردان – »؛ ليست لذائقتها بل لذاكرتها الاجتماعية.

4. سلةُ تسوّقٍ تتنفّسُ ليلاً
الساعة الواحدة بعد منتصف الليل: تمرّر إصبعها على شاشةٍ مضيئةٍ، تضيف إلى عربة التسوق فستاناً لا مكان له في الخزانة.

إنها لا تشتري قطعةً قماش، بل تشتري لحظةً يغيب فيها صوت الطفلة التي كانت تقف خلف زجاج محلٍّ صغير.

5. واجباتٌ مدرسيةٌ، جراحٌ قديمة
الابن يخطئ في مسألةٍ بسيطة، فترتفع صوتها قبل أن تدرك: «أنت لا تفهم!» ثم تصمت، لأنها لم تكن تُعاتب الولد، بل تُعاتب طفلتها التي كانت تجلس في الصفّ الأوّل وقد قال لها المعلّم: «لن تصلي إلى ما تريدين».

6. أرصفةٌ، أكياسٌ، دموعٌ
في موقف السيارات، بين صفّين من السلع المستوردة، وضعت علبةَ شوكولاطة في سلّتها ثم أعادتها فجأةً.

السعر كان عادياً، لكن صوت «باهظٌ جداً» صدح في رأسها.

خرجت مسرعةً، وجلست في سيارتها تبكي على طفلةٍ لم تجرؤ يوماً على طلب .شوكولاطة

7. ليالٍ تُعاد كتابتها
عند الثالثة فجراً تستيقظ لتراجع قائمة المشتريات، وتُعدّل الميزانية، وتُعيد ترتيب الخزانة.

ليست خوفاً من الفقر المقبل، بل خوفاً من الفقر الذي لم يرحل أبداً.
كفاحُها ليس حدثاً عابراً، بل هو نسيجُ اليوم نفسه:
- في كوب القهوة الذي يُسكب زيادةً «لأنني أستطيع» ثم يُرمى نصفه.
- في الابتسامة المصطنعة أمام الجيران، والهاتف الذي لا يُغلق خوفاً من الصمت.
- في حضنٍ سريعٍ تعطيه للابن بعد صراخٍ مُدوٍّ، كأنها تعتذر لنفسها قبل أن تعتذر له.

إنها تُحسّن أداءها اليومي ببراعة، لكنها تنسى أنّ أعظم ما يُرهق الإنسان هو أن يعيش حياته كأنها مُسرحية لا يريد أحد أن يكتشف أن بطلتها ليست هي.

قصة قصيرة