العودة إلى المقالات
الخطاب الديني و التربية

Article

الخطاب الديني و التربية

تاريخ غير متوفر

عبد السلام الزراع - ٢٥/٠٢/٢٠٢٦ بسم الله الرحمن الرحيم : دور المربي والخطاب الديني في تشكيل صورة الله في وجدان الفرد - دراسة تحليلية من منظور نموذج العلاج التكاملي (TRTT)

الخطاب الديني و التربية
عبد السلام الزراع - ٢٥/٠٢/٢٠٢٦
بسم الله الرحمن الرحيم

: دور المربي والخطاب الديني في تشكيل صورة الله في وجدان الفرد - دراسة تحليلية من منظور نموذج العلاج التكاملي (TLRT)

إعداد الباحث: عبد السلام الزراع
تاريخ البحث: 25/02/2026

المقدمة

تعد صورة الله في وجدان الإنسان من أعمق البنى النفسية وأكثرها تأثيراً في تشكيل هويته الروحية والأخلاقية، بل وفي تحديد علاقته مع ذاته ومع العالم من حوله. فهذه الصورة ليست مجرد مفهوم تجريدي أو فكرة عقدية جامدة، بل هي كيان حي يتفاعل مع النفس، يمنح الأمان أو يثير القلق، يبعث على الرجاء أو يقود إلى اليأس. والمتتبع لمسارات النمو النفسي والديني يجد أن هذه الصورة لا تتشكل في فراغ، بل تتغذى من منابع متعددة، يتصدرها الممثلون الأوائل للسلطة والحب في حياة الفرد (الوالدان)، ثم الخطاب الديني الذي يقدمه رجال الدين والمؤسسات الدينية.

من هنا، يأتي هذا البحث ليحلل بعمق الدور المحوري الذي يلعبه كل من المربي (الأب والأم) والخطاب الديني التقليدي في تشكيل أو تشويه صورة الله في وجدان الفرد، مستنداً إلى رؤى وأدلة مستقاة من مشروع علاجي متخصص يعتمد على نموذج العلاج التكاملي (TLRT). سيسعى البحث إلى تفكيك آليات تشكل هذه الصورة، وكيف تتحول التجارب الإنسانية المبكرة مع الوالدين، وأنماط التلقي الديني، إلى "إله داخلي" يعيش مع الإنسان إما رحيماً ودوداً أو قاسياً منتقماً. كما سيركز على الجانب العلاجي في المشروع الذي يهدف إلى "تطهير" الصورة الإلهية من الشوائب البشرية وإعادة بنائها وفق نصوص الوحي الرحيمة. وتكمن إشكالية البحث في التساؤل الرئيس: كيف تساهم التربية والخطاب الديني في تشكيل صورة الله، وكيف يمكن تجاوز التشوهات الناجمة عن ذلك؟ للإجابة عن هذا التساؤل، سيتم تقسيم البحث إلى أربعة أقسام رئيسية: الأول يتناول الإطار النظري لمفهوم التمثلات والإسقاط، والثاني يركز على دور المربي وآلية الإسقاط النفسي، والثالث يناقش دور رجال الدين والخطاب الديني، والرابع يعرض الموقف العلاجي في المشروع لتفكيك الصور المشوهة وتحويلها.

أولاً: الإطار النظري - التمثلات النفسية وآلية الإسقاط

لفهم كيفية تشكل صورة الله في النفس، لا بد من العودة إلى المفاهيم الأساسية في علم النفس التحليلي والعلاجي، والتي تؤكد أن علاقة الفرد بالخالق تتأسس غالباً على نموذج علاقته بمقدمي الرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة.

· مفهوم "التمثلات الداخلية" (Internal Representations): في السنوات الأولى من حياة الطفل، يكون الأبوان هما العالم بأسره. كل تجربة معهما، سواء كانت تجربة أمان وحب أو تجربة خوف وعقاب، لا تمر مرور الكرام، بل تترك أثراً عميقاً يتشكل على هيئة "تمثلات داخلية" [621، 622]. هذه التمثلات هي بمثابة قوالب أو نماذج عاطفية ومعرفية تُختزن في اللاوعي، وتصبح فيما بعد هي "النظارة" التي يرى بها الفرد كل علاقات اللاحقة، وفي مقدمتها علاقته بالله. فالأب الحنون يصبح نواة لتصور إله قريب مجيب، بينما الأب القاسي والمتطلب يصبح أرضاً خصبة لتصور إله قاضٍ لا يرحم.
· آلية الإسقاط (Projection Mechanism): تعد آلية الإسقاط من أهم الآليات الدفاعية واللاشعورية التي تفسر انتقال صفات المربي إلى الذات الإلهية. فالإنسان الذي عانى من قسوة والده أو عدم اكتراث أمه، يحمل في داخله مشاعر معقدة تجاه هذه الشخصيات. بدلاً من التعامل مع هذه المشاعر بوعي، يقوم العقل الباطن بإسقاطها على الله، فيُحمّله صفات تشبه صفات من آذاه أو قصّر في حقه. هكذا، يصبح الله في مخيلته كياناً يُسقط عليه "صورة الأب القاسي" [1] أو "الأم الغائبة"، فيتعامل معه وكأنه ذلك الأب الذي لا يرضى أبداً، أو تلك الأم المنشغلة التي لا تسمع النداء. هذا الإسقاط يحوّل العلاقة مع الله من علاقة توحيد خالص إلى علاقة مسقطة ومشوشة.
· التمييز بين صوت المربي وصوت الضمير الإلهي: يقدم النموذج العلاجي (TLRT) تمييزاً دقيقاً وحاسماً بين ما هو إلهي وما هو بشري داخل النفس. فهناك "صوت الضمير الإلهي الرحيم" الذي يحث على الخير ويؤنب على الخطأ بدافع الحب والإصلاح. وفي المقابل، هناك "صوت المربي الداخلي القاسي" (Harsh Inner Critic) الذي تم استدماجه (استيعابه) من الوالدين أو المجتمع [326، 335، 345]. هذا الصوت البشري المستدمج هو الذي يمارس دور الجلاد الداخلي، فيجلد الذات ويقمعها باسم الدين، فيخلق شعوراً بالذنب المرضي والمعيق للحياة، بدلاً من الذنب الوظيفي المحفز على التوبة والإصلاح []. فهم هذه الآليات هو المفتاح لتفكيك الصورة المشوهة.

ثانياً: دور المربي (الوالدين) في تشكيل صورة الله - آلية الإسقاط

يؤكد المشروع أن الوالدين هما الركيزة الأولى والأعمق في تشكيل التصور الأولي عن الله، وذلك من خلال عدة مسارات:

1. التمثلات المبكرة كمواد خام للإله الداخلي: الطفل لا يولد وفي ذهنه صورة محددة عن الله. إنه يبني هذه الصورة تدريجياً من خلال تفاعلاته مع والديه . فالأب والأم يمثلان المصدر الأول للرعاية والعطاء، وكذلك المصدر الأول للحرمان والعقاب. هذا الثنائي (حب/عقاب) هو المادة الخام التي ستُصاغ منها صورة الإله. إذا كان الوالدان مصدر أمان وحب غير مشروط، فإن صورة الله تتشكل على أساس تلك المشاعر. أما إذا كانا مصدر خوف وتوتر، فإن الله سيكون امتداداً لذلك الخوف.
2. إسقاط صورة الأب الأرضي على الأب السماوي: تبرز في هذا السياق حالة إسقاط صورة الأب الأرضي تحديداً على الله [1]. فالمريض الذي عانى من أب قاسٍ، متطلب، لا يرضيه شيء، أو يمارس عقوبات قاسية دون تفسير، غالباً ما ينمو داخله إيمان لا واعي بأن الله كذلك. يظل يعيش في حالة ترقب وخوف دائمين من عقاب إلهي وشيك، ويشعر بأنه لا يمكنه أبداً إرضاء هذا الإله، تماماً كما كان حاله مع أبيه. وبالمثل، فإن غياب الأم أو انشغالها العاطفي يمكن أن يُستبطن في صورة إله بعيد، لا يصغي إلى الدعاء ولا يستجيب [].
3. استدماج صوت المربي كضمير معذب: لا تقتصر عملية التشويه على الإسقاط فقط، بل تمتد لتشكل "صوتاً داخلياً" يمارس دور الناقد القاسي. هذا الصوت هو حصيلة الكلمات القاسية، والعبارات اللومية، والانتقادات المتكررة التي سمعها الطفل من والديه أو معلميه. عندما يكبر هذا الطفل، يتبنى هذا الصوت ويجعله جزءاً من ضميره الديني. فيصبح يجلد نفسه بعبارات مثل: "أنت لا تستحق المغفرة"، "الله سيعاقبك حتماً"، "توبتك غير مقبولة". هنا، يكون الجلاد الحقيقي ليس الدين ولا الله، بل "الأنا الأعلى" المشوه الذي تمت برمجته منذ الطفولة.

ثالثاً: دور رجال الدين والخطاب الديني في تشكيل صورة الله

بعد الأسرة، يأتي دور الخطاب الديني الذي يقدمه رجال الدين والمؤسسات الدينية ليكمل عملية تشكيل الصورة الإلهية، إما بتصحيحها أو بتأكيد التشوهات الموجودة.

1. الخطاب الديني المتطرف أو القاسي: يعيش الكثير من الناس في بيئات دينية يغلب على خطابها التركيز على العقاب والسخط الإلهي، وتهميش خطاب الرحمة والمغفرة. هذا الخطاب الذي يركز على "الله القاضي" الذي يترقب زلات عباده، و"الله المنتقم" الذي لا يغفر، يحوّل العلاقة مع الله إلى علاقة خوف ووجل مرضي، لا إلى علاقة حب وخشية ]. هذا التشكيل الأحادي للصورة الإلهية يجعل المؤمن يعيش في حالة من القلق الوجودي الدائم، ويحرمه من الأمان النفسي الذي يوفره الإيمان بالله الرحيم الودود.
2. تشويه المفاهيم القرآنية والخلط بين الذنوب: من أخطر آفات الخطاب الديني التقليدي قدرته على تشويه المفاهيم القرآنية الكبرى. فمثلاً، يتم الخلط بين "الذنب الوظيفي" و"الذنب المرضي" [، ]. الذنب الوظيفي هو ذلك الشعور الصحي الذي ينبه المؤمن إلى خطأه فيحفزه على الإصلاح والتوبة والعودة إلى الله. أما الذنب المرضي فهو شعور مزمن ومعيق يدفع الإنسان إلى اليأس والقنوط وشلل الحركة. الخطاب التقليدي، عبر تركيزه على الترهيب دون تقديم جسر منهجي حقيقي للتوبة والتحول السلوكي، قد يحوّل الذنب الوظيفي إلى مرض مزمن.
3. استغلال الفراغ بالتجهيل: في غياب الفهم النفسي والعلمي لاضطرابات النفس البشرية، تقوم بعض التيارات الدينية بتقديم تفسيرات دينية مغلفة للظواهر النفسية [، ]. فعندما يعاني شخص من اكتئاب أو وسواس أو هلوسة، يتم تفسير ذلك بأنه "مس شيطاني" أو "حسد" أو "سحر". هذا النوع من التفسير لا يؤدي فقط إلى إبعاد المريض عن العلاج النفسي العلمي، بل يزيد من تشوه العلاقة بين العبد وربه. فالمريض يظن أن الله يسلط عليه الشياطين، مما يخلق عقدة جديدة مع الله، ويصعب الوصول إلى الشفاء الحقيقي الذي يحتاج إلى تفكيك نفسي ومعرفي، وليس إلى طقوس تزيد الأمر تعقيداً.

رابعاً: الموقف العلاجي في المشروع - التفكيك والتحويل

بعد أن حدد المشروع مصادر التشوه، يقدم نموذجه العلاجي (TLRT) خطة متكاملة لعلاج هذه التشوهات وإعادة بناء صورة الله على أسس صحيحة. ويركز الموقف العلاجي على ثلاث مراحل رئيسية:

1. فصل الصورتين (Differentiation): يبدأ العلاج بمرحلة التوعية والتفكيك، حيث يتم تعليم المريض كيفية "فصل صورة البشر عن صورة الخالق" [355، 356]. يتعلم المريض أن هناك فرقاً جوهرياً بين المحدود البشري (الذي قد يخطئ ويظلم ويقصّر) واللامحدود الإلهي (الذي هو أرحم الراحمين وأعدل العادلين). يتم مساعدة المريض على إدراك أن الله ليس مثل أبيه القاسي، وليس مثل أمه المنشغلة، وليس مثل الشيخ المتشدد. هذا الفصل الإدراكي هو الخطوة الأولى نحو الحرية النفسية.
2. تحليل النصوص الداخلية (Deconstruction of Internalized Texts): يطالب النموذج المريض بالقيام بتمرين عملي: أن يسجل في دفتر خاص جميع العبارات الدينية التي يرددها على نفسه باستمرار، أو التي تسبب له القلق والخوف []. ثم يُطلب منه تحليل مصدر كل عبارة: هل هذه العبارة موجودة في القرآن الكريم بهذا المعنى؟ أم أنها من السنة النبوية الصحيحة؟ أم أنها مجرد صدى لصوت معلم صارم، أو واعظ متشدد، أو أب قاسٍ؟ هذا التمرين يكشف للمريض كم من الأفكار التي يعتقد أنها دينية هي في الحقيقة مجرد "إسقاطات بشرية" تم تلبيسها ثوب الدين.
3. إعادة بناء الصورة بالوحي (Reconstruction through Revelation): بعد تفكيك الصورة المشوهة، تبدأ مرحلة إعادة البناء، ولكن ليس على أساس الخبرات البشرية المؤلمة، بل على أساس النص القرآني الصحيح والأسماء الحسنى []. يسعى المشروع إلى استبدال صورة "القاضي السادي" أو "الجلاد" بصورة "الرب الشاهد الرحيم"، "الودود"، "الغفور"، "القريب المجيب". يتم تعميق فهم المريض لنصوص الرحمة والمغفرة في القرآن، لبناء علاقة جديدة مع الله تقوم على "الحب والرجاء" بدلاً من "الخوف المرضي" [، ]. الهدف هو تحرير النفس من سجن "الأنا الأعلى" المشوه وإطلاقها في رحاب الله الواسع.

الخاتمة والنتائج

في ختام هذا البحث المعمق، يمكن القول إن العلاقة بين الإنسان وربه هي علاقة مقدسة في جوهرها، لكنها تتشكل عبر قوالب بشرية قابلة للصواب والخطأ. يؤكد التحليل المستند إلى مشروع (TLRT) أن تشوه صورة الله في وجدان الفرد ليس ناتجاً عن حقيقة الذات الإلهية المنزهة عن كل نقص، بل هو نتاج تراكمي لخبرات إنسانية مؤلمة مع المربين، وأنماط خاطئة من التلقين الديني. إنه في جوهره "تأليه لصوت المربي أو المجتمع" [].

الخلاصة الجوهرية التي يخرج بها هذا البحث هي أن علاج التشوه الديني يمر حتماً عبر وعي عميق بآليات الإسقاط النفسي، وفصل ما هو بشري (محدود، خاطئ، قاسٍ) عما هو إلهي (لامحدود، كامل، رحيم). إن تطهير الصورة الإلهية من الشوائب البشرية التي علقت بها بسبب التربية القاسية أو الوعظ الجاف هو مهمة وجودية لاستعادة صحة العلاقة مع الخالق. وهذا يتطلب جهداً علمياً ودعوياً وعلاجياً متكاملاً لإعادة تقديم صورة الله كما وردت في الوحي: إله يقوم على الرحمة والعدل والحكمة، لا على صور مستنسخة من عقد البشر وضعفهم. إن تحقيق هذا الفصل بين "إله الوحي" و"أصنام التربية" هو السبيل الوحيد لنفس تطمئن إلى ربها، وتعبده حباً وشوقاً، لا خوفاً وفراراً من عقابه.


**العلاج بحرث المصالحة التحويلية (TLRT)** هو نموذج **علاجي تكاملي** يهدف إلى تحويل عقدة الذنب المرضية من "وصمة" تؤدي للعجز إلى **"رسالة" وفاعلية إحسانية منتجة** [، ]. تقوم الفكرة المحورية لهذا النموذج على اعتبار الذنب **طاقة وجودية محتجزة** لا ينبغي مجرد إزالتها، بل يجب **توجيهها** نحو بناء **"جسر سلوكي"** يحول الندم إلى عطاء ملموس للمجتمع [، ]. يتحقق هذا التحول عبر مسار **حلزوني خماسي المراحل** يدمج بين تفكيك الأنا الأعلى (التحليل النفسي)، والبحث عن المعنى (العلاج الوجودي)، والتأصيل الإسلامي لمراتب النفس [، ، ].