العودة إلى خواطر
الجواهر

خاطرة

الجواهر

تاريخ غير متوفر

اليومُ مغيمٌ قليلًا، تشوبه سحبٌ متناثرة، لكنّ دفءَ الشمس ينسابُ كحضنٍ أموميٍّ يلفّ جسدي. أمسكتُ بأغراضي الورقية وقلمي الحبريّ، واتجهتُ إلى المكتبة العمومية، ذلك المكان الذي أمضيتُ فيه أكثر أيامي. لا أدري ما الذي سأجده بين رفوف الكتب هذه المرة، ولا إلى أين سيوصِلني

الجواهر
عبد السلام الزراع - ١٠/٠٤/٢٠٢٥
**الجواهر**



بقلم عبد السلام الزراع.

اليومُ مغيمٌ قليلًا، تشوبه سحبٌ متناثرة، لكنّ دفءَ الشمس ينسابُ كحضنٍ أموميٍّ يلفّ جسدي. أمسكتُ بأغراضي الورقية وقلمي الحبريّ، واتجهتُ إلى المكتبة العمومية، ذلك المكان الذي أمضيتُ فيه أكثر أيامي. لا أدري ما الذي سأجده بين رفوف الكتب هذه المرة، ولا إلى أين سيوصِلني تسكّعي بين العناوين والوجوه الشاحبة للعاملين ، أولئك الذين يتصرفون كحراسٍ للمعرفة وهم لا يفرقون بين الحلم واليقظة.

عند باب القاعة الرئيسية، وقفتُ أمام الردهة الأمامية، حيث يُفرَز الزائرون كأنهم في حاجز أمني. سلسلةٌ من الأسئلة الروتينية تنهالُ عليهم :

"بطاقة الهوية؟"

"ما الغرض من زيارتك؟"

"هل أنت عضو منخرط ؟"

ابتسمتُ في سري. هذه الأسئلة نفسها التي تُطرح كل مرة، كأنها طقوس عبور إجباري إلى عالم المعرفة. أعددتُ نفسي للإجابة، رغم أني أعلم أن إجاباتي لن تُرضي ذلك الحارس المُتغطرس الجالس خلف المكتب، ذاك الرجل الذي يبدو كأنه ابتلع قاموسًا ثم تقيأه بغطرسة.

"ماذا تريد هنا؟" سألني بنظرةٍ متعالية وهو يدقّق في بطاقتي.

"أريد أن أقرأ"، أجبتُ ببساطة.

"طالع بهدوء، ولا تُزعج أحدًا"، قالها وهو يدفع البطاقة نحوي، ثم عاد إلى تصفّح جريدته كأن الأمر لا يعنيه.

اندفعتُ إلى القاعة الرئيسية، عيناي تبحثان بين الطاولات عن ذلك "الطيف" الذي وعدني بلقائه في المنام. ليلة البارحة، رأيته واضحًا كوضوح النهار: ظلٌّ نورانيٌّ يهمس لي بأن الحقيقة تكمن بين هذه الجدران. لكنّ القاعة كانت خالية إلا من بضع شخصيات منعزلة.

فجأة...

انبعث نورٌ خافتٌ من زاوية بعيدة، كشمعةٍ تُنير نفسَها بنفسها. اقتربتُ بخطواتٍ وئيدة، وإذ بكتابٍ قديمٍ موضوعٍ على رفٍّ منخفض، عنوانه الباهت يقول: **"الجواهر"**. لم يكن موجودًا في زياراتي السابقة.

فتحتُ الصفحة الأولى، فإذا بها بيضاء، لكن عندما مررت أصابعي على الورق، بدأت الكلمات تظهر كالوشم الخفي:

*"الحقيقة ليست في الكلمات، بل في الفراغات بينها"*

سمعتُ صوت خطوات خفيفة، فالتفتُ فإذا بظلٍّ يقترب مني. لم يكن رجلًا ولا امرأة، بل كيانًا من نور يتشكل كتمثالٍ من بلور. عرفته فورًا: إنه الطيف من حلمي.

"أخيرًا"، همستُ.

رفع "اليد" - إذا كان له يدٌ - وأشار إلى الكتاب. نظرتُ إليه مجددًا فوجدت كل الصفحات قد امتلأت بنصوصٍ لم أرها في حياتي. نصوصٌ تكتب نفسها أمام عينيّ.

"هل هذا... حقيقي؟" سألت.

لكن الضوء بدأ يخفت، والطيف يتباعد. أمسكتُ الكتاب بشدة، خائفًا من أن يختفي كالحلم.

عندما فتحتُ عينيّ مجددًا، وجدتُ نفسي جالسًا على الكرسي ذاته، والكتاب بين يديّ. لكنّ عنوانه الآن واضح:

**"الجواهر: مذكرات رجل لم يوجد قط"**

أغلقتُ الكتاب بابتسامة. لقد عرفتُ السرّ.

المكتبة ليست مكانًا للبحث عن الحقيقة، بل هي الحقيقة نفسها.

**قصور الساف**

**17/09/2023**



قصة قصيرة