العودة إلى المقالات
دراسة نفسية وجودية الازدواجية الأخلاقية في النخبة العربية قراءة في ضوء علم النفس الاستخلافي ونموذج TLRT من التحليل السوسيولوجي إلى التشخيص الاستخلافي

Article

دراسة نفسية وجودية الازدواجية الأخلاقية في النخبة العربية قراءة في ضوء علم النفس الاستخلافي ونموذج TLRT من التحليل السوسيولوجي إلى التشخيص الاستخلافي

11 juin 2026

تمهيد: من التحليل السوسيولوجي إلى التشخيص الاستخلافي إن التحليل السوسيولوجي والنفسي الرصين الذي سبق عرضه لظاهرة الازدواجية الأخلاقية لدى النخبة التونسية لا يُشكّل سوى المدخل الأوّل لفهم عميق ومتكامل لهذه الظاهرة المركّبة. وعلى هذا الأساس يأتي علم النفس الاستخلافي ليقدّم قراءة مغايرة وأكثر رسوخاً وأشمل أفقاً، إذ يُعيد تأطير الظاهرة ضمن إطارها الأنثروبولوجي القرآني الأصيل. فنحن هنا لا نقف أمام مجرد 'نفاق سياسي' عابر أو 'انتهازية اجتماعية' ظرفية، بل أمام خلل بنيوي عميق متجذّر في طبيعة النفس الإنسانية، تمتد جذوره في الفطرة، وتتحكّم في مساراته آليات الأضلاع الثمانية، وتتعطّل بسببه الغاية الوجودية الكبرى التي وُجد الإنسان لتحقيقها.

دراسة نفسية وجودية
الازدواجية الأخلاقية في النخبة التونسية
قراءة في ضوء علم النفس الاستخلافي ونموذج TLRT
من التحليل السوسيولوجي إلى التشخيص الاستخلافي

إعداد:
الباحث عبد السلام الزراع
2024

تمهيد: من التحليل السوسيولوجي إلى التشخيص الاستخلافي
إن التحليل السوسيولوجي والنفسي الرصين الذي سبق عرضه لظاهرة الازدواجية الأخلاقية لدى النخبة التونسية لا يُشكّل سوى المدخل الأوّل لفهم عميق ومتكامل لهذه الظاهرة المركّبة. وعلى هذا الأساس يأتي علم النفس الاستخلافي ليقدّم قراءة مغايرة وأكثر رسوخاً وأشمل أفقاً، إذ يُعيد تأطير الظاهرة ضمن إطارها الأنثروبولوجي القرآني الأصيل. فنحن هنا لا نقف أمام مجرد 'نفاق سياسي' عابر أو 'انتهازية اجتماعية' ظرفية، بل أمام خلل بنيوي عميق متجذّر في طبيعة النفس الإنسانية، تمتد جذوره في الفطرة، وتتحكّم في مساراته آليات الأضلاع الثمانية، وتتعطّل بسببه الغاية الوجودية الكبرى التي وُجد الإنسان لتحقيقها.
وبناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى استحضار الجهاز المفاهيمي لعلم النفس الاستخلافي بكامل ثقله التحليلي والعلاجي لمساءلة الظاهرة، والكشف عن أبعادها الخفيّة التي تعجز عن إدراكها المقاربات الوضعية وحدها.
أولاً: التشخيص الاستخلافي للظاهرة
1.1 طغيان النفس الأمارة وتحوّلها إلى 'أمارة مستفحلة'
في النموذج الاستخلافي، تُمثّل النفس الأمارة بالسوء الطبقة الدنيا من طبقات النفس الإنسانية، وهي الطبقة التي تنفرد فيها الرغبات الآنية والانفعالات الخام بالسيطرة على السلوك دون أدنى اعتبار للعواقب الأخلاقية
(الزراع، ص. 207). والذي نلحظه في هذه النخبة بعينها هو ما يمكن وصفه بـ'الأمارة المستفحلة'، أي أمارة بلغت من التمكّن والترسّخ درجةً يصعب معها الانعتاق منها، وتتجلّى مظاهرها في ثلاثة مستويات متداخلة:
• الانتهازية تتحوّل من سلوك طارئ إلى 'غريزة بقاء' راسخة في أعماق الشخصية.
• يغدو الكذب والتزلّف مهارتَين أساسيتَين لا يستغني عنهما الفرد في علاقاته وتحالفاته.
• تتقلّص النفس اللوامة أو تنطفئ جذوتها كليّاً، فيضمر الضمير الناقد حتى لا يكاد يُحسّ به.
وهذه الأمارة المستفحلة هي التي تمنح الفرد قدرةً عجيبة على حمل أيديولوجيات تقدمية على صعيد الخطاب، والانخراط في الوقت ذاته في منظومة رجعية على صعيد الممارسة، دون أن ينتابه إزعاج نفسي يُذكر من هذا التعارض الصارخ.
1.2 الفجور المُوظَّف شيطانياً: تغليف الانتهازية بالأغلفة المعرفية
يُعرَّف الفجور في النموذج الاستخلافي بوصفه الميلَ الفطريَّ الكامن في النفس نحو مجاوزة الحدود والانفتاح على المحظورات
(الزراع، ص. 108). غير أن الفجور لا يعمل في فراغ بل يستثمره البعد الرابع—أي الشيطان—ليُزيّنه ويُضفي عليه قشرةً من المقبولية. وتتجلّى هذه الآلية في ثلاثة مسالك رئيسية:
• تزيين الانتهازية: تحويلها من 'ضعف أخلاقي' يُستحى منه إلى 'ضرورة عملية' أو 'واقعية سياسية' يُحتجّ بها.
• تغليف الخيانة: بحيث يبدو الانخراط في منظومة السلطة وكأنه 'خدمة للوطن من الداخل' أو 'إصلاح من داخل المنظومة'.
• تبرير النفاق: عبر خطاب متقن يتذرّع بـ'الحرص على الوحدة الوطنية' و'تجنّب الاستقطاب' وصون 'المصلحة العامة'.
“تزيين المعصية، وإلقاء الخوف والشك في النفس، وتعكير صفو العزيمة”
— الحارث المحاسبي — الرعاية لحقوق الله، ص. 156
وهذا التزيين الشيطاني بالذات هو ما يجعل النخبة المعنيّة ترى نفسها في مرآة 'التقدميّة' وهي لا تزال تنعم بالدفء في أحضان السلطة القمعية، غير مُدرِكة للتناقض الذي تنطوي عليه هذه الصورة.
1.3 تعطّل النفس اللوامة: خبو الضمير الناقد
تشغل النفس اللوامة في النموذج الاستخلافي موقع الوعي الأخلاقي وجهاز المحاسبة الذاتية للإنسان
(الزراع، ص. 205). وفيما يخص هذه النخبة، نرصد ثلاثة أنماط من تعطّلها:
• إخماد اللوامة كليّاً: حيث يتبلّد الضمير بصورة تامة وتنتفي معه كل مشاعر الوخز أو الأسف.
• تخدير اللوامة: عبر حقن متواصل من المبرّرات الأيديولوجية الجاهزة التي تُضعف فاعليّتها دون أن تُلغيها بالكلية.
• انقلاب اللوامة على وظيفتها: أي توظيفها لا للمحاسبة بل للدفاع عن الانتهازية ذاتها، من قبيل 'نحن أكثر وعياً من غيرنا وأقدر على صناعة التغيير الحقيقي'.
ويُفسّر هذا التعطّل قدرةَ هذه النخبة على العيش في تناقض مزمن دون أن يُفضي ذلك إلى صراع داخلي حقيقي يدفعها نحو المراجعة والتحوّل.
1.4 البعد الرابع واستثمار ثغرة الفجور
يُحدّد النموذج الاستخلافي أن الشيطان—بوصفه البعد الرابع المضادّ—يستهدف النفس البشرية من خلال الثغرة التي يُوجِدها الفجور
(الزراع، ص. 1104). وفي سياق ظاهرتنا، يتجلّى هذا الاستثمار في مسارات ثلاثة متعاقبة:
• تصبح السلطة بنظامها وإغراءاتها الأداةَ التي يوظّفها البعد الرابع لشدّ النخبة نحو الهبوط.
• تُمثّل الانتهازية البوابةَ التي يتسلّل منها هذا البعد إلى عمق الشخصية.
• تُضحي الازدواجية الأخلاقية الثمرةَ الطبيعية لهذا التوظيف الشيطاني المتكامل.
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ﴾
سورة البقرة: 268
فالخوف الوجودي من فقدان الامتيازات هو الوقود الذي يُغذّي انتهازية هذه النخبة، والشيطان يُعدها بالأمان والحصانة في حين أنها تزداد غوصاً في الحضيض.
ثانياً: الظاهرة عبر عدسة الأضلاع الثمانية
2.1 الأضلاع الهابطة المهيمنة
تتحكّم في ديناميكية الظاهرة ثلاثة أضلاع هابطة تشكّل فيما بينها 'حلقة الهبوط' التي تُثبّت النخبة في مداراتها الانتهازية، وكلّما استجابت لنداء الأمارة ازداد الفجور تغذيةً وتعمّق تمكين الشيطان:
الضلع المسار التجلّي في الظاهرة
الضلع الأول فجور ← أمارة الميل الفطري للانتهازية يتغذّى ويتعمّق بالاستمرار في الممارسة واكتساب العادة
الضلع الثالث فجور ← شيطان الانفتاح على الانتهازية يفتح الباب أمام التزيين الشيطاني ويُسبغ عليه المشروعية
الضلع السابع شيطان ← أمارة الشيطان يُغذّي الأمارة بالوساوس المستمرة التي تُبرّر الانخراط في المنظومة وتُجمّله

2.2 الأضلاع الصاعدة المعطَّلة
يُوازي هذا الهيمنة الهابطة تعطّلٌ شامل للأضلاع الصاعدة التي كان من شأنها، لو تفعّلت، أن تفتح الطريق نحو النفس المطمئنة:
الضلع المسار سبب التعطّل
الضلع الثاني تقوى ← مطمئنة غياب التقوى الحقيقية—الوعي بالله والخشية منه—يسدّ الطريق نحو المطمئنة ويُقفل أبوابها
الضلع الرابع تقوى ← رحمة انعدام التقوى الأصيلة يُجفّف منابع الرحمة الإلهية ويُعطّل تدفّقها
الضلع الخامس أمارة ← لوامة النخبة تُقيم في الغفلة ولا تُفيق منها، فاللوامة معطلة أو منطفئة الجذوة
الضلع السادس لوامة ← مطمئنة بسبب إخماد اللوامة يُسدّ المسلك نحو المطمئنة ويستحيل الانتقال إليها
الضلع الثامن رحمة ← مطمئنة بلا تقوى لا رحمة، وبلا رحمة لا وصول إلى المطمئنة—وهكذا تنكسر الحلقة الصاعدة بأكملها

ويُفسّر هذا التعطّل الشامل للأضلاع الصاعدة السرَّ الحقيقي وراء استمرار هذه النخبة في مداراتها الهابطة، على الرغم مما تُظهره من 'نجاح' و'وجاهة' اجتماعية مُزيّفين.
ثالثاً: مفهوم الازدواجية الأخلاقية في ضوء الفطرة
3.1 الفجور والتقوى: الصراع الفطري في طور التشوّه
أودع الله في أصل الفطرة الإنسانية توازناً دقيقاً بين الفجور والتقوى. غير أن ما نلحظه في حالة هذه النخبة هو تشوّه ثلاثي الأبعاد لهذا التوازن الأصيل:
• تفعيل مفرط للفجور: يطغى على التقوى طغياناً يكاد يمحوها.
• تجميد للتقوى: أو تحويلها إلى خطاب شكلي أجوف يُردّد مفردات 'التحرر' و'الديمقراطية' دون ممارسة فعلية.
• انقلاب في الأدوار: تُمسي التقوى بمعناها الأصيل—الخشية من الله والالتزام بالقيم—عائقاً يُعرقل 'النجاح' في عالم الانتهازية ويُعاق به.
3.2 'الطفيليّة' بوصفها مرضاً في الفطرة
التعبير الدقيق الذي وُظّف في التوصيف السوسيولوجي السابق—'العيش كالطفيليات على موائد السلطان'—يحمل في ضوء النموذج الاستخلافي دلالة وجودية عميقة تتجلّى في ثلاثة أوجه:
• فقدان الاستقلال الوجودي: فالخليفة الحقيقي هو من يعمر الأرض بإرادته الحرة؛ أما الطفيلي فيفقد هذه الإرادة ويُصبح ملحقاً بمن يُطعمه.
• الارتباط بالمصدر لا بالغاية: الطفيلي لا يسعى لتحقيق غاية وجودية كبرى، بل ينشغل بالحصول على الامتياز الآني والمورد العاجل.
• فقدان الهوية: كما يفقد الطفيلي البيولوجي استقلاليّته الذاتية، يفقد هؤلاء هويتهم الأخلاقية والفكرية ويذوبون في منظومة العائل.
3.3 الازدواجية بوصفها 'فصاماً أخلاقياً'
يُطلق النموذج الاستخلافي على هذه الحالة مصطلح 'الفصام الأخلاقي'
(الزراع، ص. 1102)، حيث يتمزّق الإنسان بين مرجعيّتَين متناقضتَين لا تلتقيان:
• مرجعية الخطاب: تقدمية تحررية ديمقراطية متشحة بألفاظ الحقوق والكرامة والحرية.
• مرجعية الممارسة: انتهازية سلطوية استبدادية تعمل وفق منطق الغنيمة والنفوذ والولاء للأقوى.
وهذا الفصام ليس مجرد تعارض ظاهري بين الأقوال والأفعال، بل انقسام وجودي داخلي حقيقي يستنزف طاقة نفسية هائلة ويُحول دون الوصول إلى النفس المطمئنة التي هي منتهى الكمال الإنساني وغاية الوجود.
رابعاً: تفسير 'إجهاض الثورة' في ضوء النموذج الاستخلافي
4.1 النخبة بوصفها حاجزاً بنيوياً أمام التغيير
في النموذج الاستخلافي، لا يتحقق التغيير الحقيقي—الفلاح—إلا عبر تفعيل الأضلاع الصاعدة على المستوَين الفردي والجماعي. وهذه النخبة، بتعطيلها المنهجي لهذه الأضلاع، تُشكّل حاجزاً بنيوياً أمام أي إصلاح جوهري، وذلك لأسباب ثلاثة متشابكة:
• تمركزها في مواقع القرار وما يمنحها ذلك من قدرة على تحديد مسارات التغيير وضبطها.
• امتلاكها قدرة فائقة على امتصاص الضغوط الشعبية وتحييدها بخطابها المزدوج ذي الوجهَين.
• اكتسابها من خلال تجربتها الطويلة خبرةً رفيعة في 'التكيّف' مع الأنظمة المتعاقبة والبقاء على سطح الأحداث.
4.2 غياب 'الخبير الحي' ونقص النماذج المتعافية
يُعدّ مفهوم 'الخبير الحي' من أكثر المفاهيم خصوبةً وحيوية في النموذج الاستخلافي؛ وهو الفرد الذي اكتوى بنار الجرح الوجودي ثم أُعطي نعمة التعافي منه، فأصبح بفضل ذلك قادراً على مدّ يد المساعدة الحقيقية للآخرين
(الزراع، ص. 1062). وفيما يخص النخبة التونسية، تتضح عدة مفارقات مؤسفة:
• شبه اختفاء تام لنماذج المتعافين الذين يُجسّدون إمكانية التحرّر من التشوّه.
• هيمنة نموذج 'الجريح غير المتعافي' الذي يُعيد إنتاج جراحه في كل من يتعامل معه.
• استمرار دوامة الهبوط وتجديد دورتها بدلاً من إيجاد ما يقطعها ويُبدّلها.
4.3 الاستخلاف المعطَّل: النخبة من بانية إلى هادمة
الاستخلاف—بوصفه غاية الوجود الإنساني الكبرى—يعني عمارة الأرض بالعدل والإحسان والإعمار. أما هذه النخبة فقد قلبت هذا الدور رأساً على عقب، وتحوّلت من عامل بناء وعمران إلى عامل هدم وخراب على ثلاثة مستويات متتالية:
• تخريب الثقة الاجتماعية: إذ تُدمّر رصيد الثقة بين مكونات المجتمع بأساليبها المبطّنة.
• تخريب المؤسسات: إذ تنخرها من الداخل بثقافة الفساد والزبونية والولاء على حساب الكفاءة.
• تخريب الأجيال: إذ تُقدّم للناشئة نموذجاً منحرفاً للنجاح مبنياً على الانتهازية لا على الكفاءة والنزاهة.
﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾
سورة البقرة: 205
خامساً: الأفق العلاجي في ضوء النموذج الاستخلافي
5.1 التشخيص الوجودي: تفكيك منظومة التبريرات
تنطلق المرحلة الأولى من بروتوكول TLRT من 'التشخيص الوجودي'
(الزراع، ص. 905)، وهو يقتضي ثلاثة إجراءات متتالية:
• كشف الأيديولوجيات التي تُوظَّف لتسويغ الانتهازية وتجميلها.
• تسمية التعارض الصارخ بين الخطاب والممارسة بمسمّاه الحقيقي دون مجاملة أو التفاف.
• تفكيك 'الأنا الأعلى القاسي' الذي يُقيم وراء الخطاب التقدمي مُستتراً خلف شعور زائف بالتفوق الأخلاقي والجدارة النخبوية.
5.2 تفعيل النفس اللوامة: استحياء الضمير النائم
لا سبيل إلى علاج هذه الظاهرة دون تفعيل الضلع الخامس أي مسلك الانتقال من الأمارة إلى اللوامة
(الزراع، ص. 906)، وهو ما يستلزم ثلاثة شروط:
• تهيئة الظروف التي تُتيح للنخبة مواجهة تناقضاتها وجهاً لوجه دون مسالك للهروب.
• تقديم نماذج بديلة من 'الخبراء الأحياء' الذين يُجسّدون إمكانية تحقيق النجاح الحقيقي بمعزل عن الانتهازية.
• إحياء أدوات المحاسبة الذاتية التي أبدع علماء التربية الإسلامية في صياغتها وتأطيرها.
5.3 إعادة بناء صورة الله: من السلطان إلى الرحمن
الارتباط المَرَضي بـ'موائد السلطان' ينبع في جوهره من خلل عميق في صورة الله لدى هذه النخبة. فهم يتعلّقون بالسلطان لأنهم افتقروا إلى الثقة الوجودية برزق الله وفضله. وإعادة بناء صورة الله
(الزراع، ص. 67-95) بوصفه 'الرزاق' و'الغني الحميد' هو في حقيقته علاج وجودي جذري لهذه التبعية المَهينة، يُعيد للإنسان كرامته ويُحرّره من أسر العائل.
5.4 الجسر السلوكي: الانتقال من الانتهازية إلى الإحسان
يستلزم المسار العلاجي تشييد 'الجسر السلوكي'
(الزراع، ص. 906) الذي يُعبر بالفرد من ضفة الانتهازية إلى ضفة العطاء والإحسان، وذلك عبر ثلاثة تحوّلات متتالية:
• تحويل الطاقة المُهدَرة في 'التكيّف' مع النظام إلى طاقة إصلاحية خلاّقة.
• إحلال 'خدمة المجتمع' محلّ 'خدمة السلطان' بوصفها الدافع الأساسي للفعل.
• ممارسة الإحسان بديلاً وجودياً حقيقياً وراسخاً للانتهازية السائدة.
5.5 الكينتسوغي النفسي: تحويل الجرح إلى ينبوع حكمة
يمكن النظر إلى تجربة هذه النخبة على أنها جرح وجودي عميق، وهنا يتجلّى الأفق الذي يفتحه مفهوم 'الكينتسوغي النفسي'
(الزراع، ص. 1062) بأبعاده الثلاثة:
• الماضي لا يُمحى ولا يُنكر، بل يُرمَّم بذهب الإحسان ويُعاد تأطيره في سرديّة الخلاص.
• من عاش هذه التجربة وأفاق منها يكتسب قدرة فريدة على مساعدة غيره من الواقعين في الشرك ذاته.
• الجرح الوجودي يتحوّل في نهاية المطاف من علامة عار إلى مصدر حكمة وتميّز وشهادة حيّة على إمكانية التحرّر.
سادساً: التكامل المنهجي بين الرؤيتَين
تُشكّل الرؤيتان السوسيولوجية والاستخلافية مجتمعتَين منظومةً تفسيرية متكاملة، حيث تكشف الأولى البنية الاجتماعية الخارجية للظاهرة فيما تنفذ الثانية إلى بنيتها النفسية والوجودية الداخلية. وفيما يلي مقاربة مقارنة تُجلّي هذا التكامل:
الظاهرة المنهج السوسيولوجي-النفسي النموذج الاستخلافي
مصدر الإشكالية بنية سياسية استبدادية وتاريخ مديد في تشكيل النخبة خلل في بنية النفس: طغيان الأمارة وتعطّل اللوامة
آليات الازدواجية التنافر المعرفي ومراقبة الذات بصورة مفرطة التزيين الشيطاني وتغليف الفجور بمعارف زائفة
الانعكاسات تفكيك الثقة العامة وإجهاض الديناميكيات الثورية تعطيل الاستخلاف وسدّ المسالك نحو النفس المطمئنة
المقاربة العلاجية إصلاح مؤسساتي وتجديد المنظومة التربوية تفعيل الأضلاع الصاعدة وإعادة بناء الصورة الإلهية

هذا التكامل المنهجي يُتيح فهماً استيعابياً شاملاً قادراً على أن يُشكّل أساساً صلباً لإستراتيجية علاج حقيقية متعددة المستويات.
خاتمة: الظاهرة بين المرض الروحي والداء الاجتماعي
في ضوء ما سبق من تحليل وتدقيق، تنكشف الازدواجية الأخلاقية للنخبة التونسية في ضوء علم النفس الاستخلافي على أنها ظاهرة ذات أبعاد خمسة متداخلة:
1. مرض في الفطرة: إذ طغى الفجور على التقوى وتصدّع التوازن الفطري الذي فطر الله الناس عليه.
2. تعطّل في الأضلاع: إذ هيمنت الأضلاع الهابطة وشلّت الصاعدة، فأُغلقت المسالك نحو الكمال.
3. غياب للنفس اللوامة: مما أتاح للتناقض أن يستمر ويترسّخ دون أن يُفضي إلى توبة حقيقية أو مراجعة جوهرية.
4. استثمار شيطاني منظّم: عبر آليات التزيين والتغليف بالأغلفة المعرفية الزائفة.
5. تعطيل للاستخلاف: إذ تحوّلت النخبة من أداة عمارة وبناء إلى أداة خراب وهدم.
والعلاج ليس محالاً، غير أنه يستلزم منظومة متكاملة من الشروط:
1. وعياً نقدياً بالآليات المضمَرة عبر التشخيص الوجودي الصريح.
2. استحياءً للضمير الناقد عبر تفعيل النفس اللوامة وصون جذوتها.
3. تحوّلاً جذرياً في المرجعية الوجودية: من السلطان إلى الرحمن، ومن الطفيلية إلى الاستخلاف.
4. تشييداً للجسور السلوكية التي تُعبر بالإنسان من ساحل الانتهازية إلى ساحل الإحسان.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾
سورة الرعد: 11
تُلخّص هذه الآية الكريمة رسالة النموذج الاستخلافي في أعمق تجلّياتها: إن التغيير الاجتماعي الجذري لا يُبنى إلا على أسس تغيير ما في النفوس. والنفوس التي تشفى من ازدواجيّتها قادرة على أن تغدو حجر الأساس لمجتمع يقوم على الاستخلاف لا على الطفيلية، وعلى الإحسان لا على الانتهازية، وعلى الأمانة في الاستئمان لا على الخيانة في الائتمان.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
المصادر والمراجع
الزراع، عبد السلام. (2023). علم النفس الاستخلافي: نموذج الأضلاع الثمانية (الأطروحة الاستخلافية).
الصفحات المُستشهد بها: 67-95، 108، 205-207، 905-906، 1062، 1102، 1104.
المحاسبي، الحارث بن أسد. الرعاية لحقوق الله. تحقيق: عبد القادر أحمد عطا. دار الكتب العلمية، بيروت.
الصفحات المُستشهد بها: 156.