خاطرة
الصراع الثقافي
تاريخ غير متوفر
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥ بقلم عبد السلام الزراع {{ مرآة الاخر لا تعكس حقيقة وجهك }} في ذلك الخميس، الذي لا يختلف عن سواه، سارعتُ برفقة زوجتي إلى شاطئ «الجول» كأنّ البحر نادانا بلسانٍ خفيٍّ نعرفه منذ الطفولة. استقرّت عيوننا على ربوةٍ عليا تشرف على الموج، فألقينا بأجسادنا على الرمل، والظلّ يُعانق
الصراع الثقافي
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
{{ مرآة الاخر لا تعكس حقيقة وجهك }}
في ذلك الخميس، الذي لا يختلف عن سواه، سارعتُ برفقة زوجتي إلى شاطئ «الجول» كأنّ البحر نادانا بلسانٍ خفيٍّ نعرفه منذ الطفولة. استقرّت عيوننا على ربوةٍ عليا تشرف على الموج، فألقينا بأجسادنا على الرمل، والظلّ يُعانق أكتافنا، والرذاذ البعيد يُغنّي بين أصابعنا.
فجأةً، تسللت إلى المشهد امرأةٌ أجنبيّة، كأنّها وردةٌ تائهة من أوروبا، تسابق الريح بخطوها، وتُنادي بصوتٍ يتكسّر على حافة الدهشة: «Papa!» انقلبت عينانا نحو المنبع، فرأينا رجلاً في عُمر الزهر، يمسك قُبضةً من المستقبل بين يديه: طفلٌ صغير، ما يزال يحمل رائحة الحليب والحفّاض، مرتدٍ مريولاً أبيض كأنّه غيمةٌ تعلّقت بكتفيه. كان الرجل واقفاً على حافة اليمّ، تغمر موجاتُه قدميه، كأنّه يختبر حدود المسافة بين الأمان والمخاطرة.
على بُعد خطوات، كانت جدّة الطفل – أو هكذا بدا لاحقاً – جاثمةً على رملٍ دافئ، تُداعب الماء بأطراف أصابعها، كأنّها تستعيد طفولتها في كلّ رشّةٍ تلامس كفّها. اقتربت الأم الأجنبيّة، وقد خفت صوتُها حتى صار همساً يُذكي الغضب. أدركتُ حينها أنّ الخطر الذي تُخشاه ليس في الأمواج، بل في بُعدٍ ثقافيٍّ يُفصل بين قلبين يقيمان تحت سقفٍ واحد.
كان الرجل – ويبدو أنّه من أبناء البلدة ، يتأمّل المشهد بصمتٍ عميق، كأنّه يتعلّم لغةً جديدة من الماء والضوء. لكنّ الزوجة، وقد احترق قلبها خوفاً، مدّت يدها كالبرق، فخطفت الطفل من بين أصابعه، وسحبته إلى الوراء، كأنّها تُنقذه من قصّةٍ لم تُكتمل بعد. بكى الطفل، وامتدّت أنينه كأنغامٍ حزينة على أوتار الريح، وهو يمدّ يديه نحو أبيه الذي ظلّ واقفاً، صامتاً، كأنّه يرتب أوراق الذكرى قبل أن يُعلن الحرب أو السلام.
حاولت الجدّة أن تُذكّر الجميع بأنّ البيت أرحم من الشاطئ، لكنّ كلماتها ذابت في الهواء، كأنّها لم تُقل. ظلّت الأم تُبعد الطفل، والطفل يُعيدها إلى نقطة البداية، والأب يُنصت إلى صوت الموج أكثر ممّا ينصت إلى صراخ الطفل، والجدة تُراجع طفولتها بين رشّات الماء.
وبعد لحظاتٍ، عادت الأم إلى نفس المكان، وقد احمرّت عيناها غضباً، والطفل يجرجر خطواته كأنّه يجرّ وراءه قطعةً من قلبه. أما الأب، فقد انتظر حتى انتهت والدته من عناق الموج، ثم رافقها إلى اليسار، حيث بيوت الإيجار المؤقّتة، ولا سيّارة تنتظرهم سوى أقدامهم التي تعرف طريق العودة.
في حنايا هذا المشهد، تتجلّى حكايةٌ أكبر من لحظةٍ على شاطئ: هي حكايةُ حبٍّ يحاول أن يتعلّم لغةً جديدة، وقلقٍ يبحث عن جسرٍ بين ضفّتين، وطفلٍ يقف في الوسط، يحمل في عينيه براءةً قد تُصبح يوماً ذاكرةً للموجة التي لم تجرؤ على ابتلاع أولى خطاه.
قصة قصيرة
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع
{{ مرآة الاخر لا تعكس حقيقة وجهك }}
في ذلك الخميس، الذي لا يختلف عن سواه، سارعتُ برفقة زوجتي إلى شاطئ «الجول» كأنّ البحر نادانا بلسانٍ خفيٍّ نعرفه منذ الطفولة. استقرّت عيوننا على ربوةٍ عليا تشرف على الموج، فألقينا بأجسادنا على الرمل، والظلّ يُعانق أكتافنا، والرذاذ البعيد يُغنّي بين أصابعنا.
فجأةً، تسللت إلى المشهد امرأةٌ أجنبيّة، كأنّها وردةٌ تائهة من أوروبا، تسابق الريح بخطوها، وتُنادي بصوتٍ يتكسّر على حافة الدهشة: «Papa!» انقلبت عينانا نحو المنبع، فرأينا رجلاً في عُمر الزهر، يمسك قُبضةً من المستقبل بين يديه: طفلٌ صغير، ما يزال يحمل رائحة الحليب والحفّاض، مرتدٍ مريولاً أبيض كأنّه غيمةٌ تعلّقت بكتفيه. كان الرجل واقفاً على حافة اليمّ، تغمر موجاتُه قدميه، كأنّه يختبر حدود المسافة بين الأمان والمخاطرة.
على بُعد خطوات، كانت جدّة الطفل – أو هكذا بدا لاحقاً – جاثمةً على رملٍ دافئ، تُداعب الماء بأطراف أصابعها، كأنّها تستعيد طفولتها في كلّ رشّةٍ تلامس كفّها. اقتربت الأم الأجنبيّة، وقد خفت صوتُها حتى صار همساً يُذكي الغضب. أدركتُ حينها أنّ الخطر الذي تُخشاه ليس في الأمواج، بل في بُعدٍ ثقافيٍّ يُفصل بين قلبين يقيمان تحت سقفٍ واحد.
كان الرجل – ويبدو أنّه من أبناء البلدة ، يتأمّل المشهد بصمتٍ عميق، كأنّه يتعلّم لغةً جديدة من الماء والضوء. لكنّ الزوجة، وقد احترق قلبها خوفاً، مدّت يدها كالبرق، فخطفت الطفل من بين أصابعه، وسحبته إلى الوراء، كأنّها تُنقذه من قصّةٍ لم تُكتمل بعد. بكى الطفل، وامتدّت أنينه كأنغامٍ حزينة على أوتار الريح، وهو يمدّ يديه نحو أبيه الذي ظلّ واقفاً، صامتاً، كأنّه يرتب أوراق الذكرى قبل أن يُعلن الحرب أو السلام.
حاولت الجدّة أن تُذكّر الجميع بأنّ البيت أرحم من الشاطئ، لكنّ كلماتها ذابت في الهواء، كأنّها لم تُقل. ظلّت الأم تُبعد الطفل، والطفل يُعيدها إلى نقطة البداية، والأب يُنصت إلى صوت الموج أكثر ممّا ينصت إلى صراخ الطفل، والجدة تُراجع طفولتها بين رشّات الماء.
وبعد لحظاتٍ، عادت الأم إلى نفس المكان، وقد احمرّت عيناها غضباً، والطفل يجرجر خطواته كأنّه يجرّ وراءه قطعةً من قلبه. أما الأب، فقد انتظر حتى انتهت والدته من عناق الموج، ثم رافقها إلى اليسار، حيث بيوت الإيجار المؤقّتة، ولا سيّارة تنتظرهم سوى أقدامهم التي تعرف طريق العودة.
في حنايا هذا المشهد، تتجلّى حكايةٌ أكبر من لحظةٍ على شاطئ: هي حكايةُ حبٍّ يحاول أن يتعلّم لغةً جديدة، وقلقٍ يبحث عن جسرٍ بين ضفّتين، وطفلٍ يقف في الوسط، يحمل في عينيه براءةً قد تُصبح يوماً ذاكرةً للموجة التي لم تجرؤ على ابتلاع أولى خطاه.
قصة قصيرة