العودة إلى خواطر
الطفولة المشوهة

خاطرة

الطفولة المشوهة

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع {{إهداء إلى كل طفل صرخَ فلم يُسمع}} تمهيد في زاويةٍ من هذا العالم، حيث تنامُ البسماتُ قبل الأطفال، يقفُ طفلٌ عمرُه عشرُ ربيعاتٍ لا يزيد. وجهٌ صغير، لكن عينيه تحملان سماءً من الأسئلة المحرَّمة. يحملُ في كفيه قلبًا يرتجفُ من غيابٍ أكبر من أن يُسمَّى غيابًا، ومن حضورٍ أقسى من أن يُسمّى حضورًا. هذا الطفل ليس قصيدةً تُكتب، بل هو قصيدةٌ مُمَزَّقةٌ تبحثُ عن مُؤَلِّفٍ يُعيد لها أنفاسها.

الطفولة المشوهة
عبد السلام الزراع - ٢٤/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع



{{إهداء إلى كل طفل صرخَ فلم يُسمع}}

تمهيد
في زاويةٍ من هذا العالم، حيث تنامُ البسماتُ قبل الأطفال، يقفُ طفلٌ عمرُه عشرُ ربيعاتٍ لا يزيد. وجهٌ صغير، لكن عينيه تحملان سماءً من الأسئلة المحرَّمة. يحملُ في كفيه قلبًا يرتجفُ من غيابٍ أكبر من أن يُسمَّى غيابًا، ومن حضورٍ أقسى من أن يُسمّى حضورًا. هذا الطفل ليس قصيدةً تُكتب، بل هو قصيدةٌ مُمَزَّقةٌ تبحثُ عن مُؤَلِّفٍ يُعيد لها أنفاسها.

ملامحٌ من ذاكرةٍ مُرعبة

1. الكلامُ كجرحٍ نازف
يثرثرُ الطفلُ كأن ثرثرته صرخةٌ مكتومة. يبني من الكلماتِ سورًا يقي به وجودَه من سؤالٍ أكبر منه: «هل أنا موجود؟». يحكي قصصًا لا يفهمها أحد، لأن أحدًا لم يفهمْه. في كل حكايةٍ يُخفي وجعًا لا يعرف اسمه، وفي كل صمتٍ يُخفي صرخةً لا تُسمع.

> «الكلامُ هنا ليس عبثًا، بل هو أداةُ نجاةٍ من صمتٍ قاتل».

2. الرفضُ الأبدي للكتابة
القلمُ في يده مُذنَّبٌ دائم. يراه شاهدَ عَيْنٍ على عقوباتٍ لا تنتهي، وعلى جُملٍ أُجبر أن يكتبها: «أنا متعبٌ من أمي». في كل خطٍّ يتذكّرُ صوتَ أمّه التي تقول: «اكتب.. اكتب.. لأني إن لم تكتبِ العقوبةُ أشد». فيصبحُ الكتابةُ سجنًا، والقلمُ حارسًا لا يرحم.

3. عنفٌ مُقدَّسٌ باسم «التربية»
الأمُّ تضربُ لتُعلِّم، وتصرخُ لتُنبِّه، وتُذلُّ لتُقوِّي. والطفلُ يتحوّلُ في كل لحظةٍ إلى كائنٍ أصغر من صغيره، يُمارسُ على نفسه ما يُمارَسُ عليه. يتحوّلُ الألمُ إلى لغةٍ يفهمها، فيصبحُ هو أيضًا عنيفًا، لأن العنفَ هو كل ما تعلّمه.

4. الجدةُ.. الحضنُ المُشوَّه
كانت الجدةُ أولَ من احتضنه، لكنّ حضنَها كانَ حارسًا قاسيًا. تقولُ له: «أنتَ لا شيء»، فيصدّق. تُلبسُه عباراتٍ ثقيلةً من شتمٍ وشتائم، فيكبرُ وهو يحملُها كأنها اسمُه.

5. الأبُ الغائبُ الحاضر
الأبُ رجلُ رقابة يحملُ قانونًا لا يحمي طفلًا. يأتيُ ليحكي له قصصًا عن البطولة، لكنها قصصٌ فارغةٌ من معنى الحماية. يُعلّمه أن يكون قويًا، لكنه لا يُعلّمه أن يكون إنسانًا.

أصلُ الداء

الأمُّ.. طفلةٌ مُتكسّرة
نشأت الأمُّ في بيتٍ فُقد فيه الأبُ باكرًا. تربّت على صوتٍ واحدٍ: «كوني قوية». فأصبحت قويةً حتى نسيت أن القوةَ قد تكونُ رحمةً. حملتْ كل خوفٍ في طفولتها، فأصبحت خوفًا تسقطه على ابنها.

الجدُّ.. صمتٌ مُنفجر
كان الجدُّ رجلًا صامتًا، لكن صمتَه كان صراخًا. يغضبُ من أتفه الأسباب، ويتركُ للزوجةِ زمامَ الأمور. في صمتهِ كانت تُقالُ أقسى العبارات. وفي صمتهِ أيضًا كانت تُولدُ العقدُ التي لا تموت.

تشخيصُ الجرح

الطفلُ ليس مجنونًا، بل هو أذكى من أن يُفهَم. يُسمّونه «ذكاءً فائقًا»، لكنهم لا يفهمون أن هذا الذكاءَ يجعلُه يرى أكثر مما يحتمل. يشعرُ بالمللِ في صفٍ لا يتحدثُ لغته، فيثرثرُ ليُثبتَ وجودَه. يرفضُ الكتابةَ لأنها تُذكّره بكل ما يريدُ أن ينساه.

> «الذكاءُ هنا ليس نعمة، بل لعنةٌ تراه أكبر من عمره».

كيف نُصلحُ ما انكسر؟

السؤالُ ليس: «من نُعالج؟ الأم أم الطفل؟»، بل هو: «كيف نُوقظُ ضمائرَ نائمة؟». الأمُّ لا تعترفُ بمرضها، والطفلُ لا يعرفُ أنه مريض. نحتاجُ إلى معجزةٍ تُعلّمُنا أن العنفَ ليس تربيةً، وأن الحبَ ليس ضعفًا.

خاتمةٌ مفتوحة

إذا أردنا أن نُنقذَ هذا الطفل، فلنبدأْ بإنقاذِ أنفسنا من أوهامِ القوة. لنعلّمَ أمهاتِنا أن الرحمةَ أقوى من الضرب، ولنعلّمَ آباءَنا أن الحضورَ أهمُ من البطولة. ولنعلّمَ أنفسنا أن الطفلَ ليس مشروعَ تصليح، بل هو مشروعُ حبٍ لا ينتهي.

> «في النهاية، لا يحتاجُ الطفلُ إلى من يُصلحه، بل إلى من يُحبّه كما هو: مُتكسّرًا، لكن بإمكانه أن يكون نورًا».

قصور الساف (تونس )
التحليل النفسي