خاطرة
الشك
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع سامية فتاةٌ في مطلع العمرِ، كأيِّ فتاةٍ تُسافرُ عيناها إلى آفاقٍ بعيدةٍ يصنعها الخيالُ وتُداعبها الريحُ. تبدو، في بعض الأحيان، مُفرِطةَ الطلبِ، لا لعلوٍّ في الطموحِ، بل لعُمقٍ في الرغباتِ الشخصيّةِ التي تَستلُّ نفسَها من ظلالِ الماضيِ القريب.
الشك
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥
الشك
بقلم عبد السلام الزراع
سامية فتاةٌ في مطلع العمرِ، كأيِّ فتاةٍ تُسافرُ عيناها إلى آفاقٍ بعيدةٍ يصنعها الخيالُ وتُداعبها الريحُ. تبدو، في بعض الأحيان، مُفرِطةَ الطلبِ، لا لعلوٍّ في الطموحِ، بل لعُمقٍ في الرغباتِ الشخصيّةِ التي تَستلُّ نفسَها من ظلالِ الماضيِ القريب.
في العامِ المنصرمِ، قَدِمَ شابٌّ يعرفها وقد أعجب بها، من عائلةٍ متواضعةٍ قريبةٍ من طبقتها الاجتماعيّةِ. توسّطت زوجةُ أخيهِ لإتمامِ الزواجِ، فقالتْ «نعم»، لكنّها قالتْها مُرغمةً، كأنّها تُلقي بكلمتِها على مذبحِ الظروفِ النفسيّةِ والموضوعيّةِ التي أحاطتْ بها. فقد تعدّتْ السنَّ الافتراضيّةَ للزواجِ في مجتمعِها، وخاضتْ عِدّةَ علاقاتٍ عاطفيّةٍ سابقةٍ انطفأتْ كلُّها، فتكاثرَ الضغطُ الأسريُّ عليها، خصوصًا ليفسحَ المجالَ لأختِها الصغرى، منال، كي تُفكّرَ في مستقبلِها.
تلعبُ الأوضاعُ الأسريةُ دورَ قدرٍ متجدّدٍ في حياتِها. فالأمُّ، بعينين تُغلقُ واحدةً على الدموعِ والأخرى على الحساباتِ، تحملُ وحيدةً أعباءَ البيتِ بعد أن أصابَ الأبَ وَعْكةٌ صحيّةٌ أجبرتْه على عمليّةٍ جراحيّةٍ في القلبِ، فصارَ كالساعةِ التي تتوقّفُ عند منتصفِ النهارِ، لا تُجيدُ إعلانَ الوقتِ ولا تستطيعُ حملَ المزيدَ من الهمومِ. أمّا متطلّباتُ الزواجِ الماديّةُ فقد صارتْ جبالًا من الأرقامِ تُلقي بظلالِها الثقيلةِ على كاهلِ الأسرةِ، فتضاعفَ الضغطُ النفسيُّ.
عندما نضعُ سامية بجانبِ أختِها منال، نراها كنجمتين في سماءٍ واحدةٍ: إحداهما ساطعةٌ مستريحةٌ، والأخرى مُتوترةٌ تراقبُ الظلامَ خلفَ كلِّ وميضٍ. فسامية تتّسمُ بقلقٍ يُسقِطُ على كلِّ لحظةٍ رذاذَ الشكِّ والريبةِ، فتُصبحُ علاقاتُها الاجتماعيّةُ كأوتارِ عودٍ مُشدودةٍ لا تُطربُ ولا تهدأ. إنّها شخصيّةٌ بارانويّةٌ حسّاسةٌ، تُديرُ وجهَها إلى الداخلِ خوفًا من خنجرٍ قد لا يكونُ موجودًا. بدأتْ علاماتُها تلوحُ منذ دخولِها الادارة موظّفةً؛ فكانت ترى في كلِّ ابتسامةٍ دسيسةً، وفي كلِّ تغييرٍ لجدولِ العملِ مؤامرةً. كانت تُعيدُ تأويلَ المُجرّداتِ اليوميّةِ، فتُعلي من شأنِ تفاصيلَ بسيطةٍ كأنها مفاتيحُ أبوابٍ موصدةٍ. وكان غرورُها واعتدادُها بالنفسِ يُنغّصانِ عليها صفوَ الحياةِ، فتُقصي زملاءَها، وتُرهقُ أمّها التي صارتْ تراها عبئًا ثقيلاً.
ظننتُ، وربما ظنّ غيري، أن الزواجَ قد يُحوّلُ تربةَ شخصيتِها إلى خضرةٍ نديةٍ، لكنّ الأمورَ تفاقمتْ. فزوجُها، رغم إذعانهِ لمعظمِ طلباتِها، حتّى تلك التي تتجاوزُ الواقعَ الاقتصاديَّ المريرَ، لم يستطعْ أن يُوقفَ تدفّقَ المالِ من يدِها كأنّه ماءٌ يتسربُ من إبريقٍ مثقوبٍ. ولم تُبالِ بشكواه أو بتوسّلاتِه، فازدادَ التوتّرُ يشعُّ في أركانِ البيتِ.
ومن مشاهدِ زواجِها البارزةِ، طلبُها من زوجِها أن يُوفّرَ سيارةَ ليموزينَ لتقلّها إلى قاعةِ الأفراحِ. في تلك السيارةِ السوداءَ الطويلةَ، كانت نوباتُ القلقِ تُراوغُها، فتُمسكُ بيدِ قريبتها وتُلحُّ: «لا تتركيني وحيدةً»، رغم أن زوجَها كان إلى جانبِها. وفي القاعةِ، كانت تلتصقُ بقريبتها كظلِّها، تُحسُّ بنظراتٍ تُخترقُها، فتُعلنُ أنّ الجميعَ يتأمّلُها بريبةٍ.
قبل الزواجِ، أعدّتْ سامية أوراقَها للسفرِ إلى الخارج. تقدّمتْ بطلبِ إجازةٍ غيرِ مدفوعةِ الأجرِ، احتياطًا لأيِّ فشلٍ محتملٍ. ثمّ، بعد أن ظنّتْ أنّها استحوذتْ على زوجِها استحواذًا تامًّا، تغيّرتْ رؤاها، وباتتْ ترى أنّ مستقبلَهما محفورٌ في صخرِ اليقينِ. وهذا اليقينُ كان سرابًا؛ فلا أحدَ يستطيعُ أن يضمنَ استقرارَ قلبٍ، مهما بدتْ خطاه ثابتةً.
وفي لحظةِ اختيارٍ حاسمةٍ، قدّمتْ استقالتَها من الادارة، متجاهلةً نصيحةَ زميلتها التي رأتْ في المستقبلِ ما لم ترَه سامية. كان قرارُها اندفاعًا عاطفيًا، كأنّها تُلقي بسنواتِها في بئرٍ عميقةٍ. أمّا الآن، فهي تقبعُ في فراغٍ نفسيٍّ ووقتيٍّ شديدٍ، يتوسّعُ كبركةِ ماءٍ راكدةٍ. وفي آخرِ مكالمةٍ مع أمِّها، تسلّلَ القلقُ من صوتِ الأمِّ كضبابٍ: «أخافُ عليكِ، يا سامية، من عتمةِ ما في داخلك».
عبد السلام الزراع - ٠٣/٠٩/٢٠٢٥
الشك
بقلم عبد السلام الزراع
سامية فتاةٌ في مطلع العمرِ، كأيِّ فتاةٍ تُسافرُ عيناها إلى آفاقٍ بعيدةٍ يصنعها الخيالُ وتُداعبها الريحُ. تبدو، في بعض الأحيان، مُفرِطةَ الطلبِ، لا لعلوٍّ في الطموحِ، بل لعُمقٍ في الرغباتِ الشخصيّةِ التي تَستلُّ نفسَها من ظلالِ الماضيِ القريب.
في العامِ المنصرمِ، قَدِمَ شابٌّ يعرفها وقد أعجب بها، من عائلةٍ متواضعةٍ قريبةٍ من طبقتها الاجتماعيّةِ. توسّطت زوجةُ أخيهِ لإتمامِ الزواجِ، فقالتْ «نعم»، لكنّها قالتْها مُرغمةً، كأنّها تُلقي بكلمتِها على مذبحِ الظروفِ النفسيّةِ والموضوعيّةِ التي أحاطتْ بها. فقد تعدّتْ السنَّ الافتراضيّةَ للزواجِ في مجتمعِها، وخاضتْ عِدّةَ علاقاتٍ عاطفيّةٍ سابقةٍ انطفأتْ كلُّها، فتكاثرَ الضغطُ الأسريُّ عليها، خصوصًا ليفسحَ المجالَ لأختِها الصغرى، منال، كي تُفكّرَ في مستقبلِها.
تلعبُ الأوضاعُ الأسريةُ دورَ قدرٍ متجدّدٍ في حياتِها. فالأمُّ، بعينين تُغلقُ واحدةً على الدموعِ والأخرى على الحساباتِ، تحملُ وحيدةً أعباءَ البيتِ بعد أن أصابَ الأبَ وَعْكةٌ صحيّةٌ أجبرتْه على عمليّةٍ جراحيّةٍ في القلبِ، فصارَ كالساعةِ التي تتوقّفُ عند منتصفِ النهارِ، لا تُجيدُ إعلانَ الوقتِ ولا تستطيعُ حملَ المزيدَ من الهمومِ. أمّا متطلّباتُ الزواجِ الماديّةُ فقد صارتْ جبالًا من الأرقامِ تُلقي بظلالِها الثقيلةِ على كاهلِ الأسرةِ، فتضاعفَ الضغطُ النفسيُّ.
عندما نضعُ سامية بجانبِ أختِها منال، نراها كنجمتين في سماءٍ واحدةٍ: إحداهما ساطعةٌ مستريحةٌ، والأخرى مُتوترةٌ تراقبُ الظلامَ خلفَ كلِّ وميضٍ. فسامية تتّسمُ بقلقٍ يُسقِطُ على كلِّ لحظةٍ رذاذَ الشكِّ والريبةِ، فتُصبحُ علاقاتُها الاجتماعيّةُ كأوتارِ عودٍ مُشدودةٍ لا تُطربُ ولا تهدأ. إنّها شخصيّةٌ بارانويّةٌ حسّاسةٌ، تُديرُ وجهَها إلى الداخلِ خوفًا من خنجرٍ قد لا يكونُ موجودًا. بدأتْ علاماتُها تلوحُ منذ دخولِها الادارة موظّفةً؛ فكانت ترى في كلِّ ابتسامةٍ دسيسةً، وفي كلِّ تغييرٍ لجدولِ العملِ مؤامرةً. كانت تُعيدُ تأويلَ المُجرّداتِ اليوميّةِ، فتُعلي من شأنِ تفاصيلَ بسيطةٍ كأنها مفاتيحُ أبوابٍ موصدةٍ. وكان غرورُها واعتدادُها بالنفسِ يُنغّصانِ عليها صفوَ الحياةِ، فتُقصي زملاءَها، وتُرهقُ أمّها التي صارتْ تراها عبئًا ثقيلاً.
ظننتُ، وربما ظنّ غيري، أن الزواجَ قد يُحوّلُ تربةَ شخصيتِها إلى خضرةٍ نديةٍ، لكنّ الأمورَ تفاقمتْ. فزوجُها، رغم إذعانهِ لمعظمِ طلباتِها، حتّى تلك التي تتجاوزُ الواقعَ الاقتصاديَّ المريرَ، لم يستطعْ أن يُوقفَ تدفّقَ المالِ من يدِها كأنّه ماءٌ يتسربُ من إبريقٍ مثقوبٍ. ولم تُبالِ بشكواه أو بتوسّلاتِه، فازدادَ التوتّرُ يشعُّ في أركانِ البيتِ.
ومن مشاهدِ زواجِها البارزةِ، طلبُها من زوجِها أن يُوفّرَ سيارةَ ليموزينَ لتقلّها إلى قاعةِ الأفراحِ. في تلك السيارةِ السوداءَ الطويلةَ، كانت نوباتُ القلقِ تُراوغُها، فتُمسكُ بيدِ قريبتها وتُلحُّ: «لا تتركيني وحيدةً»، رغم أن زوجَها كان إلى جانبِها. وفي القاعةِ، كانت تلتصقُ بقريبتها كظلِّها، تُحسُّ بنظراتٍ تُخترقُها، فتُعلنُ أنّ الجميعَ يتأمّلُها بريبةٍ.
قبل الزواجِ، أعدّتْ سامية أوراقَها للسفرِ إلى الخارج. تقدّمتْ بطلبِ إجازةٍ غيرِ مدفوعةِ الأجرِ، احتياطًا لأيِّ فشلٍ محتملٍ. ثمّ، بعد أن ظنّتْ أنّها استحوذتْ على زوجِها استحواذًا تامًّا، تغيّرتْ رؤاها، وباتتْ ترى أنّ مستقبلَهما محفورٌ في صخرِ اليقينِ. وهذا اليقينُ كان سرابًا؛ فلا أحدَ يستطيعُ أن يضمنَ استقرارَ قلبٍ، مهما بدتْ خطاه ثابتةً.
وفي لحظةِ اختيارٍ حاسمةٍ، قدّمتْ استقالتَها من الادارة، متجاهلةً نصيحةَ زميلتها التي رأتْ في المستقبلِ ما لم ترَه سامية. كان قرارُها اندفاعًا عاطفيًا، كأنّها تُلقي بسنواتِها في بئرٍ عميقةٍ. أمّا الآن، فهي تقبعُ في فراغٍ نفسيٍّ ووقتيٍّ شديدٍ، يتوسّعُ كبركةِ ماءٍ راكدةٍ. وفي آخرِ مكالمةٍ مع أمِّها، تسلّلَ القلقُ من صوتِ الأمِّ كضبابٍ: «أخافُ عليكِ، يا سامية، من عتمةِ ما في داخلك».