العودة إلى خواطر
اللقاء

خاطرة

اللقاء

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع في تلك اللحظة، كانت السيارة سفينة تعبر زمنًا من الانتظار الطويل، رس على شاطئ موقفٍ هادئٍ كأنها تخشى أن تزعج صمتَ الغروب. خرج منها شابٌ تعلوه رائحةُ الشوق، كأن الريح قد حملت معها بقايا عطرٍ عالقٍ في ذاكرةِ قلبه. وفي المقعد المجاور، كانت تجلس الفتاة التي

اللقاء
عبد السلام الزراع - ٢٦/٠٨/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع

في تلك اللحظة، كانت السيارة سفينة
تعبر زمنًا من الانتظار الطويل، رس على شاطئ موقفٍ هادئٍ كأنها تخشى أن تزعج صمتَ الغروب. خرج منها شابٌ تعلوه رائحةُ الشوق، كأن الريح قد حملت معها بقايا عطرٍ عالقٍ في ذاكرةِ قلبه. وفي المقعد المجاور، كانت تجلس الفتاة التي يُسمّيها صدره "أملًا"، ترتدي ليلاً مطويًا في بنطالٍ أسود، وكأنها خطت على جسدها ظلمةَ السماء لكي تُضيء عينيه بأنوارها الخافتة. شعرها، تلك الغابة السوداء، كان يتمايل مع أنفاس البحر، كأن الأمواج تهمس له بأسرارها.

في يدها، كانت فطيرةُ الملاوي قطعةً من القمر، تُقضمها بأسنانٍ تبدو كأنها تُفرّغ من ليلٍ طويلٍ من الجوع. كان ينظر إليها كما ينظرُ الشاعرُ إلى قصيدته، وكأن كل قضمةٍ تقطعها من الفطيرة تُخرج منها كلمةً من قصيدةٍ لم تُكتب بعد. ورفيقُها، كان متكئًا على السيارة، يستند إلى ذراعه كأنه يستند إلى عالمٍ من الحنين، يراقبها بنظراتٍ تجعل من الهواء حولهما عطرًا.

قالت له بصوتٍ خافتٍ كأنه يخرج من بين ثنايا الموج:

"أيعجبك هذا المكانُ للسياحة؟"

رفع حاجبيه، وكأن السؤال قد أخرج من صدره كل الكلام، فلم يعد ينبس ببنتِ شفة. كانت تُكمل قضم فطيرتها، وكأنها تُعيد كتابة يومٍ طويلٍ من الانتظار، بينما هو يُغمرها بنظراتٍ تُضيء الليل كما تُضيء النجومُ السماء.

ثم أردفت، وكأنها تُخرج من صدرها همسًا منسوجًا من الشوق:

"ألم تجبني، حبيبي؟ أهو المكانُ مناسب؟"

أجابها بصوتٍ يشوبه قلقُ الغروب:

"المكانُ ليس مريحًا، فهو مزدحمٌ بالناس، والبحرُ هائجٌ نسبيًا."

رمقته بنظرةٍ خبيثة، فهمت مقصده من كلمة "مريح"، وكأنها قرأت في عينيه ما لم يقله. فكانت نظراته، في تلك اللحظة، ليست مجرد إعجاب، بل كانت تحملُ لهفةً تُشبه اللهفةَ التي يحملها المسافرُ إلى وطنه، وشوقًا يُشبه شوقَ الغريبِ إلى دفءِ حضنِ أمه.

تمهلت قليلًا حتى أنهت قضم فطيرتها، ثم قال لها بصوتٍ يشوبه خوفُ اللحظةِ الأولى:

"سنذهبُ إلى مكانٍ آخر، أكثرَ راحةً وجاذبيةً."

أشار إليها بالصعود إلى السيارة، فانطلقت السيارةُ مسرعةً، كأنها تُحاول الهرب من زمنٍ قديمٍ إلى زمنٍ جديد، تبحث عن مكانٍ منعزلٍ يُبعدهما عن أعين الناس، يحملهما إلى عالمٍ من التيه والتوحد، حيث يتقاسمان لحظاتِ الاندماجِ والتلاشي في دهاليزِ اللذةِ المطلقة، كأنها لحظةٌ من الأبديةِ تُغلق فيها الأبوابُ على الحاضرِ والماضي، ويبقى في الداخلِ فقط صوتُ القلبينِ يُعلنان عن ولادةِ حبٍ جديد.
قصة قصيرة