خاطرة
القلوب المرهقة
تاريخ غير متوفر
عبد السلام الزراع - ٠١/٠٩/٢٠٢٥ طفي هذا العيد، الذي وافق الحادي والعشرين من أبريل، كان مذاق الاستقبال مختلفًا؛ كأن الريح التفت عن موائد الورد والبخور وانحنت فوق أرصفة المحلات. غابت المشكلات القديمة، لكنها لم تُقبر، بل تحولت إلى هدوءٍ يشبه صمت
القلوب المرهقة
عبد السلام الزراع - ٠١/٠٩/٢٠٢٥
طفي هذا العيد، الذي وافق الحادي والعشرين من أبريل، كان مذاق الاستقبال مختلفًا؛ كأن الريح التفت عن موائد الورد والبخور وانحنت فوق أرصفة المحلات. غابت المشكلات القديمة، لكنها لم تُقبر، بل تحولت إلى هدوءٍ يشبه صمت العصافير قبل عاصفة. كنت أعلم أن كثيرًا من توتر في مثل هذه المناسبات ، كان يتسلل من ثقب المحفظة، فاستلهمت فكرة: أُعطيها ( المناسبة. )مبلغًا شهريًا يكفيها شرّ الشكوى، وتترك لي بقية الحياة أن أقيسها بعينين مغمورتين بالراحة. بدا الأمر ناجحًا حتى الآن، وكأننا تعلمنا رقصة جديدة لا يخطئ فيها أحد إيقاعه.
اخي الاصغر
لكن خارج بيتي كان هناك اخ، يحمل اسمه كأنه صخرة متكورة على كتفيه. لا يعرف أحد كيف يُفكّك ضحكته إلى أجزاء، ولا يعرف أحد متى بدأ يرى في كل عطفٍ إعلان خيبة. يمتلك ابنًا يُحجم عن ذكر اسمه، وكأن الاسم نفسه خنجرٌ صغير. في اليوم الثاني للعيد، هاتفته، فردّ بصوت يشبه ورقة شجر جافة. لم يقل لي إنه مرهق منذ سبعة أيام، عدت أتصل، فأجاب كأن شيئًا لم يكن. اقترحت مقهىً، فوافق. حملت معي جهاز الضغط كمن يحمل قفص عصفورٍ صغير.
قابلته عند الطريق الخلفي، فبدوتُ كمن يلتقي صديقًا عاد من سفرٍ طويل. كان وجهه شاحبًا والعرق يتصبب منه كأن الجسم يبكي سرًا. أدخلته السيارة، فقست ضغطه ، الأرقام: 230/140. همستُ له كأني أخبره بموت قريب: «علينا المستشفى الآن». لم يعترض، وكأن المرض فتح له نافذة يرى فيها أن الوقت ليس ملكَه.
في قسم الطوارئ
في قسم الطوارئ، كانت المصابيح البيضاء تُلبس الجدران ثوب قهرٍ قصير. استقبلتنا ممرضة أعرفها من أيام الطفولة، فابتسمت ابتسامة عرفتُ فيها حفيف الأوراق القديمة. أجلسنا اخي، وأعادت القياس، فصرخ الجهاز صرخةً صغيرة. أعادت القياس يدويًا، فقالت بنبرة مازحة: «اليوم يوم الضغط العالي، الجميع يشترك في نفس الحفلة». غرفة بيضاء، سريران، وأنابيب تتنفس بانتظام كأنها تُصلي سرًا. بعد حقنة مدرة، هبط الضغط رويدًا، فخرجنا كمن تسلم بطاقة إنذار مبكر.
جاري الطفولي:
في ردهة الانتظار، كانت هناك امرأة تُمسك بكتابٍ مغلق، وكأنها تحتفظ بسؤالٍ لم تجد له عنوانًا. عرفتُ لاحقًا أن زوجها جاري، يتٱلم خلف الباب من جراء إهمالٍ عاشه دهرًا. دخلتُ إليه، فرأيت عينيه تبحثان عن اسمي بين أسماء المارة. قال إن جلطة في الشبكية تنتظر مشرط الجراح. نصحته بالابتعاد عن السكر، فتدخلت زوجته: «هو مدمن حلوى، يأكلها كأنها دواء». ابتسم جاري ابتسامةً صغيرة، كأن الاعتراف خفيفٌ عليه اليوم.
عودة الى اخي :
عاد اخي إلى بيته، لكن القلق ظل يُداعبني كظلّ طفلٍ لا ينام. ظللت أرسل له رسائل كأنني أرمي عصافير ورقية فوق سطح صمتٍ طويل. بعد أيام، اقتنع بزيارة طبيب مختص. التقينا تحت مطرٍ كثيف، فانتظرنا في السيارة حتى فتحت العيادة أبوابها. كان الدكتور كالعادة يبتسم ابتسامةً صغيرة تُشبه تأشيرة عبور إلى برّ الأمان. غيّر الدواء، وطلب منه أن يسجّل ضغطه عشرة أيام كاملة، وكأننا نُعلمه كيف يلتقط صوت قلبه من بين ضجيج العالم.
خاتمة صغيرة
ما زال اخي يُصغي إلى صدره كمن يستمع إلى أخبار غريبة عن بلدٍ لم يزره بعد. وما زلت أرى في عينيه خوفًا لذيذًا من أن يُفاجأ بالضعف. لكنني تعلمتُ أن المرض أحيانًا يكون أول خطوة في طريق التواضع، وأن العيد لا يُقاس بعدد الأضاحي، بل بعدد القلوب التي تُخرج خوفها إلى الشمس فتجففه.
26 أبريل 2024، قصور الساف
قصة قصيرة
عبد السلام الزراع - ٠١/٠٩/٢٠٢٥
طفي هذا العيد، الذي وافق الحادي والعشرين من أبريل، كان مذاق الاستقبال مختلفًا؛ كأن الريح التفت عن موائد الورد والبخور وانحنت فوق أرصفة المحلات. غابت المشكلات القديمة، لكنها لم تُقبر، بل تحولت إلى هدوءٍ يشبه صمت العصافير قبل عاصفة. كنت أعلم أن كثيرًا من توتر في مثل هذه المناسبات ، كان يتسلل من ثقب المحفظة، فاستلهمت فكرة: أُعطيها ( المناسبة. )مبلغًا شهريًا يكفيها شرّ الشكوى، وتترك لي بقية الحياة أن أقيسها بعينين مغمورتين بالراحة. بدا الأمر ناجحًا حتى الآن، وكأننا تعلمنا رقصة جديدة لا يخطئ فيها أحد إيقاعه.
اخي الاصغر
لكن خارج بيتي كان هناك اخ، يحمل اسمه كأنه صخرة متكورة على كتفيه. لا يعرف أحد كيف يُفكّك ضحكته إلى أجزاء، ولا يعرف أحد متى بدأ يرى في كل عطفٍ إعلان خيبة. يمتلك ابنًا يُحجم عن ذكر اسمه، وكأن الاسم نفسه خنجرٌ صغير. في اليوم الثاني للعيد، هاتفته، فردّ بصوت يشبه ورقة شجر جافة. لم يقل لي إنه مرهق منذ سبعة أيام، عدت أتصل، فأجاب كأن شيئًا لم يكن. اقترحت مقهىً، فوافق. حملت معي جهاز الضغط كمن يحمل قفص عصفورٍ صغير.
قابلته عند الطريق الخلفي، فبدوتُ كمن يلتقي صديقًا عاد من سفرٍ طويل. كان وجهه شاحبًا والعرق يتصبب منه كأن الجسم يبكي سرًا. أدخلته السيارة، فقست ضغطه ، الأرقام: 230/140. همستُ له كأني أخبره بموت قريب: «علينا المستشفى الآن». لم يعترض، وكأن المرض فتح له نافذة يرى فيها أن الوقت ليس ملكَه.
في قسم الطوارئ
في قسم الطوارئ، كانت المصابيح البيضاء تُلبس الجدران ثوب قهرٍ قصير. استقبلتنا ممرضة أعرفها من أيام الطفولة، فابتسمت ابتسامة عرفتُ فيها حفيف الأوراق القديمة. أجلسنا اخي، وأعادت القياس، فصرخ الجهاز صرخةً صغيرة. أعادت القياس يدويًا، فقالت بنبرة مازحة: «اليوم يوم الضغط العالي، الجميع يشترك في نفس الحفلة». غرفة بيضاء، سريران، وأنابيب تتنفس بانتظام كأنها تُصلي سرًا. بعد حقنة مدرة، هبط الضغط رويدًا، فخرجنا كمن تسلم بطاقة إنذار مبكر.
جاري الطفولي:
في ردهة الانتظار، كانت هناك امرأة تُمسك بكتابٍ مغلق، وكأنها تحتفظ بسؤالٍ لم تجد له عنوانًا. عرفتُ لاحقًا أن زوجها جاري، يتٱلم خلف الباب من جراء إهمالٍ عاشه دهرًا. دخلتُ إليه، فرأيت عينيه تبحثان عن اسمي بين أسماء المارة. قال إن جلطة في الشبكية تنتظر مشرط الجراح. نصحته بالابتعاد عن السكر، فتدخلت زوجته: «هو مدمن حلوى، يأكلها كأنها دواء». ابتسم جاري ابتسامةً صغيرة، كأن الاعتراف خفيفٌ عليه اليوم.
عودة الى اخي :
عاد اخي إلى بيته، لكن القلق ظل يُداعبني كظلّ طفلٍ لا ينام. ظللت أرسل له رسائل كأنني أرمي عصافير ورقية فوق سطح صمتٍ طويل. بعد أيام، اقتنع بزيارة طبيب مختص. التقينا تحت مطرٍ كثيف، فانتظرنا في السيارة حتى فتحت العيادة أبوابها. كان الدكتور كالعادة يبتسم ابتسامةً صغيرة تُشبه تأشيرة عبور إلى برّ الأمان. غيّر الدواء، وطلب منه أن يسجّل ضغطه عشرة أيام كاملة، وكأننا نُعلمه كيف يلتقط صوت قلبه من بين ضجيج العالم.
خاتمة صغيرة
ما زال اخي يُصغي إلى صدره كمن يستمع إلى أخبار غريبة عن بلدٍ لم يزره بعد. وما زلت أرى في عينيه خوفًا لذيذًا من أن يُفاجأ بالضعف. لكنني تعلمتُ أن المرض أحيانًا يكون أول خطوة في طريق التواضع، وأن العيد لا يُقاس بعدد الأضاحي، بل بعدد القلوب التي تُخرج خوفها إلى الشمس فتجففه.
26 أبريل 2024، قصور الساف
قصة قصيرة