العودة إلى خواطر
القهوة الصباحية

خاطرة

القهوة الصباحية

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع في صيفٍ لا يُفرِّقُ فيه الضوءُ بين ضوئه ونارِه، كانت الشمسُ تلهو دورَ المُبَرِّقةِ التي ترسمُ خطاها فوق الجدران، بينما الريحُ – تلك العاشقةُ العنيدة – تراوغُ لهيبَها بقبلةٍ باردةٍ على الخدّ. حملتُ قلبي وقليلاً من أوراقي، ومضيتُ

القهوة الصباحية
عبد السلام الزراع - ٢٢/٠٨/٢٠٢٥

بقلم عبد السلام الزراع

في صيفٍ لا يُفرِّقُ فيه الضوءُ بين ضوئه ونارِه، كانت الشمسُ تلهو دورَ المُبَرِّقةِ التي ترسمُ خطاها فوق الجدران، بينما الريحُ – تلك العاشقةُ العنيدة – تراوغُ لهيبَها بقبلةٍ باردةٍ على الخدّ. حملتُ قلبي وقليلاً من أوراقي، ومضيتُ إلى «المقهى الحزامية»، المسجّى عند أهل البلد باسم «مقهى ......».
يا لسُخريةِ الأسماء! فـ«النخيل» تُفترضُ فيها سِيَرُ الواحاتِ وظلالُ السعفِ الباسقات، لكنّ الواقعَ ما هو إلا خيمةُ بِلى تصطفّ على جدرانها صورٌ باهتةٌ لنخلاتٍ نسيتْ طعمَ الماء. تُقدَّمُ فيه القهوةُ على هيئةِ ماءٍ أسودَ يُسفِّهُ الزمن، حتى صرتُ أُفضِّلُ قارورةَ ماءٍ صامتةً لا تجرؤ على الكلام.

كان المقهى شبهَ خالٍ، ينبضُ فيه صمتٌ ثقيلٌ كأنّه ثوبُ عرسٍ أُهملَ على حبلِ الذاكرة. على الطاولة الأولى، يجلسُ شيخانِ من أسرةِ التعليمِ، يتبادلان همساتٍ كأنّهما يُعيدان كتابةَ تاريخٍ باهتٍ على رمالِ الزمن. أمامهما قارورةُ ماءٍ بلاستيكيةٌ كأنّها مرآةُ أيامِهما، وقدحا قهوةٍ باردةٌ كأنّهما قطعةُ سماءٍ نزلتْ لتبكي على أطلالِ الماضي.

على الطاولة المجاورة، يجلسُ متقاعدٌ في الثمانين، يحملُ تحت إبطه حزمةً من الأوراقِ كأنّها أجنحةُ عُمرٍ لم تُطِرْ بعد. يُعيدُ ترتيبَ تلك الوثائقِ كأنّه يُعيدُ ترتيبَ أيامِه، وكأنّ كلَّ ورقةٍ تهمسُ في أذنه: «أنت لم تمتْ بعد، يا صاحبي».

أمّا الطاولة الثالثة، فقد احتلها شابٌّ ، يُحوّلُ ركنًا ضيّقًا إلى مكتبٍ مؤقتٍ، يُصمِّمُ على رمالِه قصورًا لا تسكنها الأرواح. حوله يجلسُ رفاقٌ وزبائنُ محتملون، يتسامرون في شؤونِ الدنيا كأنّهم يُعيدون تدويرَ همومِهم على منوالِ الأمس. كان مثقفًا، لكنّه يتجنّبُ السياسةَ كأنّها مرضٌ معدٍ، فهو يعلمُ أنّ المقهى – رغم عدمِ شرعيّته – هو آخرُ معاقلِ الحريةِ في مدينةٍ نامتْ على صدرِ السلطةِ كطفلٍ مُدلَّل.

في هذا اليومِ العاديِّ جدًّا، تكمنُ عظمةُ الصمتِ؛ فالعاديّ هو الذي يحملُ في طيّاتِه كلَّ هذا التراكمَ الوجدانيّ والاجتماعيّ. قارورةُ ماءٍ، كأسُ قهوةٍ باردة، وثائقُ متفرقة، وصمتٌ عميقٌ يُخفي ضجيجًا كبيرًا كأنّه بحرٌ هائجٌ تحت قشرةِ رمال.
قصة قصيرة