العودة إلى خواطر
العاطفة

خاطرة

العاطفة

تاريخ غير متوفر

بقلم عبد السلام الزراع في طريقِ العودةِ إلى منزلِ أبي، قبضتْ عيني عبارةٌ مُنحوتةٌ على جدارٍ شاهقٍ، كأنها صرخةٌ عابرةٌ في ليلٍ صامتٍ: «أحبُّك كخويا». جملةٌ قصيرةٌ، لكنها كافيةٌ لأن تُفتحَ نوافذُ الأسئلةِ على مصراعيها، وتُطلّ علينا صورةٌ مُشوَّهةٌ لحبٍّ ما زال يتخبّطُ في أسرِ الغريزةِ، كأنما العشقُ لا يكتملُ إلا إذا

العاطفة
عبد السلام الزراع - ٠٤/٠٩/٢٠٢٥
بقلم عبد السلام الزراع

في طريقِ العودةِ إلى منزلِ أبي، قبضتْ عيني عبارةٌ مُنحوتةٌ على جدارٍ شاهقٍ، كأنها صرخةٌ عابرةٌ في ليلٍ صامتٍ: «أحبُّك كخويا». جملةٌ قصيرةٌ، لكنها كافيةٌ لأن تُفتحَ نوافذُ الأسئلةِ على مصراعيها، وتُطلّ علينا صورةٌ مُشوَّهةٌ لحبٍّ ما زال يتخبّطُ في أسرِ الغريزةِ، كأنما العشقُ لا يكتملُ إلا إذا التصقَ بالجسدِ، وكأن النقاءَ ليس من طبيعةِ القلبِ.

أرى في هذه الكلمةِ تخليطاً عجيباً بين ما هوَ روحيٌّ وما هوَ جسديٌّ، كأنما النفسُ لا تُعرفُ إلا إذا ارتدتْ ثوبَ الشهوةِ. وأنا، لا أبتغي حبّاً يُغلّفُ بالأخوةِ كي يُخفي وراءه رغبةً، بل أبتغي حبّاً بريئاً كندى الصباحِ، لا يعرفُ طريقه إلى التوترِ ولا إلى القلقِ، حبّاً يمشي على الأرضِ ولا يُثقلُهُ شيءٌ من ثرثرةِ الجسدِ.

لكن أعجبُ من العبارةِ مكانها: على جدارٍ في الأفقِ العامِّ، حيثُ ترى الأعينُ وتسمعُ الآذانُ. إنها جرأةٌ لا تُرافقُها حكمةٌ، وكأن الشجاعةَ هنا لا تتعدى حدودَ الورقةِ والقلمِ. إنها وقاحةٌ في حقِّ المكانِ، وفي حقِّ الوقتِ الذي لم يعد يحتملُ صرخاتٍ عقيمةً. الجرأةُ، في ثوبها هذا، لا تُغني عن فكرٍ متكلسٍ، عقلٍ ما زال يحيا في قرنٍ مضى، كأنما الزمنُ توقفَ عند بوابةِ العشرينياتِ، ولم يجرؤْ على العبورِ.

في الغربِ، منذُ القرنِ التاسعِ عشرَ، فارقَ الفكرُ بين الغريزةِ والعاطفةِ، وبين الدافعِ الجنسيِ والسلوكِ الإنسانيِ، حتى صارَ التمييزُ بينهما كتمييزِ النورِ من الظلمةِ. أما نحنُ، فما زلنا نُلبسُ الحبَّ ثوبَ العورةِ، ونُلبسُ العورةَ ثوبَ الحبِّ.

هل هوَ تخلّفٌ لغويٌّ؟ أم تخلّفٌ اقتصاديٌّ؟ أم هو تخلّفٌ روحيٌّ عميقٌ؟

العلاقةُ بين الجنسينِ عندنا ما زالتْ مشدودةً بأوتارِ الشكِّ والريبةِ. كلُّ ابتسامةٍ تُفسرُ غوايةً، وكلُّ صمتٍ يُقرأُ رغبةً. الرجلُ لم يخرجْ من قصيدةِ «المرأةُ وعاءٌ»، والمرأةُ لم تنجحْ في كسرِ القالبِ الذي صُنعَ لها من طينِ الذلِّ والخوفِ. حتى رجالُ الدينِ، في بعضهم، ما زالوا يُردّدون كلامَ أجدادٍ عاشوا قبل ألفِ عامٍ، كأنما الزمنُ لم يمُرّ، وكأنما العقلُ لا يجوزُ أن يُفكرَ خارجَ قبرٍ نُسجَ له من حريرِ التقليدِ.

ومن بعيدٍ، تلوحُ في الأفقِ أفكارٌ عن «الجنسِ الثالثِ» ومفاهيمِ الجندرِ، كأشباحٍ تسكنُ حدودَ الممكنِ والممنوعِ. لكننا لا نمتلكُ أدواتِ التحليلِ، ولا منهجَ النقدِ، فنرجعُ إلى الخلفِ، إلى التراثِ، إلى الأمانِ الزائفِ للماضي، فنُصيبُه بالقداسةِ ونُلبسُه ثوبَ القدرِ، ونُعلي من شأنِ التعصبِ حتى يصيرَ ديناً، ونُنتجُ شباباً يعيشُ خارجَ زمانه، كأنما هو نبتٌ شيطانيٌ في بستانٍ مُهجورٍ.

إنها ليست مسألةً خلقيةً فحسب، بل هي مسألةُ وجودٍ: وجودُ عقلٍ يرفضُ أن يكبرَ، ووجودُ قلبٍ يرفضُ أن يحبَّ بلا خوفٍ، ووجودُ مجتمعٍ يُحبُّ أن يبقى طفلاً، حتى وإن أكلَ الزمانُ من عمرهِ قروناً.
التحليل النفسي