خاطرة
الجلوس في الطريق العام
تاريخ غير متوفر
بقلم عبد السلام الزراع في أحياء الإجر الرطبة، حيث يعصف الطقس الحار كعاصفة خفية تُذيب الجدران وتُذوب الأسرار، لفت انتباهي سلوكٌ يتجاوز حدود المألوف، كشبحٍ يتسلل من الظلال إلى النور. إنه انتشارُ ظاهرةِ الجلوسِ على أعتابِ الطريق، هنا وهناك، حيث يتخلى الناسُ عن مساكنهمِ الدافئةِ وقاعاتِ جلوسِهمِ المريحةِ، ليتجمعوا أمامَ الدارِ كأنهم في صالونٍ عامٍّ مفتوحٍ
الجلوس في الطريق العام
عبد السلام الزراع - ٠٢/١١/٢٠٢٥
الجلوس والتسامر على قارعة الطريق
بقلم عبد السلام الزراع
في أحياء الإجر الرطبة، حيث يعصف الطقس الحار كعاصفة خفية تُذيب الجدران وتُذوب الأسرار، لفت انتباهي سلوكٌ يتجاوز حدود المألوف، كشبحٍ يتسلل من الظلال إلى النور. إنه انتشارُ ظاهرةِ الجلوسِ على أعتابِ الطريق، هنا وهناك، حيث يتخلى الناسُ عن مساكنهمِ الدافئةِ وقاعاتِ جلوسِهمِ المريحةِ، ليتجمعوا أمامَ الدارِ كأنهم في صالونٍ عامٍّ مفتوحٍ للرياحِ والأنظارِ. يتسامرونَ ويتجاذبونَ الحديثَ بكلِّ عفويةٍ، كأنَّ الشارعَ صارَ سريرَ الروحِ، وأعتابَ البيتِ مسرحًا للأسرارِ المُتَحَرْرَةِ. هل هذا السلوكُ طبيعيٌّ حقًّا؟ ألا يُفترضُ بالإنسانِ أنْ يحتفظَ بأسرارِهِ داخلَ جدرانِهِ الخاصَّةِ، لا أنْ يُقْحِمَهَا في ساحةِ الطريقِ العامِ، حيثَ تُسْبَحُ الخصوصيَّةُ كغيمةٍ تذوبُ تحتَ شمسِ الجماعةِ؟
هل صارَ الكشفُ عنِ الخصوصيَّةِ الأسريَّةِ، واقتحامُ الفضاءِ العامِ، ونشرُ الغسيلِ الداخليِّ – هذهِ الجرأةُ كلُّها – منَ التصرُّفاتِ اليوميَّةِ التي يتقبَّلُها المواطنُ بصدرٍ رحبٍّ، كأنَّها جزءٌ منَ نَسِيجِ الحياةِ الذي يُنْسَجُ من خيوطِ الشارعِ والحديثِ العابرِ؟ لِمَ ذاقَ المواطنُ مَرارَةَ الحَرَمِ المنزليِّ، فَخَرَجَ إلى الشَّارِعِ يَبْحَثُ عَنِ التَّرْفِيهِ والجَلُوسِ، دُونَ أَنْ يُعِيرَ اهْتِمَامًا لِلْمَعَايِيرِ الْأَخْلَاقِيَّةِ التِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَحْكُمَ مُجْتَمَعَهُ، كأنَّهُ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْقَلْبِ لِرِيَاحِ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ؟ هذِهِ أَسْئِلَةٌ تَتْرَاكَمُ فِي الذِّهْنِ كَسُحُبٍ ثَقِيلَةٍ، وَنَحْنُ نَسْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ عَلَيْهَا بِدِقَّةٍ، مُحَاوِلِينَ إِمَاطَةَ اللَّثَامِ عَنْ هَذَا السَّلُوْكِ الْغَرِيْبِ الَّذِي لَمْ نَشْهَدْ مِثْلَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، كَأَنَّهُ زَهْرَةٌ نَبَتَتْ فِي تُرَابِ الْعَصْرِ الْجَدِيْدِ.
هَلْ هُوَ نَزْعَةٌ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، أَمْ ضَجْرٌ يَعْصِفُ بِالرُّوحِ كَعَاصِفَةٍ صَامِتَةٍ، أَمْ طَقْسٌ حَارٌّ يَدْفَعُ الْبَعْضَ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى الشَّارِعِ لِلْتَّنْفِيسِ عَنِ النَّفْسِ، وَالتَّرْوِيحِ عَنِ الْبَالِ، وَتَخْفِيْفِ حَدَّةِ الرُّوْتِيْنِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي يُثْقِلُ الْكَاهِلَ كَحِمْلٍ ثَقِيْلٍ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُتَتَالِيَةِ؟ الْطَّرِيْفُ أَنَّنِي رَصَدْتُ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ فِي أَحْيَاءِ الْإِجْرِ، حَيْثُ الرَّطُوْبَةُ تَعْصِفُ وَالطَّقْسُ الْحَارُّ يَحْوِي الْجُلُودَ، فَمَا الَّذِي يَدْفَعُ الْإِنْسَانَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ؟ إِذًا، هُنَاكَ دَوَافِعُ أُخْرَى لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَةً عَنِ الْأَسْبَابِ السَّابِقَةِ، تَتَرَاقَصُ فِي الْظِّلَالِ كَأَسْرَارٍ خَفِيَّةٍ.
هَلْ هُوَ ذَلِكَ الْقَهْرُ مِنْ "الْانْفِصَالِ" الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ إِرِيْكُ فْرُوْمْ، كَمَوْجَةٍ تَغْرَقُ الْفَرْدَ فِي بَحْرِ الْوَحْدَةِ؟ إِنَّ الْفَرْدَ، أَحْيَانًا، يَسْعَى إِلَى الْانْدِمَاجِ فِي الْكُتْلَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا، لِيَخْفِفَ مِنْ حَدَّةِ الْانْفِصَالِ عَنِ الْجَمَاعَةِ؛ فَهَذَا الْقَلَقُ يَقْضِضُ مَضْجَعَهُ، وَيَغْرَقُهُ فِي مَوْجَةٍ مِنِ الْاِضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ كَغَرِيقٍ يَبْحَثُ عَنْ شَاطِئٍ. الْاقْتِرَابُ مِنِ السَّاحَاتِ الْعَامَةِ، وَإِقَامَةُ الْحَفْلَاتِ، وَالْمُشَارَكَةُ فِي الرَّقْصِ وَالْعَرَبْدَةِ وَطُقُوسٍ مُشَابِهَةٍ، تُشْرِعُ أَبْوَابَ الرَّاحَةِ وَالطُّمْأَنِيْنَةِ النَّفْسِيَّةِ كَمَفَاتِيْحِ سِرِّ الْحَيَاةِ. لِذَلِكَ، تَرَاهُ يَحْرِصُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ تَحْتَ مَسْمَيَاتٍ أُخْرَى: كَقِيَامِ الْوَاجِبِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالتَّآخِي مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالْوُقُوْفِ مَعَ الْأَحْبَابِ فِي السِّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَتَقْدِيْمِ الْهَدَايَا كَرُسُلِ الْوِصَالِ. كُلُّ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ تُشْعِرُ الْفَرْدَ بِالْانْتِمَاءِ وَالْهُوِيَّةِ، وَبِدُوْنَهَا يَغْرَقُ فِي الْاغْتِرَابِ وَالْوَحْدَةِ وَالنَّبْذِ، كَشَجَرَةٍ مُنْقَطِعَةِ الْجُذُورِ.
هَلِ اللُّجُوءُ إِلَى قَارِعَةِ الطَّرِيْقِ الْعَامِ هُوَ سَلُوْكٌ يَنْزَعُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَتَخَلُّصٌ مِنِ الْمُحْيِطِ الْأَسَرِيِّ الضَّيِّقِ، نَوْعٌ مِنِ الْانْعْتَاقِ إِنْ صَحَّ التَّعْبِيْرُ، كَطَائِرٍ يَفْتَحُ جَنَاحَيْهِ لِسَمَاءِ الْعَالَمِ؟ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ النَّاسِ يَسِيْطِرُ عَلَيْهِمْ نَوَازِي الْفُضُوْلِ، وَمَحَبَّةُ مَعْرِفَةِ خَفَايَا الْآخَرِيْنَ وَمَا يَخْفُوْنَهُ؛ فَالْفَضَاءُ الْعَامُ يُتِيْحُ لَهُمْ الْمَادَّةَ الَّتِي يَبْحَثُوْنَ عَنْهَا كَصَيَّادِيْنَ فِي غَابَةِ الْأَسْرَارِ. لَا نَنْسَى أَنَّ ضَيْقَ الْفَضَاءِ الْمُخَصَّصِ لِلْعَائِلَاتِ أَصْبَحَ شَدِيْدًا وَمَحْدُوْدًا، خَاصَّةً مَعَ تَقْسِيْمِ الْمَوَارِيْثِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَتَحَمَّلْ مَزِيْدًا مِنِ التَّشَظِّي إِلَى بِضْعَةِ أَمْتَارٍ كَقِطْعِ أَرْضٍ مُتَفَرِّقَةٍ. إِحْسَانًا، أَصْبَحَتْ مَعْظَمُ الْمَنَازِلِ لَا تَتَّسِعُ لِأَفْرَادِ الْأَسْرَةِ، فَالْمَسَاحَةُ الْمُتَوَفِّرَةُ أَمَامَ الْمَنْزِلِ تُصْبِحُ قَاعَةَ جُلُوْسٍ بَدِيْلَةً، مَفْتُوْحَةً عَلَى رِيَاحِ الْحَيَاةِ.
وَهُنَاكَ نُقْطَةٌ أُخْرَى لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَةً: غَلَاءُ تَكْلِفَةِ الْبِنَاءِ وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنْ مَالٍ، صَارَ يَكَادُ يَكُوْنُ مُسْتَحِيْلًا عَلَى فَرْدٍ مِنَ الطُّبَقَاتِ الْبَسِيْطَةِ أَنْ يَمْتَلِكَ مَنْزِلًا فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالذَّاتِ، كَأَنَّ الْأَحْلَامَ بُنِيَتْ مِنْ ذَهَبٍ نَادِرٍ. الْخُرُوْجُ إِلَى الشَّارِعِ، إِذًا، نَوْعٌ مِنِ التَّحَرُّرِ مِنِ التَّقَالِيْدِ وَالْعَادَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَى الْمَرْأَةِ السِّتْرَ وَالتَّخَفِّي دَاخِلَ جُدْرَانِ الْمَنْزِلِ. الْمَرْأَةُ صَارَتْ لَهَا جَرْأَةٌ وَشُجَاعَةٌ تُقْحِمُ بِهَا عَالَمَ الرِّجَالِ، وَتَتَنَاصَفُ مَعَهُ الْحُقُوْقَ كَشَرِيْكَةٍ فِي مَسْرَحِ الْحَيَاةِ؛ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، ضَعُفَتْ سُلْطَةُ الرَّجُلِ وَقَلَّتْ سَطْوَتُهُ عَلَى سُلُوْكِهَا. أَصْبَحَ لَهَا دَوْرٌ اقْتِصَادِيٌّ يُشْبِهُ دَوْرَهُ، فَمِنَ الطَّبِيْعِيِّ أَنْ يَكُوْنَ لَهَا صَوْتٌ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ، حَتَّى وَإِنْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْجَانِبِ الْأَخْلَاقِيِّ، كَأَنَّهَا نَجْمَةٌ صَارَتْ تُضِيْءُ سَمَاءَ الْمُجْتَمَعِ. فِي زَمَنٍ غَيْرِ بَعِيْدٍ، كَانَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ وَصَوْتُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا يُجُوْزُ التَّكْشُفُ عَنْهَا، كَكَنْزٍ مَخْفِيٍّ فِي أَعْمَاقِ الْبَيْتِ.
وَهُنَاكَ نُقْطَةٌ أُخْرَى كَدَتْ أَغْفَلُهَا: إِنَّ الْعَائِلَاتِ تَتَجَنَّبُ الِاسْتِضَافَةَ دَاخِلَ حَرَمِ الْمَنْزِلِ الْعَائِلِيِّ، لِتَفَادِي الْإِحْرَاجِ وَالْعُرْضِ مِنْ مَتَطَلَّبَاتِ الضِّيَافَةِ كَالْمَشْرُوْبَاتِ وَالْعُرَضِ؛ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، لِتَفَادِي الِاطْطِلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الْأَسْرَةِ كَأَنْهَا أَوْرَاقٌ مُنْثُوْرَةٌ. لِذَلِكَ، تَكُوْنُ الِاسْتِضَافَةُ أَمَامَ الْمَنْزِلِ فِي الطَّرِيْقِ الْعَامِ أَفْضَلَ وَأَقَلَّ كَلْفَةً مِنِ الِاسْتِضَافَةِ الرَّسْمِيَّةِ، كَحِفْلَةٍ مُنْفَتِحَةٍ عَلَى الْعَالَمِ دُوْنَ أَبْوَابِ الْحَيَاءِ.
**الْخَلَاصَةُ:**
إِذًا، التَّوَسُّعُ فِي الْانْتِقَالِ مِنِ الْفَضَاءِ الْخَاصِّ إِلَى فَضَاءٍ أَوْسَعَ، وَالدُّخُولُ فِي مَجَالِ الْعَامِ، هُوَ تَعْبِيْرٌ بِشَكْلٍ آخَرَ عَنِ التَّوَسُّعِ فِي مَجَالِ الْحُرِّيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ صَارَ نَهْرًا يَحْمِلُ أَحْلَامَ الْنَّاسِ. هَذَا السَّلُوْكُ الْمُسْتَحْدَثُ مَرْبُوطٌ أَسَاسًا بِالتَّوَسُّعِ فِي الْمَجَالِ الِاقْتِصَادِيِّ، حَيْثُ أَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ تَحْتَلُّ مَكَانَةً أَرْحَبَ مِنْ قَبْلُ، كَزَهْرَةٍ تَنْبُتُ فِي أَرْضٍ جَدِيْدَةٍ. أَيْ أَنَّ التَّغْيِيْرَ فِي وَسَائِلِ الْإِنْتَاجِ غَيَّرَ مِنَ السَّلُوْكِيَّاتِ وَتَصَرُّفَاتِ النَّاسِ، بِالْأَحْرَى ثُمَّ خَاصَّةً اجْتِمَاعِيًّا، فَصَارَ الْعَالَمُ الْخَارِجِيُّ مِرْآَةً لِلْقَلْبِ الْمُتَحَرْرِ.
عبد السلام الزراع - ٠٢/١١/٢٠٢٥
الجلوس والتسامر على قارعة الطريق
بقلم عبد السلام الزراع
في أحياء الإجر الرطبة، حيث يعصف الطقس الحار كعاصفة خفية تُذيب الجدران وتُذوب الأسرار، لفت انتباهي سلوكٌ يتجاوز حدود المألوف، كشبحٍ يتسلل من الظلال إلى النور. إنه انتشارُ ظاهرةِ الجلوسِ على أعتابِ الطريق، هنا وهناك، حيث يتخلى الناسُ عن مساكنهمِ الدافئةِ وقاعاتِ جلوسِهمِ المريحةِ، ليتجمعوا أمامَ الدارِ كأنهم في صالونٍ عامٍّ مفتوحٍ للرياحِ والأنظارِ. يتسامرونَ ويتجاذبونَ الحديثَ بكلِّ عفويةٍ، كأنَّ الشارعَ صارَ سريرَ الروحِ، وأعتابَ البيتِ مسرحًا للأسرارِ المُتَحَرْرَةِ. هل هذا السلوكُ طبيعيٌّ حقًّا؟ ألا يُفترضُ بالإنسانِ أنْ يحتفظَ بأسرارِهِ داخلَ جدرانِهِ الخاصَّةِ، لا أنْ يُقْحِمَهَا في ساحةِ الطريقِ العامِ، حيثَ تُسْبَحُ الخصوصيَّةُ كغيمةٍ تذوبُ تحتَ شمسِ الجماعةِ؟
هل صارَ الكشفُ عنِ الخصوصيَّةِ الأسريَّةِ، واقتحامُ الفضاءِ العامِ، ونشرُ الغسيلِ الداخليِّ – هذهِ الجرأةُ كلُّها – منَ التصرُّفاتِ اليوميَّةِ التي يتقبَّلُها المواطنُ بصدرٍ رحبٍّ، كأنَّها جزءٌ منَ نَسِيجِ الحياةِ الذي يُنْسَجُ من خيوطِ الشارعِ والحديثِ العابرِ؟ لِمَ ذاقَ المواطنُ مَرارَةَ الحَرَمِ المنزليِّ، فَخَرَجَ إلى الشَّارِعِ يَبْحَثُ عَنِ التَّرْفِيهِ والجَلُوسِ، دُونَ أَنْ يُعِيرَ اهْتِمَامًا لِلْمَعَايِيرِ الْأَخْلَاقِيَّةِ التِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَحْكُمَ مُجْتَمَعَهُ، كأنَّهُ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْقَلْبِ لِرِيَاحِ الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ؟ هذِهِ أَسْئِلَةٌ تَتْرَاكَمُ فِي الذِّهْنِ كَسُحُبٍ ثَقِيلَةٍ، وَنَحْنُ نَسْعَى إِلَى الْإِجَابَةِ عَلَيْهَا بِدِقَّةٍ، مُحَاوِلِينَ إِمَاطَةَ اللَّثَامِ عَنْ هَذَا السَّلُوْكِ الْغَرِيْبِ الَّذِي لَمْ نَشْهَدْ مِثْلَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، كَأَنَّهُ زَهْرَةٌ نَبَتَتْ فِي تُرَابِ الْعَصْرِ الْجَدِيْدِ.
هَلْ هُوَ نَزْعَةٌ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، أَمْ ضَجْرٌ يَعْصِفُ بِالرُّوحِ كَعَاصِفَةٍ صَامِتَةٍ، أَمْ طَقْسٌ حَارٌّ يَدْفَعُ الْبَعْضَ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى الشَّارِعِ لِلْتَّنْفِيسِ عَنِ النَّفْسِ، وَالتَّرْوِيحِ عَنِ الْبَالِ، وَتَخْفِيْفِ حَدَّةِ الرُّوْتِيْنِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي يُثْقِلُ الْكَاهِلَ كَحِمْلٍ ثَقِيْلٍ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُتَتَالِيَةِ؟ الْطَّرِيْفُ أَنَّنِي رَصَدْتُ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ فِي أَحْيَاءِ الْإِجْرِ، حَيْثُ الرَّطُوْبَةُ تَعْصِفُ وَالطَّقْسُ الْحَارُّ يَحْوِي الْجُلُودَ، فَمَا الَّذِي يَدْفَعُ الْإِنْسَانَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ؟ إِذًا، هُنَاكَ دَوَافِعُ أُخْرَى لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَةً عَنِ الْأَسْبَابِ السَّابِقَةِ، تَتَرَاقَصُ فِي الْظِّلَالِ كَأَسْرَارٍ خَفِيَّةٍ.
هَلْ هُوَ ذَلِكَ الْقَهْرُ مِنْ "الْانْفِصَالِ" الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ إِرِيْكُ فْرُوْمْ، كَمَوْجَةٍ تَغْرَقُ الْفَرْدَ فِي بَحْرِ الْوَحْدَةِ؟ إِنَّ الْفَرْدَ، أَحْيَانًا، يَسْعَى إِلَى الْانْدِمَاجِ فِي الْكُتْلَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا، لِيَخْفِفَ مِنْ حَدَّةِ الْانْفِصَالِ عَنِ الْجَمَاعَةِ؛ فَهَذَا الْقَلَقُ يَقْضِضُ مَضْجَعَهُ، وَيَغْرَقُهُ فِي مَوْجَةٍ مِنِ الْاِضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ كَغَرِيقٍ يَبْحَثُ عَنْ شَاطِئٍ. الْاقْتِرَابُ مِنِ السَّاحَاتِ الْعَامَةِ، وَإِقَامَةُ الْحَفْلَاتِ، وَالْمُشَارَكَةُ فِي الرَّقْصِ وَالْعَرَبْدَةِ وَطُقُوسٍ مُشَابِهَةٍ، تُشْرِعُ أَبْوَابَ الرَّاحَةِ وَالطُّمْأَنِيْنَةِ النَّفْسِيَّةِ كَمَفَاتِيْحِ سِرِّ الْحَيَاةِ. لِذَلِكَ، تَرَاهُ يَحْرِصُ عَلَى الْمُشَارَكَةِ تَحْتَ مَسْمَيَاتٍ أُخْرَى: كَقِيَامِ الْوَاجِبِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالتَّآخِي مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَالْوُقُوْفِ مَعَ الْأَحْبَابِ فِي السِّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَتَقْدِيْمِ الْهَدَايَا كَرُسُلِ الْوِصَالِ. كُلُّ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ تُشْعِرُ الْفَرْدَ بِالْانْتِمَاءِ وَالْهُوِيَّةِ، وَبِدُوْنَهَا يَغْرَقُ فِي الْاغْتِرَابِ وَالْوَحْدَةِ وَالنَّبْذِ، كَشَجَرَةٍ مُنْقَطِعَةِ الْجُذُورِ.
هَلِ اللُّجُوءُ إِلَى قَارِعَةِ الطَّرِيْقِ الْعَامِ هُوَ سَلُوْكٌ يَنْزَعُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَتَخَلُّصٌ مِنِ الْمُحْيِطِ الْأَسَرِيِّ الضَّيِّقِ، نَوْعٌ مِنِ الْانْعْتَاقِ إِنْ صَحَّ التَّعْبِيْرُ، كَطَائِرٍ يَفْتَحُ جَنَاحَيْهِ لِسَمَاءِ الْعَالَمِ؟ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ النَّاسِ يَسِيْطِرُ عَلَيْهِمْ نَوَازِي الْفُضُوْلِ، وَمَحَبَّةُ مَعْرِفَةِ خَفَايَا الْآخَرِيْنَ وَمَا يَخْفُوْنَهُ؛ فَالْفَضَاءُ الْعَامُ يُتِيْحُ لَهُمْ الْمَادَّةَ الَّتِي يَبْحَثُوْنَ عَنْهَا كَصَيَّادِيْنَ فِي غَابَةِ الْأَسْرَارِ. لَا نَنْسَى أَنَّ ضَيْقَ الْفَضَاءِ الْمُخَصَّصِ لِلْعَائِلَاتِ أَصْبَحَ شَدِيْدًا وَمَحْدُوْدًا، خَاصَّةً مَعَ تَقْسِيْمِ الْمَوَارِيْثِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَتَحَمَّلْ مَزِيْدًا مِنِ التَّشَظِّي إِلَى بِضْعَةِ أَمْتَارٍ كَقِطْعِ أَرْضٍ مُتَفَرِّقَةٍ. إِحْسَانًا، أَصْبَحَتْ مَعْظَمُ الْمَنَازِلِ لَا تَتَّسِعُ لِأَفْرَادِ الْأَسْرَةِ، فَالْمَسَاحَةُ الْمُتَوَفِّرَةُ أَمَامَ الْمَنْزِلِ تُصْبِحُ قَاعَةَ جُلُوْسٍ بَدِيْلَةً، مَفْتُوْحَةً عَلَى رِيَاحِ الْحَيَاةِ.
وَهُنَاكَ نُقْطَةٌ أُخْرَى لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَةً: غَلَاءُ تَكْلِفَةِ الْبِنَاءِ وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنْ مَالٍ، صَارَ يَكَادُ يَكُوْنُ مُسْتَحِيْلًا عَلَى فَرْدٍ مِنَ الطُّبَقَاتِ الْبَسِيْطَةِ أَنْ يَمْتَلِكَ مَنْزِلًا فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالذَّاتِ، كَأَنَّ الْأَحْلَامَ بُنِيَتْ مِنْ ذَهَبٍ نَادِرٍ. الْخُرُوْجُ إِلَى الشَّارِعِ، إِذًا، نَوْعٌ مِنِ التَّحَرُّرِ مِنِ التَّقَالِيْدِ وَالْعَادَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَى الْمَرْأَةِ السِّتْرَ وَالتَّخَفِّي دَاخِلَ جُدْرَانِ الْمَنْزِلِ. الْمَرْأَةُ صَارَتْ لَهَا جَرْأَةٌ وَشُجَاعَةٌ تُقْحِمُ بِهَا عَالَمَ الرِّجَالِ، وَتَتَنَاصَفُ مَعَهُ الْحُقُوْقَ كَشَرِيْكَةٍ فِي مَسْرَحِ الْحَيَاةِ؛ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، ضَعُفَتْ سُلْطَةُ الرَّجُلِ وَقَلَّتْ سَطْوَتُهُ عَلَى سُلُوْكِهَا. أَصْبَحَ لَهَا دَوْرٌ اقْتِصَادِيٌّ يُشْبِهُ دَوْرَهُ، فَمِنَ الطَّبِيْعِيِّ أَنْ يَكُوْنَ لَهَا صَوْتٌ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ، حَتَّى وَإِنْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْجَانِبِ الْأَخْلَاقِيِّ، كَأَنَّهَا نَجْمَةٌ صَارَتْ تُضِيْءُ سَمَاءَ الْمُجْتَمَعِ. فِي زَمَنٍ غَيْرِ بَعِيْدٍ، كَانَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ وَصَوْتُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا يُجُوْزُ التَّكْشُفُ عَنْهَا، كَكَنْزٍ مَخْفِيٍّ فِي أَعْمَاقِ الْبَيْتِ.
وَهُنَاكَ نُقْطَةٌ أُخْرَى كَدَتْ أَغْفَلُهَا: إِنَّ الْعَائِلَاتِ تَتَجَنَّبُ الِاسْتِضَافَةَ دَاخِلَ حَرَمِ الْمَنْزِلِ الْعَائِلِيِّ، لِتَفَادِي الْإِحْرَاجِ وَالْعُرْضِ مِنْ مَتَطَلَّبَاتِ الضِّيَافَةِ كَالْمَشْرُوْبَاتِ وَالْعُرَضِ؛ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، لِتَفَادِي الِاطْطِلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الْأَسْرَةِ كَأَنْهَا أَوْرَاقٌ مُنْثُوْرَةٌ. لِذَلِكَ، تَكُوْنُ الِاسْتِضَافَةُ أَمَامَ الْمَنْزِلِ فِي الطَّرِيْقِ الْعَامِ أَفْضَلَ وَأَقَلَّ كَلْفَةً مِنِ الِاسْتِضَافَةِ الرَّسْمِيَّةِ، كَحِفْلَةٍ مُنْفَتِحَةٍ عَلَى الْعَالَمِ دُوْنَ أَبْوَابِ الْحَيَاءِ.
**الْخَلَاصَةُ:**
إِذًا، التَّوَسُّعُ فِي الْانْتِقَالِ مِنِ الْفَضَاءِ الْخَاصِّ إِلَى فَضَاءٍ أَوْسَعَ، وَالدُّخُولُ فِي مَجَالِ الْعَامِ، هُوَ تَعْبِيْرٌ بِشَكْلٍ آخَرَ عَنِ التَّوَسُّعِ فِي مَجَالِ الْحُرِّيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ صَارَ نَهْرًا يَحْمِلُ أَحْلَامَ الْنَّاسِ. هَذَا السَّلُوْكُ الْمُسْتَحْدَثُ مَرْبُوطٌ أَسَاسًا بِالتَّوَسُّعِ فِي الْمَجَالِ الِاقْتِصَادِيِّ، حَيْثُ أَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ تَحْتَلُّ مَكَانَةً أَرْحَبَ مِنْ قَبْلُ، كَزَهْرَةٍ تَنْبُتُ فِي أَرْضٍ جَدِيْدَةٍ. أَيْ أَنَّ التَّغْيِيْرَ فِي وَسَائِلِ الْإِنْتَاجِ غَيَّرَ مِنَ السَّلُوْكِيَّاتِ وَتَصَرُّفَاتِ النَّاسِ، بِالْأَحْرَى ثُمَّ خَاصَّةً اجْتِمَاعِيًّا، فَصَارَ الْعَالَمُ الْخَارِجِيُّ مِرْآَةً لِلْقَلْبِ الْمُتَحَرْرِ.