خاطرة
الصياح العبثي
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع في سكون الليل، حيثُ يُسدلُ الظلامُ ستارهُ الحالك على الأفق، ويستريحُ الصمتُ كطفلٍ مُنهكٍ في حضنِ الليل، يخرقُ هذا الهدوءُ صرخةٌ لا معنى لها، كأنها همسُ شيطانٍ عجوزٍ يُحاولُ أن يُعيدَ إلى الوجودِ صدى ألمٍ قديم. إنها صرخةُ امرأةٍ تُحاولُ أن تُعلّمَ طفلها القراءة، وهي
الصياح العبثي
عبد السلام الزراع - ٢٨/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في سكون الليل، حيثُ يُسدلُ الظلامُ
ستارهُ الحالك على الأفق، ويستريحُ الصمتُ كطفلٍ مُنهكٍ في حضنِ الليل، يخرقُ هذا الهدوءُ صرخةٌ لا معنى لها، كأنها همسُ شيطانٍ عجوزٍ يُحاولُ أن يُعيدَ إلى الوجودِ صدى ألمٍ قديم. إنها صرخةُ امرأةٍ تُحاولُ أن تُعلّمَ طفلها القراءة، وهي التي لم تتعلمْ كيف تقرأَ وجهَ الله في ملامحِ طفلها، بل قرأتْ فيه انعكاسَ وجعِها، فظنّتْ أنّ العنفَ هو الحرفُ الأولُ في أبجديةِ الحب.
تجلسُ الأمُّ على مقعدٍ خشبيّ، كأنها عرشٌ لملكةٍ مجنونة، تُمسكُ بيدِ طفلها الصغير، كأنها تُمسكُ بزهرةٍ لم تتفتحْ بعد، فتُعصرُها حتى تذبلَ قبلَ أن ترى النور. تُعلّمهُ الحروفَ، وهي التي لم تتعلمْ كيف تكتبَ "أمّي" دون أن تُذرفَ دمعةً، فتُعلّمهُ أن يكتبَ "ألم" بدلاً منها. تُصرخُ فيه، كأنها تُنادي روحَها الضائعة، فتُصبحُ صرختُها نداءً لشيطانٍ لا يُرى، يُسكنُ في قلبِها، ويُغذّيها بالحقدِ والخوف.
الطفلُ، هذا اليتيمُ في حضنِ أمّه، ينظرُ إلى كتابِهِ المفتوحِ كأنهُ نافذةٌ إلى عالمٍ آخر، حيثُ لا توجدُ صرخاتٌ ولا دموع. يُحاولُ أن يقرأَ، لكن صوتَ الأمِّ يُعيقُ لسانه، فيُصبحُ الكلامُ في فمهِ مثلَ حصىً جارحٍ للحنجره. يُدركُ في قرارةِ نفسه أن هذه الأمَّ ليستْ أمّه، بل هي ظلٌّ لأمٍّ أخرى، تُحاولُ أن تُعيدَ ترتيبَ العالمِ وفقَ مزاجِها، فتُصبحُ طفولتُهُ كتاباً مُمزقاً، لا يُمكنُ قراءتُهُ دون أن تُراقَ دماءُ القلب.
في عيني الطفل، تُرى براءةٌ تُحاولُ أن تُقاومَ ظلامَ الأمّ، فيُصبحُ نظرُهُ كمصباحٍ صغيرٍ في ليلٍ طويل. يُحاولُ أن يفهمَ لماذا تُحبُّهُ أمهُ بالعنف، فيُصبحُ العنفُ لغتَهُ الأولى، والألمُ صديقَهُ الوحيد. يُدركُ أنهُ في عالمٍ حيثُ الحبُّ يُقاسُ بالصراخِ والضرب، فتُصبحُ روحُهُ كسفينةٍ بلا شراعٍ، تُبحرُ في بحرٍ من الدموع، تائهةً بينَ موجاتٍ من الغضبِ والخيبة.
يا ليتَ الأمَّ تعلمُ أن الطفلَ ليسَ دفترَ رسمٍ تُعيدُ فيه رسمَ وجعِها، بل هو قصيدةٌ لم تُكتبْ بعد، يجبُ أن تُتركَ لتُغنّيها الريحُ والمطر. يا ليتها تعلمُ أن الصراخَ لا يُعلّمُ الحروف، بل يُعلّمُ الخوف، وأن الضربَ لا يُقوّي الذاكرة، بل يُقوّي الألم. فالطفلُ الذي يتعلمُ القراءةَ تحتَ صراخٍ أمّه، يتعلمُ أيضاً كيف يقرأَ وجعَ الآخرين، فيُصبحُ كاتباً لقصصٍ مُظلمة، لا تُنهيها إلا دموعُ الأبرياء.
فيا أمّ، إن كنتِ تُحبّينَ طفلك، فتعلّمي كيف تُسكتينَ صراخَكِ، وتتركينَ للحبِّ أن يُعلّمَهُ القراءة. فالحبُّ هو الحرفُ الأولُ في أبجديةِ الحياة، والحنانُ هو الكلمةُ التي يجبُ أن تُكتبَ على جبينِ الطفل قبلَ أيّ حرفٍ آخر.
الطفولة
عبد السلام الزراع - ٢٨/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
في سكون الليل، حيثُ يُسدلُ الظلامُ
ستارهُ الحالك على الأفق، ويستريحُ الصمتُ كطفلٍ مُنهكٍ في حضنِ الليل، يخرقُ هذا الهدوءُ صرخةٌ لا معنى لها، كأنها همسُ شيطانٍ عجوزٍ يُحاولُ أن يُعيدَ إلى الوجودِ صدى ألمٍ قديم. إنها صرخةُ امرأةٍ تُحاولُ أن تُعلّمَ طفلها القراءة، وهي التي لم تتعلمْ كيف تقرأَ وجهَ الله في ملامحِ طفلها، بل قرأتْ فيه انعكاسَ وجعِها، فظنّتْ أنّ العنفَ هو الحرفُ الأولُ في أبجديةِ الحب.
تجلسُ الأمُّ على مقعدٍ خشبيّ، كأنها عرشٌ لملكةٍ مجنونة، تُمسكُ بيدِ طفلها الصغير، كأنها تُمسكُ بزهرةٍ لم تتفتحْ بعد، فتُعصرُها حتى تذبلَ قبلَ أن ترى النور. تُعلّمهُ الحروفَ، وهي التي لم تتعلمْ كيف تكتبَ "أمّي" دون أن تُذرفَ دمعةً، فتُعلّمهُ أن يكتبَ "ألم" بدلاً منها. تُصرخُ فيه، كأنها تُنادي روحَها الضائعة، فتُصبحُ صرختُها نداءً لشيطانٍ لا يُرى، يُسكنُ في قلبِها، ويُغذّيها بالحقدِ والخوف.
الطفلُ، هذا اليتيمُ في حضنِ أمّه، ينظرُ إلى كتابِهِ المفتوحِ كأنهُ نافذةٌ إلى عالمٍ آخر، حيثُ لا توجدُ صرخاتٌ ولا دموع. يُحاولُ أن يقرأَ، لكن صوتَ الأمِّ يُعيقُ لسانه، فيُصبحُ الكلامُ في فمهِ مثلَ حصىً جارحٍ للحنجره. يُدركُ في قرارةِ نفسه أن هذه الأمَّ ليستْ أمّه، بل هي ظلٌّ لأمٍّ أخرى، تُحاولُ أن تُعيدَ ترتيبَ العالمِ وفقَ مزاجِها، فتُصبحُ طفولتُهُ كتاباً مُمزقاً، لا يُمكنُ قراءتُهُ دون أن تُراقَ دماءُ القلب.
في عيني الطفل، تُرى براءةٌ تُحاولُ أن تُقاومَ ظلامَ الأمّ، فيُصبحُ نظرُهُ كمصباحٍ صغيرٍ في ليلٍ طويل. يُحاولُ أن يفهمَ لماذا تُحبُّهُ أمهُ بالعنف، فيُصبحُ العنفُ لغتَهُ الأولى، والألمُ صديقَهُ الوحيد. يُدركُ أنهُ في عالمٍ حيثُ الحبُّ يُقاسُ بالصراخِ والضرب، فتُصبحُ روحُهُ كسفينةٍ بلا شراعٍ، تُبحرُ في بحرٍ من الدموع، تائهةً بينَ موجاتٍ من الغضبِ والخيبة.
يا ليتَ الأمَّ تعلمُ أن الطفلَ ليسَ دفترَ رسمٍ تُعيدُ فيه رسمَ وجعِها، بل هو قصيدةٌ لم تُكتبْ بعد، يجبُ أن تُتركَ لتُغنّيها الريحُ والمطر. يا ليتها تعلمُ أن الصراخَ لا يُعلّمُ الحروف، بل يُعلّمُ الخوف، وأن الضربَ لا يُقوّي الذاكرة، بل يُقوّي الألم. فالطفلُ الذي يتعلمُ القراءةَ تحتَ صراخٍ أمّه، يتعلمُ أيضاً كيف يقرأَ وجعَ الآخرين، فيُصبحُ كاتباً لقصصٍ مُظلمة، لا تُنهيها إلا دموعُ الأبرياء.
فيا أمّ، إن كنتِ تُحبّينَ طفلك، فتعلّمي كيف تُسكتينَ صراخَكِ، وتتركينَ للحبِّ أن يُعلّمَهُ القراءة. فالحبُّ هو الحرفُ الأولُ في أبجديةِ الحياة، والحنانُ هو الكلمةُ التي يجبُ أن تُكتبَ على جبينِ الطفل قبلَ أيّ حرفٍ آخر.
الطفولة