العودة إلى خواطر
الحب و الجنس

خاطرة

الحب و الجنس

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع حتى الآن، ما زال كثيرون يخلطون بين لهيب الغريزة وهديل العاطفة، فالأولى نارٌ تستعر في الأعماق، تُطلقها تراكيم ليبيدية تبحث عن مخرج، فتُحدث توترًا داخليًا لا يُطفئه إلا التفريغ، كأنها عاصفة تبحث عن منفذ، فإذا ما وجدته، تهدأ مؤقتًا، وتنطفئ شراراتها، لتعود الكائن إلى

الحب و الجنس
عبد السلام الزراع - ٠٦/٠٩/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع

حتى الآن، ما زال كثيرون يخلطون بين لهيب الغريزة وهديل العاطفة، فالأولى نارٌ تستعر في الأعماق، تُطلقها تراكيم ليبيدية تبحث عن مخرج، فتُحدث توترًا داخليًا لا يُطفئه إلا التفريغ، كأنها عاصفة تبحث عن منفذ، فإذا ما وجدته، تهدأ مؤقتًا، وتنطفئ شراراتها، لتعود الكائن إلى سكون مؤقت، غير أن هذا السكون لا يُلبّي روحًا تتوق إلى الأمان، بل مجرد جسدٍ تخلص من ثقله.

أما العاطفة، فليست مجرد وقعٍ عضوي، بل هي همسٌ وجوديٌّ يُناجي النفس البشرية، تتوق من خلاله إلى الآخر، لا لاستهلاكه، بل لاكتمالها به، فهي سعي نحو التوحد، نحو الذوبان في كيان الآخر دون أن تفقد ذاتها، بل لتجدها مُعاد صياغتها في حضرة من تُحب.

هنا يبرز السؤال الذي طرحه فرويد، وعالجه فروم لاحقًا: كيف يمكن للإنسان أن يصعد إلى معارج العاطفة، وهو أسير دوافعه الجسدية؟ في كتابه فن الحب، يشير فروم إلى أن التسامي -وهو تحويل النزوة إلى عملٍ إبداعي أو اجتماعي عندما تصطدم بعائق- لا يُميز في جوهره بين الدافع العاطفي وعملية الاستمناء، فكلتاهما تُفرغ الشحنات الليبيدية، لكن إحداهما تُفرغها في جسد، والأخرى في روح، أو هكذا يُفترض.

لكن أليس من المؤسف أن نُساوي بين الحب وهروبٍ من توترٍ جسدي؟ الحب، في أسمى معانيه، ليس تفريغًا، بل امتلاءً، ليس قهرًا للجسد، بل قهرًا للوحشة، هو ذلك الشعور العميق بأننا لسنا وحيدين في هذا الوجود، أن بإمكاننا أن نُعرف ونُفهم دون أن نُستبدل أو نُستغل.

إن الحب لا يعيش في أروقة الجسد فحسب، بل في فضاءات الروح، حيث يُصبح الآخر كائنًا مُستقلاً، له كيانه، قيمته، خصوصيته، لا مجرد أداة لإشباع رغبة عابرة. وإذا اقتصر الحب على الجنس، فإننا نُصبح كمن يعيش في متاهة الأجساد، لا يميز بين من يُحب ومن يُستعمل، فتضيع الإنسانية في زحمة اللذة، وتذوب المعاني في بحر الغريزة.

إن الفهم الضيق للحب يُقيد الإنسان في سجن الغريزة، يُصبح أسير تفاعلات كيميائية، لا يعرف سوى التفريغ، لا يعي سوى اللذة، فيغيب الإحساس، وتضيع الإنسانية. وهكذا، يتحول الحب إلى وظيفة بيولوجية، تُمارس في السر، تُخجل منها الأرواح، وتُنكرها المجتمعات، فتُصبح العاطفة عارًا، والجسد جريمة.

وفي ظل هذا الخوف المجتمعي الموروث، يُحاصر الحب في أطر الزواج التقليدي، الذي لا يعترف بالاختيار، ولا يُقيم وزنًا للمشاعر، بل يُقيم وزنًا للنسب، للمال، للمكانة، فتُصبح العلاقة مُعاملات، لا مشاعر، ويُصبح الجسد وظيفة إنجابية، لا وعيًا إنسانيًا.

في هذا السياق، يُصبح الحب الفردي مستحيلًا، فالنظام الاجتماعي لا يُكرس إلا لصالح الجماعة، والفرد فيه مجرد رقم، لا صوت له، لا رغبة، لا خيار. وفي ظل هذا التهميش، يضيع الفرق بين من نُحب ومن نُجبر على اختياره، فتُصبح العلاقات مكررة، بلا نبض، بلا روح.

لكن هل يمكن للحب أن يولد في ظل القهر؟ هل يمكن للروح أن تتنفس في سجنٍ اجتماعي؟ يقول فروم: إن الحب لا يعيش إلا في ظل الفردية، حيث يكون للإنسان الحق في أن يختار، أن يُحب من يرى فيه كيانه، أن يعيش العلاقة لا كواجب، بل كاختيار، كتمردٍ صامت على قهر الجماعة، وصرخة حُرية في وجه صمت التقاليد.

لكن، للأسف، يبقى هذا الحلم بعيد المنال، فنحن ما زلنا نعيش في زمنٍ يُخاف فيه من الحرية، ويُخشى فيه من الحب الحقيقي، ذلك الذي لا يُقاس بالواجبات، بل بالأرواح.



التحليل النفسي