العودة إلى خواطر
الانفعالات

خاطرة

الانفعالات

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٣١/٠٨/٢٠٢٥ الانفعالات ودورها في حياة الإنسان: تأملات وتحليل بقلمٍ يجري على صفحات النفس كما تجري الريح على صفحات الماء الانفعالات، تلك الضيوفُ العابرةُ في قاعةِ القلب، ليست مجرد زائرٍ عابرٍ، بل هي أصواتٌ داخليةٌ تُغنّي في دواخلنا، وتُلهم أفعالنا، وتُضفي على الحياةِ طعمَها ونبضَها. فهل هي ضروريةٌ لحياةِ الإنسان؟ بلى، بل إنها كالنسماتِ التي تحملُ رائحةَ الوردِ إلى أنفِ الروح، فتُحفّزُ السلوكَ، وتُرشدُ القرارَ،

الانفعالات
عبد السلام الزراع - ٣١/٠٨/٢٠٢٥
الانفعالات ودورها في حياة الإنسان: تأملات وتحليل

بقلمٍ يجري على صفحات النفس كما تجري الريح على صفحات الماء

الانفعالات، تلك الضيوفُ العابرةُ في قاعةِ القلب، ليست مجرد زائرٍ عابرٍ، بل هي أصواتٌ داخليةٌ تُغنّي في دواخلنا، وتُلهم أفعالنا، وتُضفي على الحياةِ طعمَها ونبضَها. فهل هي ضروريةٌ لحياةِ الإنسان؟ بلى، بل إنها كالنسماتِ التي تحملُ رائحةَ الوردِ إلى أنفِ الروح، فتُحفّزُ السلوكَ، وتُرشدُ القرارَ، وتُعلّمُ التكيّفَ مع بيئةٍ لا تكفُ عن التقلّب. إنها إشاراتٌ داخليةٌ، كما لو كانت نجومًا في سماءِ الذاتِ تُرشدُنا في ظلماتِ المواقف.

لكن، هل يمكنُ أن يكون التخلصُ من الانفعالاتِ مصدرًا للسعادة؟ إن التخلصَ الكاملَ منها ليس سوى سرابٍ في صحراءِ النفس، فالانفعالاتُ هي التي تُضفي على الحياةِ عمقَها ومعناها، كما تُضفي الألوانُ على لوحةٍ صامتة. ومع ذلك، فإن إدارتَها بمهارةٍ، كما يُديرُ الفلّاحُ مجرى الماءِ في أرضه، يُقلّلُ من التوترِ، ويزيدُ من الرضا، فيُزهرُ في القلبِ شعورٌ بالسعادةِ كأنه بستانٌ في ربيعِ النفس.

فكيف يمكنُ للإنسانِ أن يُديرَ هذا اليمَّ العاطفيَّ الهادرِ داخله؟ إنه يحتاجُ إلى مرآةٍ داخليةٍ تعكسُ له انفعالاتِه وأصولَها، ثم إلى تقنياتِ تهدئةٍ، كالتنفسِ العميقِ أو التأملِ، كما يحتاجُ إلى عقلٍ منطقيٍّ يُحلّلُ المواقفَ قبل أن تُطلقَ الأسهمُ من قوسِ الردِّ. كما أن تطويرَ الذكاءِ العاطفيِّ، من خلال تعزيزِ التعاطفِ وفهمِ وجهاتِ النظرِ الأخرى، هو كما لو كان سفينةً تُبحرُ في بحرِ الانفعالاتِ دون أن تغرق.

ومن الملاحظاتِ التي تستحقُّ أن تُكتبَ بماءِ الذهب: ما الفرقُ بين انفعالاتِ طفلٍ صغيرٍ في بدايةِ حياته، وبالغٍ يتصرفُ بنفسِ ردودِ الفعلِ الانفعالية؟ الطفلُ، ذلك الوردةُ النضرةُ، تفتقرُ قشرتُه الأماميةُ إلى النضجِ، فتكونُ ردودُ فعلِه فوريةً وغيرَ مدروسة، كأنها شرارةٌ تندلعُ من حجرِ الحياة. أما البالغُ الذي يتصرفُ بطريقةٍ مماثلةٍ، فقد يُعاني من ضعفٍ في التحكمِ العاطفيِّ أو نقصٍ في الذكاءِ العاطفيِّ، غالبًا بسببِ قلةِ التدريبِ أو الضغوطِ النفسيةِ التي تقفُ في طريقِه كجبالٍ شاهقة.

وهنا يُطرحُ تساؤلٌ آخرُ: لماذا يبدو أحيانًا أن الفرقَ بين تصرفاتِ الطفلِ والبالغِ في ردودِ الفعلِ ليس كبيرًا؟ الإجابةُ تكمنُ في أن بعضَ البالغين لم يطوّروا مهاراتِ التحكمِ العاطفيِّ، أو أنهم يواجهونَ ضغوطًا تُضعفُ قدرتَهم على ضبطِ النفس، مما يجعلُ ردودَ أفعالِهم شبيهةً بتلك التي نراها لدى الأطفال، وكأنهم ما زالوا يعيشونَ في حضنِ الطفولةِ الانفعالية.

وهل سرعةُ الانفعالِ لدى الطفلِ ناتجةٌ عن نقصٍ في النموِ الدماغي؟ نعم، فالقشرةُ الأماميةُ، تلك الحارسةُ الأمينةُ للانفعالات، لم تنضجْ بعدُ لدى الأطفال، فتكونُ ردودُ الفعلِ فوريةً كالبرقِ في سماءٍ صافية. أما بالنسبةِ للبالغين، فهل ردودُ الفعلِ السريعةُ تنتجُ عن نقصٍ في الذكاءِ العاطفي؟ غالبًا نعم، إذ تعكسُ ضعفًا في الوعيِ العاطفيِّ أو التحكمِ بالنفس، وقد تكونُ ناتجةً عن عاداتٍ سلوكيةٍ غيرَ ناضجةٍ أو ضغوطٍ نفسيةٍ تُثقلُ كاهلَ النفس.

يتساءلُ البعض: لماذا يؤدي تصاعدُ الانفعالِ إلى شللِ القدراتِ الذهنية، مما يجعلُ التصرفاتِ تبدو معيبةً؟ عندما يتصاعدُ الانفعالُ، يهيمنُ الجهازُ الحوفيُّ، ذلك المركزُ العاطفيُّ في الدماغ، على القشرةِ الأماميةِ، فيؤدي إلى ردودِ فعلٍ غيرِ مدروسةٍ كجزءٍ من استجابةِ "القتالِ أو الهروب". لكن بعدَ لحظاتٍ، ينخفضُ الانفعالُ وتعودُ القشرةُ الأماميةُ لتستعيدَ سيطرتَها، فيسمحُ بالتفكيرِ المنطقيِّ وتقييمِ الموقفِ بشكلٍ واعٍ.

ما نوعُ التفكيرِ الذي يُشعلُ الانفعالَ ويوقفُ التفكيرَ المنطقيَّ في الوقتِ ذاته؟ إنه التفكيرُ الأوتوماتيكيُّ المرتبطُ بتفسيراتٍ سلبيةٍ أو تهديداتٍ متصورة، مثل "أنا مهدد" أو "لقد فشلت". هذا التفكيرُ ينشطُ الجهازَ الحوفيَّ، فيوقفُ التفكيرَ المنطقيَّ مؤقتًا. وهنا تظهرُ المفارقةُ: العقلُ نفسُه يُلهبُ الانفعالَ، ثم ينسحبُ مؤقتًا، ليعودَ للعملِ بعد أن يؤدي الانفعالُ دورَه. بعد ذلك، يقيّمُ العقلُ الأحداثَ والمواقفَ التي تسببَ فيها، وقد ينسحبُ مجددًا تحتَ وطأةِ القلقِ أو الشعورِ بالذنبِ الناتجِ عن التقييمِ الذاتي.

هذه المفارقةُ تعكسُ التصميمَ الطبيعيَّ للدماغ، حيث يتفاعلُ الجهازُ الحوفيُّ بسرعةٍ لحمايةِ الإنسان، بينما تحتاجُ القشرةُ الأماميةُ إلى وقتٍ لتحليلِ الموقف. لتجاوزِ هذه التحديات، يمكنُ تطويرُ مهاراتِ الذكاءِ العاطفيِّ واليقظةِ الذهنيةِ ، التي تساعدُ في تقليلِ تأثيرِ الانفعالاتِ على التفكيرِ المنطقي، مما يعززُ التوازنَ النفسيَّ والسلوكيَّ، كأنها نسمةُ هواءٍ
تُداعبُ وجهَ الروحِ فتُنعشُه
https://www.blogger.com/blog/
علم النفس