العودة إلى خواطر
الشباب و الهاتف

خاطرة

الشباب و الهاتف

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع المقهى هو الملاذ المتواضع الذي يهمس بأسرار الزمن. إحدى عشرة طاولة تتنفس حياة الرواد، ثلاث منها تحمل أثقال الكهول المسنين – اثنين فقط، كأنهما ناجيان من عاصفة السنين – بينما يملأ الشباب في مقتبل العمر الفراغات الأخرى بأحلامهم الناقصة. سبع طاولات تغرق في بحر الشاشات المتلألئة، أصوات الإبهام تُداعب الأزرار كأنها أوتار قيثارة مكسورة. : هذا الانتشار الواسع للانغماس في الهواتف يعكس ظاهرة "الانفصال الرقمي" ، حيث يلجأ الأفراد إلى العوالم الافتراضية للهروب من الواقع الاجتماعي، مما يعزز الشعور بالعزلة رغم التواجد في فضاء

الشباب و الهاتف
عبد السلام الزراع - ١٩/٠٩/٢٠٢٥
# يوميات مقهى

بقلم عبد السلام الزراع

المقهى هو الملاذ المتواضع الذي يهمس بأسرار الزمن. إحدى عشرة طاولة تتنفس حياة الرواد، ثلاث منها تحمل أثقال الكهول المسنين – اثنين فقط، كأنهما ناجيان من عاصفة السنين – بينما يملأ الشباب في مقتبل العمر الفراغات الأخرى بأحلامهم الناقصة. سبع طاولات تغرق في بحر الشاشات المتلألئة، أصوات الإبهام تُداعب الأزرار كأنها أوتار قيثارة مكسورة. : هذا الانتشار الواسع للانغماس في الهواتف يعكس ظاهرة "الانفصال الرقمي" ، حيث يلجأ الأفراد إلى العوالم الافتراضية للهروب من الواقع الاجتماعي، مما يعزز الشعور بالعزلة رغم التواجد في فضاء عام مزدحم.]**

أحاول الآن أن أغوص في الطاولة المجاورة، تلك التي تتراءى على يميني كلوحة سريالية، تضم ثلاثة شباب لا يتجاوز أكبرهم الخامسة والعشرين، كأنهم أشباح الشباب الهاربة من قبضة الزمن. أصدقاء يتشاركون الهمس الرقمي، اثنان يواجهان بعضهما بعيون غائبة، والثالث يُلقي نظراته نحو الطريق الرئيسي، كأنه ينتظر سراً من سراديب الإسفلت. هذا الأخير، مغطى بمريول رصاصي اللون يلتصق بجسده كظلال الغيمة، يعلو رأسه قبعة ناسك سوداء تُخفي أسرار الصدغين الطويلتين، وشورت أسود يتدفق مع لونه، ملتحٍ كراهب في صحراء المدينة، نظراته سيوف حادة تقطع الهواء. يمسك سيجارة بيده اليمنى، يسرق منها نفساً متفرقاً كلما هبطت الدقائق، ثم يعود إلى هاتفه المنبطح على الطاولة كميت . عندما يستنشق الدخان، يرفع رأسه نحو السقف الخفي، يتذوق السمّ كأنه إكسير الخلود، ينفثه فوق الطاولة في سحابة بيضاء تُغرق الوجوه في ضباب اللامبالاة. هذا السلوك المتعمد في استنشاق الدخان مع الرفع الدرامي للرأس يشير إلى آلية "التعزيز السلبي" في الإدمان، حيث يُستخدم التدخين كوسيلة لتهدئة التوتر أو تعزيز الشعور بالسيطرة، خاصة في سياق الملل أو الفراغ العاطفي الذي يبدو واضحاً في انعدام التفاعل الاجتماعي.]** الثلاثة لا يرمشون للدخان الذي يُغزو وجوههم، فهم جميعاً يشعلون النار في أجسادهم، كأن الرماد هو لغتهم المشتركة.

أما الثاني، فيُغرق نفسه في شورت أبيض يلمع كثلج الشتاء المبكر، شعره ناعم يتمايل كأمواج هادئة، نظارة الشمس تتربع على قمة رأسه كتاج مهمل، لحية خفيفة تُداعب الذقن كندى الصباح، وسلسلة رقيقة تتدلى من رقبته كخيط من نسيان. مريوله الأسود يتناغم مع الشورت في رقصة ألوان مكسورة، وشلاكة بلاستيكية تُلازم ساقه كذكرى من عالم آخر. صامتٌ معظم الوقت، كلماته نادرة كالنجوم في النهار، منغمس في هاتفه كغواص في أعماق بحر مظلم، غافل عن الدنيا الخارجية، بشرته بيضاء كورقة غير مكتوبة، أنفه ظريف يتناسب مع ملامح وجهه كلوحة فنية ناقصة، خصلتان من الشعر تتساقطان على جبهته كدموع متجمدة، يجلس منفرج الساقين في كرسي يحتضنه الارتياح الكامل، كأنه في عرينه الخاص. : الجلوس المريح مع التركيز الحصري على الهاتف يعبر عن "الانغلاق الدفاعي" حيث يحمي الفرد نفسه من التفاعلات غير المتوقعة، مما قد يشير إلى قلق اجتماعي خفي أو تفضيل للعزلة الذاتية كوسيلة للحفاظ على التوازن النفسي.

والثالث، يرتدي قميصاً أسود يبتلع الضوء كفراغ لا نهاية له، ومريولاً أبيض يلمع كأمل متردد، يهمس بكلمات متفرقة كأنها أصداء من حلم بعيد، منكبٌ على هاتفه كطائر على فرع مهترئ، حذاؤه الرياضي الباهظ الثمن يُعلن عن طموحات مكبوتة في ساقيه. طلبوا كيسان شاي، ليسوا من أولئك الشباب الذين يغرقون في بحور القهوة كما أرى في مقاهي المدن الأخرى، نحيفي الأجسام كأشجار في عاصفة، سلسلة مذهبة تُزين رقبته كجوهرة من ماضٍ لامع. الثلاثة مغمورون في لعبة هاتفية، كلماتهم قليلة كالأنين في الريح، فاللعبة هي حوارهم السري. التركيز المشترك على لعبة رقمية يمثل "الانغماس الجماعي" ، الذي يحاكي التفاعل الاجتماعي دون الحاجة إلى الحوار الحقيقي، مما يعكس حاجة إلى الاتصال الافتراضي كبديل عن التواصل العميق، ربما بسبب ضعف المهارات الاجتماعية أو الخوف من الرفض.]** نهض الثالث، يمد يده نحو الشاحن كأنه يطارد شبحاً، يُوصله بالمقبس الكهربائي ليُحيي هاتفه، فيتبادلان المقاعد بسلاسة، ليقترب من مصدر الحياة الرقمية دون أن يفقد خيط اللعبة. يمسك السيجارة بيده اليمنى، يتأمل الدنيا من حوله كشاعر في غفوة، ومن حين إلى آخر يُلقي نظرة على الهاتف، يترقب ارتفاع علامة الشحن كأنها نبوءة. ينزع قبعته ويضعها جانباً، فيكشف شعراً مجعداً يتمايل كأمواج الذاكرة، إذا تكلم فهو يهمس بهدوء يخفي عواصف، لكن نظرته ثاقبة كسهم يخترق الستار، يُلقيها في وجه صديقه بثقة تُشبه التحدي. : التبادل السريع للمكان للحفاظ على الشحن يدل على "الاعتمادية على التكنولوجيا" ، حيث يصبح الهاتف امتداداً للذات، وأي انقطاع يُشعر بالقلق؛ أما النظرة الثاقبة مع الهدوء فتشير إلى توازن داخلي يجمع بين الثقة والحذر، ربما كآلية للتعامل مع الضغوط الخارجية.]** الثلاثة يغرقون في صمت مطلق كمقبرة هادئة، الثاني – ذو البشرة البيضاء – يُداعب خصلة شعره بيده اليسرى كأنها حبل نجاة في بحر الملل، أما الآخر فينحني على هاتف الثالث، يُغوص في اللعبة كمشارك في طقس سري. : حركة تداعب الشعر هي سلوك "التحفيز الذاتي" تستخدم لتخفيف التوتر أثناء الانتظار أو الملل، بينما الانحناء المشترك على الهاتف يعزز الشعور بالانتماء الجماعي دون كلام، مما يقلل من مخاطر الصراعات الاجتماعية.]**

الخلاصة: شباب يغوصون في عالم بلا أفق، تائهون في متاهة الوهم والضياع، سقطوا في بئر عميقة لا قرار لها، حيث يرقص الضوء الرقمي على جدران الظلام. هذا الواقع يلخص "فقدان الاتجاهية النفسية" حيث يؤدي الإفراط في الاستهلاك الرقمي إلى فقدان الوعي بالزمن والعلاقات الحقيقية، مما يعمق الشعور بالضياع الوجودي في مرحلة الشباب الحرجة.


قصة قصيرة