العودة إلى خواطر
النساء و البحر

خاطرة

النساء و البحر

تاريخ غير متوفر

في هذا المشهد الصيفي الموشَّح بضوء ذهبي فاخر، أرقب من على رمال الشاطئ الرقيق كيف تتموج حركات النساء في الماء كأنها زهور بيضاء تتراقص على أنغام نسيم البحر العليل. إنهن لا يأتين إلا في مجموعات، كأن القدر ألزمهن بالتكتل معًا خوفًا من وحشة الانفراد، وكأن صوت الموج ينبئهن دائمًا بخطرٍ مجهولٍ يَكْمُن في الظلال.

النساء و البحر
عبد السلام الزراع - ٢١/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع

في هذا المشهد الصيفي الموشَّح بضوء ذهبي فاخر، أرقب من على رمال الشاطئ الرقيق كيف تتموج حركات النساء في الماء كأنها زهور بيضاء تتراقص على أنغام نسيم البحر العليل. إنهن لا يأتين إلا في مجموعات، كأن القدر ألزمهن بالتكتل معًا خوفًا من وحشة الانفراد، وكأن صوت الموج ينبئهن دائمًا بخطرٍ مجهولٍ يَكْمُن في الظلال.

أمامي عائلة صغيرة تتكأ على كتف الحياة بخمسة أفراد من صغارها، ومعهم امرأتان تبدوان كنجمتين في سماء هذا النهار الصيفي. الجميع يلتحفون أثواب السباحة المحتشمة، إلا فتاة واحدة ترتدي تنورة قصيرة تكشف عن فخذيها البيضاوين كأنها تريد أن تُعلن للعالم أن لها رأيًا مختلفًا في هذا الكون المُتحفظ.

ضحكات الأطفال تتطاير في الهواء كأنها فراشات ملونة تخرج من أكمام السماء، وصياحهم يتردد صداه في الأفق البعيد كأنه همسات الأسماك الملونة التي تلعب بين الأمواج. في الماء، يتحول الإنسان إلى كائن آخر، يتخلص من قيوده كما يتخلص السلحفاة من قشرتها القديمة، لكن الراية الحمراء المرفوعة تحذيرًا من الخطر تلوح في الأفق كشبح أحمر يهدد هذا الحلم الجميل.

النساء يغمرن أنفسهن في الماء، وكلامهن يتصاعد مع أبخرة الشمس كأنه دخان الأراجيل في المقاهي الشرقية القديمة. يتحدثن عن يومياتهن في مقاطع متقطعة، يحاولن ربطها كما يربط النساج خيوطًا متباينة اللون، لكن صوت الأمواج يقطع حديثهن كما يقطع الساحر خيوط الدمى.

أهذا هو السلوك المازوشي الذي يدفعهن إلى التلذذ باستعراض معاناة الحياة؟ أم أن الكلام عن الهموم أمام الأخريات هو كالعسل الذي يُخفف من مرارة الدواء؟ البحر، بأمواجه التي تضم أجسادهن المترهلة كأمٍ تحتضن أبناءها التعساء، يصبح ملجأً مؤقتًا لهذه القلوب المتعبة. هذه الأجساد التي تحمل قصصًا من جوعٍ لا يُشبع إلا بالحب، تجد في أحضان الأمواج دفءً يمتص شحنات الألم النفسي.

المرأة، كهاتف محمول يُفرغ طاقته ثم يُعاد شحنه، تعيش دورة لا تنتهي من إعطاء الحب واستعادته. إنها كتابٌ مفتوحٌ على صفحاتٍ متعددة، استعصى على أعظم العقول فهم معانيه العميقة، فظلت سرًا من أسرار هذا الكون الواسع.
قصة قصيرة