صورة المقال
Article
القضاء والقدر بين الفلسفة الكلامية وعلم النفس الاستخلافي
تاريخ غير متوفر
يتناول هذا البحث مسألة القضاء والقدر في الفكر الإسلامي من منظور فلسفي مقارن موسَّع، مركزاً على المواقف المختلفة للمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والجبرية، محللاً إياها عبر سبعة محاور كبرى: مفهوم السببية وأنواعها، طبيعة الفعل الإنساني والإرادة، العلاقة بين العلم الإلهي الأزلي والحرية البشرية، إشكالية الشر والعدالة الإلهية، أسس المسؤولية الأخلاقية، نماذج المعرفة الوسطى (Middle Knowledge)، وإسهامات الفلسفة الغربية الحديثة (كانط، سارتر، فرانكل).
بحث أكاديمي محكم
القضاء والقدر بين الفلسفة الكلامية
وعلم النفس الاستخلافي
بقلم عبد السلام الزراع
قراءة تركيبية موسّعة في نماذج السببية والحرية
والمسؤولية الوجودية
مع تعقيب استخلافي في ضوء نظرية الفطرة والنفس اللوامة والأضلاع الثمانية
عبد السلام الزراع
علم النفس الاستخلافي – نموذج TLRT
الطبعة الموسّعة | 2026 م
الملخص
يتناول هذا البحث مسألة القضاء والقدر في الفكر الإسلامي من منظور فلسفي مقارن موسَّع، مركزاً على المواقف المختلفة للمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والجبرية، محللاً إياها عبر سبعة محاور كبرى: مفهوم السببية وأنواعها، طبيعة الفعل الإنساني والإرادة، العلاقة بين العلم الإلهي الأزلي والحرية البشرية، إشكالية الشر والعدالة الإلهية، أسس المسؤولية الأخلاقية، نماذج المعرفة الوسطى (Middle Knowledge)، وإسهامات الفلسفة الغربية الحديثة (كانط، سارتر، فرانكل).
يخلص القسم الأول إلى أن المعتزلة قدّموا الحل الأكثر انسجاماً من الناحيتين العقلانية والأخلاقية، وإن لم يخلُ من إشكالات ميتافيزيقية عميقة تتعلق بحدود الفاعلية البشرية وعلاقتها بالوحدانية الإلهية. فيما أثارت مقاربة الأشاعرة بعقيدة الكسب إشكالات المسؤولية والعدل، وبقيت الحتمية الفلسفية عند ابن سينا والفارابي حلاً ميتافيزيقياً ذا طابع تجريدي.
ثم ينتقل البحث إلى قراءة هذه المسألة في ضوء علم النفس الاستخلافي (نموذج TLRT) لعبد السلام الزراع، الذي يتجاوز الجدل الكلامي التقليدي إلى رؤية تركيبية وجودية تقوم على مفاهيم: الفطرة المزدوجة (الفجور والتقوى)، مستويات النفس (الأمارة، اللوامة، المطمئنة)، الأضلاع الثمانية، والاستخلاف كغاية وجودية. ويُقارن البحث هذا النموذج بمقاربات فكرية غربية مكمِّلة، من بينها: اللوغوثيرابيا عند فيكتور فرانكل، الأخلاق المستقلة عند كانط، والحرية المطلقة عند سارتر؛ ليُبيّن أن الاستخلافية تُشكّل "الطريق الثالث" الذي يتجاوز الجبرية والتفويضية معاً نحو حرية مؤطَّرة بالمسؤولية الوجودية.
يخلص البحث إلى أن نظرية الاستخلاف لا تنفي الاختيار الإنساني ولا توقع في الجبر، بل تؤسس لـ "حرية مؤطَّرة" بالفطرة والمسؤولية الوجودية، محوِّلةً سؤال "هل الإنسان مجبور أم مخير؟" إلى سؤال "كيف يوظّف الإنسان حريته لتحقيق الاستخلاف والنفس المطمئنة؟"، ومن ثَمَّ إلى مشروع عملي علاجي تحويلي يُسمى نموذج TLRT.
الكلمات المفتاحية القضاء والقدر | المعتزلة | الأشاعرة | علم النفس الاستخلافي | الفطرة | النفس اللوامة | الأضلاع الثمانية | الاستخلاف | الحرية المؤطرة | TLRT | فرانكل | كانط | سارتر | المعرفة الوسطى
مقدمة: إشكالية القضاء والقدر في الفكر الإنساني
تُعدّ مسألة القضاء والقدر من أعمق القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي وغير الإسلامي على حدٍّ سواء، لما تنطوي عليه من تداخل عضوي بين العقيدة والأخلاق والفلسفة وعلم النفس. ولا يكفي هنا القول إنها مسألة "دينية" محضة؛ إذ إن كل نظام فكري – سواء أكان لاهوتياً أم وجودياً أم مادياً – لا بد أن يُعطي موقفاً صريحاً أو ضمنياً من حرية الإرادة والحتمية.
في الفكر الإسلامي تحديداً، تفرّعت المواقف بين اتجاهات تميل إلى الجبر الكامل، وأخرى تؤكد الاختيار الإنساني المطلق، وثالثة تحاول التوفيق عبر مقاربات مركّبة. غير أن هذه النقاشات – مع ثرائها – ظلّت في جوهرها نقاشات "نظرية كلامية" لم تُفضِ إلى رؤية علاجية وجودية تُعين الإنسان على فهم نفسه وإدارة حياته.
وتبرز المذاهب الكلامية الكبرى (المعتزلة والأشاعرة) إلى جانب المذاهب الفلسفية (ابن سينا والفارابي) والتيار الجبري، في محاولة لتقديم إجابات متماسكة عن أسئلة جوهرية لا تزال حاضرة في الوعي الإنساني المعاصر:
▸ هل الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأفعاله، أم أن الله هو الخالق الوحيد لها؟
▸ كيف يمكن الجمع بين العلم الإلهي الأزلي وحرية الإرادة الإنسانية؟
▸ إذا كان الله عادلاً، فكيف يخلق الكفر ثم يعاقب عليه؟
▸ ما الأساس العقلاني أو الفطري للمسؤولية الأخلاقية؟
▸ هل للحرية معنى في عالم تحكمه قوانين طبيعية ثابتة؟
يتناول هذا البحث هذه الأسئلة من خلال مقارنة فلسفية معمّقة بين أربعة تيارات رئيسية في الفكر الإسلامي، مستعيناً بشواهد من الفلسفة الغربية الحديثة (كانط وسارتر وفرانكل وموليينا)، ثم ينتقل إلى قراءة تركيبية في ضوء علم النفس الاستخلافي الذي يتجاوز الجدل التقليدي إلى رؤية وجودية أخلاقية تركّز على "الفاعل المسؤول" و"الاستخلاف" كغاية للحرية الإنسانية.
❝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۞ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ❞
(الشمس: 8-10)
هذه الآيات تُلخّص قضية البحث بأجمعها: الإلهام (الفطرة) لا الإجبار، والاختيار (التزكية أو الدسّاوة) لا الحتمية، والمسؤولية (الفلاح أو الخيبة) لا العشوائية. وما علم النفس الاستخلافي إلا محاولة لتفسير هذه المعادلة القرآنية في لغة نفسية وجودية معاصرة.
القسم الأول: المقارنة الفلسفية الكلامية
أولاً: المحاور الفلسفية الكبرى – جدول المقارنة الشامل
سنقارن بين التيارات الأربعة (المعتزلة، الأشاعرة، الفلاسفة، الجبرية) عبر سبعة محاور فلسفية:
المحور المعتزلة الأشاعرة الفلاسفة الجبرية
السببية سببية حقيقية؛ الفاعل سبب حقيقي لفعله لا سببية حقيقية؛ العادة الإلهية (Occasionalism) سلسلة علّية ضرورية؛ حتمية عقلية لا سببية بشرية إطلاقاً
الفعل الإنساني الإنسان خالق لفعله بالقدرة التي أودعها الله فيه الإنسان "كاسب" للفعل والله خالقه الفعل نتيجة طبيعة الإنسان وقواه النفسية-العقلية لا فعل إنساني حقيقي؛ الإنسان آلة تنفيذ
العلم الإلهي والحرية العلم تابع للمعلوم؛ لا يُوجب الفعل العلم مُوجب؛ ما عُلم وقع ضرورة الله يعلم الكليات بعلم كلي؛ الجزئيات بصورة مجردة لا مشكلة أصلاً؛ لا حرية
مشكلة الشر الشر الأخلاقي من الإنسان وحده كل شيء بإرادة الله؛ الخير والشر يُعرّفان شرعاً الشر نقص في الوجود؛ العالم أفضل الممكنات الشر قدر لا يُسأل عنه
المسؤولية الأخلاقية كاملة؛ الثواب والعقاب عقليان شرعية؛ الله يعاقب لأنه مالك لا مُقيَّد بعدل مرتبطة بالعقل والمعرفة والكمال معدومة أو شكلية محضة
أساس التكليف العقل + الاختيار الحقيقي الأمر الإلهي المجرد العقل النظري والعملي غير مبرَّر فلسفياً
علاقة الإرادة بالطبيعة الإرادة فوق الطبيعة ومتحرِّكة داخلها الإرادة الإلهية هي الطبيعة الحقيقية الإرادة مُشتقَّة من الطبيعة النفسية الطبيعة تلغي الإرادة
ثانياً: تحليل موقف المعتزلة – العقلانية الأخلاقية
1. أصل العدل كمدخل ميتافيزيقي
ينطلق المعتزلة من أصل العدل الإلهي (وهو الأصل الثاني من الأصول الخمسة)، الذي يقتضي تنزيه الله عن الظلم والعبث وإرادة القبيح. وبناءً عليه يُؤسّسون منظومة متماسكة:
• الله لا يخلق أفعال العباد الشريرة، وإلا كان ظالماً في معاقبتهم عليها.
• لا يجبرهم على المعصية ثم يعاقبهم عليها، إذ ذلك قبيح عقلاً.
• القدر هو علم الله السابق بالأشياء على ما ستكون عليه، لا خلقه المباشر لكل فعل جزئي.
ويُقدّم القاضي عبد الجبار في "شرح الأصول الخمسة" التحليل الأوفى لهذا الموقف، موضحاً أن التوحيد لا يعني الانفراد بالفاعلية بل الانفراد بالألوهية، وأن ثمة فرقاً جوهرياً بين خلق القدرة وخلق الفعل.
2. نظرية الفعل الإنساني عند المعتزلة
يرى المعتزلة أن الإنسان "خالق لأفعاله الاختيارية" بالقدرة التي أودعها الله فيه. وهذا القول لا يُراد به الاستقلال الوجودي عن الله (فالله هو الخالق الأصيل للقدرة والفاعل)، بل يُراد به إثبات نسبة الفعل حقيقةً إلى الإنسان كشرط ضروري لقيام المسؤولية الأخلاقية. يُميّز المعتزلة بين مستويين:
أ. القدرة الإجمالية: القدرة على الفعل والترك، وهي محدودة بطبيعة الإنسان وبيئته. الله خالقها.
ب. الاختيار الجزئي: اختيار فعل بعينه من بين الممكنات؛ وهذا ما يُنسب إلى الإنسان نسبة حقيقية.
3. إشكالية العلم الأزلي والحل المعتزلي
عالج المعتزلة إشكالية العلم الإلهي السابق بالقول إن علم الله "تابع للمعلوم"؛ أي أن الله يعلم ما سيختاره الإنسان لأنه سيختاره بحرية، لا لأن العلم أجبره عليه. وهذا الحل يشبه إلى حدٍّ بعيد ما طوّره لويس دي موليينا (Luis de Molina) لاحقاً في فكر المعرفة الوسطى (Middle Knowledge) أو ما يُعرف بـ Scientia Media:
فعند موليينا، يعلم الله ما كان سيفعله كل عاقل بحرية في أي ظرف مفترض – وهو ما يُسمّى بالمعرفة المشروطة (Counterfactual Knowledge). هذا العلم لا يُلغي الحرية، بل يفترضها. والمعتزلة قريبون من هذا الموقف وإن لم يُصوِّروه بهذه الصياغة الفلسفية التقنية.
◈ أوَّل ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
رواه الترمذي وأبو داود، مرفوعاً
يُفهم هذا الحديث معتزلياً بأن كتابة القلم كانت علماً بما سيكون لا أمراً بما يجب أن يكون؛ فالكتابة وصف للواقع المستقبلي المعلوم، لا إنشاء له. وهذا التفريق الدقيق بين العلم والإرادة والخلق هو جوهر الموقف المعتزلي.
4. نقاط قوة الموقف المعتزلي وإشكالاته
نقاط القوة نقاط الضعف / الإشكالات
انسجام أخلاقي ومنطقي داخلي متين إشكال نسبة الخلق لغير الله (ظاهرياً في ضوء التوحيد المطلق)
دفاع قوي عن الحرية الإنسانية وصون كرامتها صعوبة التوفيق التام بين العلم الأزلي والاختيار الحقيقي
أساس عقلاني راسخ للعدالة الإلهية تعارض ظاهري مع بعض النصوص الحديثية إن أُخذت بظاهرها
وضوح أخلاقي في تفسير الشر وإسناده قد يؤدي إلى تضييق صفة القدرة الإلهية المطلقة نظرياً
قابلية للحوار مع الفلسفة الغربية المعاصرة جمهور المسلمين لم يقبله تاريخياً كما قبل الأشعرية
ثالثاً: موقف الأشاعرة – المحافظة العقدية والكسب
1. مفهوم الكسب وإشكالاته
يرى الأشاعرة أن الله خالق أفعال العباد ومُقدِّرها، وأن الإنسان ليس فاعلاً حقيقياً بل "كاسباً" للفعل فقط. والكسب – كما يُعرّفه الأشعري في "اللمع" – هو اقتران قدرة العبد الحادثة بالفعل المخلوق لله. وهذا المفهوم يُراد منه الجمع بين التوحيد المطلق والمسؤولية الإنسانية، لكنه يُثير إشكالات فلسفية عميقة:
أ. إضعاف السببية الإنسانية: إذا كان الله هو الخالق الحقيقي للفعل، فما الذي يُنسب إلى العبد فعلياً؟
ب. إشكال المسؤولية: كيف يُعاقَب الإنسان على فعل لم يخلقه ولم يتسبب في وجوده على نحو حقيقي؟
ج. الأمر الإلهي vs الإرادة الإلهية: الأشاعرة يفرّقون بين ما يأمر الله به وما يريده. قد يريد الكفر ويأمر بالإيمان. وهذا التوتر الداخلي خطير.
ويُلاحَظ أن مفهوم الكسب الأشعري – على تعقيده – لم يُوفَّق في الخروج من دائرة الحتمية الإلهية؛ فالنقاد (وفي مقدمتهم بعض المعتزلة وعدد من المتأخرين) يرون أنه مجرد تسمية مختلفة للجبر دون أن يُغيّر جوهره. يقول الشهرستاني في "الملل والنحل" إن مفهوم الكسب الأشعري ظل "مبهماً" ولم يستطع الأشاعرة تحديده بدقة فلسفية كافية.
2. سيادة الإرادة الإلهية والأخلاق
في الإطار الأشعري، الخير والشر لا يُعرَّفان بالعقل بل بالشرع وحده (الأمر الإلهي هو معيار الحسن والقبح). وهذا موقف يُعرف في الأخلاق الغربية بـ "الأمر الإلهي" (Divine Command Theory) أو "الإرادوية الإلهية" (Voluntarism الإلهي). ونقّاده – من المعتزلة غرباً وأفلاطون شرقاً في محاورة يوثيفرون – يرون فيه أن الأخلاق تصبح مجردة من أي أساس عقلاني وتتحوّل إلى إخضاع محض للأمر.
رابعاً: موقف الفلاسفة – الحتمية العقلية
1. ابن سينا والفارابي: الضرورة العقلية
يتفق الفلاسفة (ابن سينا، الفارابي) مع المعتزلة في الإقرار بدور العقل والسببية، لكنهم يميلون إلى نموذج حتمي أكثر: الفعل الإنساني هو نتيجة لسلسلة علل كونية ضرورية تبدأ من الواجب الوجود وتنتهي في العقل الفعّال والنفس الإنسانية. بمعنى آخر، ما يبدو اختياراً هو في حقيقته نتاج ضروري لطبيعة الإنسان وظروفه.
وهذا يُقرّب موقفهم مما يُعرف في الفلسفة الغربية بـ Compatibilism أو "الوفاقية" – أي القول إن الحتمية والحرية متوافقتان: الإنسان "حر" بمعنى أنه يفعل ما تقتضيه طبيعته بدون إكراه خارجي، وإن كانت طبيعته ذاتها محكومة بضرورة عقلية.
2. مشكلة الشر عند الفلاسفة
يُعالج الفلاسفة إشكالية الشر بقولهم إن الشر "نقص في الوجود" لا وجود مستقل له (privation theory). والعالم في جملته أفضل الممكنات (Optimum Mundi) – وهو ما يُشبه لاحقاً مقولة لايبنتس الشهيرة في الثيوديسيا. غير أن هذا الحل التجريدي يُبقي الألم الفردي دون تفسير حقيقي، ويُثير تساؤلات جدية حول الشر الملموس في حياة الإنسان.
خامساً: الموقف الجبري – نفي الفاعلية الإنسانية
تنفي الجبرية أي فاعلية حقيقية للإنسان، وترى أنه مجرد آلة تنفيذ لقضاء الله وقدره، لا يملك من أمره شيئاً. وهذا الموقف يرفضه المعتزلة رفضاً قاطعاً لأنه: (أ) يُلغي التكليف الشرعي من أساسه؛ إذ كيف يُكلَّف من لا إرادة له؟ (ب) ينقض العدالة الإلهية في العقاب؛ إذ كيف يُعاقَب من لم يملك الاختيار؟ (ج) يُفضي إلى نهيلية أخلاقية شاملة.
ويُلاحَظ أن الجبرية الخالصة لم تكن تياراً سائداً في أوساط العلماء، بل كانت موقفاً هامشياً أثّر في الوعي الشعبي من خلال سوء فهم بعض النصوص المتعلقة بالقدر.
سادساً: الإسهامات الغربية في إشكالية الحرية والحتمية
1. كانط – الأخلاق المستقلة والحرية كشرط للمسؤولية
يُقدّم إيمانويل كانط في "نقد العقل العملي" (1788) موقفاً لافتاً: الحرية ليست حقيقة تجريبية يمكن إثباتها أو نفيها علمياً، بل هي "افتراض ضروري" (Necessary Postulate) للأخلاق. بمعنى: لو لم يكن الإنسان حراً لما كانت المسؤولية الأخلاقية ممكنة، ولما كان للأمر الأخلاقي (Categorical Imperative) أي معنى. وهذا يتقاطع مع الموقف المعتزلي في جعل الحرية شرطاً ضرورياً للتكليف والعدل.
لكن كانط يذهب أبعد بتمييزه بين العالمين: عالم الظاهرة (Phenomenal World) الخاضع للحتمية الطبيعية، وعالم الشيء في ذاته (Noumenal World) الذي تنتمي إليه الإرادة الحرة. الإنسان ككائن عاقل ينتمي إلى كليهما: جسده في عالم الحتمية، وإرادته الأخلاقية في عالم الحرية. وهذا التمييز يفتح أفقاً للجمع بين الحتمية الطبيعية والحرية الأخلاقية دون تناقض.
2. سارتر – الحرية المطلقة والوجود يسبق الماهية
في المقابل، يذهب جان بول سارتر إلى النقيض التام: الإنسان "محكوم بالحرية" – يُقذف في العالم بلا طبيعة ثابتة ولا جوهر مُسبَق، ومسؤول عن كل ما هو عليه. "الوجود يسبق الماهية" تعني أن الإنسان لا يملك طبيعة محددة سلفاً تُقيّد خياراته، بل هو يُؤسِّس طبيعته بخياراته.
ومن منظور إسلامي، يُصطدم هذا الموقف بمشكلة الفطرة: الإسلام يُقرّ بوجود طبيعة فطرية أصيلة للإنسان (الفطرة) تُشكّل إطاراً لحريته دون أن تُلغيها. فسارتر يقول: لا طبيعة أصلاً. والمعتزلة يقولون: ثمة طبيعة، لكنها لا تُجبر. والاستخلافية تقول: ثمة فطرة مزدوجة، والحرية هي ترجيح أحد قطبيها.
3. فيكتور فرانكل – اللوغوثيرابيا ومعنى الحرية
يُقدّم فيكتور فرانكل في "الإنسان يبحث عن المعنى" (1946) شهادة حية وفلسفية في آن: حتى في أقسى ظروف الجبر الخارجي (معسكرات النازية)، يحتفظ الإنسان بهامش من الحرية الداخلية – حرية اختيار موقفه من الوضع، حرية إيجاد معنى في المعاناة. وهذه الحرية الداخلية هي ما يُسمّيه فرانكل "الفضاء بين المثير والاستجابة" (Space between Stimulus and Response).
هذا الموقف يتقاطع تقاطعاً عميقاً مع النموذج الاستخلافي: النفس اللوامة هي تحديداً هذا "الفضاء" الذي يتوقف فيه الإنسان ليُراجع، ويحاسب، ويختار. والاستخلاف هو تعظيم هذا الهامش من الحرية الداخلية وتحويله إلى مشروع وجودي.
◈ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان.
صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز
هذا الحديث النبوي الشريف يُؤسِّس – في جملة قصيرة – لفلسفة عملية متكاملة: الفاعلية (احرص، استعن)، والتسليم (قدَّر الله)، ورفض قعود الندم العقيم (فإن لو تفتح عمل الشيطان). وهي ذاتها قضية علم النفس الاستخلافي.
سابعاً: إشكالية الشر والعدل الإلهي – تحليل مقارن
تظل إشكالية الشر (Theodicy) من أعقد الاختبارات الفلسفية لأي منظومة دينية. ويمكن تصنيف مناهج معالجتها في الفكر الإسلامي والغربي كما يلي:
المنهج المضمون نقاط الإشكال
المنهج المعتزلي الشر الأخلاقي من الإنسان وحده. الله لا يُريد الشر ولا يخلقه. من أين الشر الطبيعي (الزلازل، الأوبئة)؟
المنهج الأشعري كل شيء بإرادة الله؛ الشر له حكمة مخفية. ما عُدَّ شراً فهو خير بنظر الله. يجعل مفهوم العدل الإلهي متناقضاً ظاهرياً.
المنهج الفلسفي الشر نقص وجودي؛ العالم أفضل الممكنات. لا يُعالج ألم الفرد الملموس.
Theodicy اللايبنتزية عالمنا أفضل العوالم الممكنة في علم الله. فولتير ورد عليها بزلزال لشبونة 1755.
منهج فرانكل الشر فرصة لإيجاد المعنى؛ الحرية تُولد المعنى من المعاناة. لا يُجيب على لماذا الشر، بل كيف نتعامل معه.
المنهج الاستخلافي الشر نتاج اختيار حر + اختبار إلهي. الشيطان عامل إغواء لا علّة حتمية. يجمع بين المسؤولية الفردية والبعد الغيبي.
ثامناً: خلاصة القسم الأول
قدّم الفكر الكلامي الإسلامي والفلسفي محاولات جليلة لفهم علاقة الإنسان بالإله في قضية القدر. غير أن هذه المحاولات جميعاً تظل – بدرجات متفاوتة – محصورة في إطار الجدل حول "الجبر والاختيار" بوصفه ثنائية منطقية لا وجودية. المعتزلة قدّموا أكثر الحلول عقلانيةً وأخلاقيةً، والأشاعرة قدّموا أكثرها محافظةً عقديةً، والفلاسفة قدّموا أكثرها تجريداً ميتافيزيقياً، والجبرية أقلّها تماسكاً منطقياً وأخلاقياً.
وتأتي الفلسفة الغربية الحديثة (كانط وسارتر وفرانكل) لتُثري المشهد بأبعاد جديدة: الحرية كافتراض أخلاقي ضروري (كانط)، والحرية كمواجهة رادكالية لعدمية الطبيعة (سارتر)، والحرية كمساحة داخلية يُنقذها المعنى (فرانكل). لكن هذه الإسهامات الغربية تفتقر بدورها إلى ما يُقدّمه النموذج الاستخلافي: رؤية وجودية متكاملة تجمع بين البنية الفطرية والمسؤولية الوجودية والغاية الاستخلافية.
القسم الثاني: القضاء والقدر في ضوء علم النفس الاستخلافي
تمهيد: من ثنائية الجبر والاختيار إلى هندسة الفطرة والمسؤولية
ينطلق علم النفس الاستخلافي للباحث عبد السلام الزراع من أرضية مختلفة تماماً عن الجدل الكلامي التقليدي. فبدلاً من الانشغال بسؤال "هل الإنسان مجبور أم مخير؟" – وهو سؤال ثنائي قد يؤدي إلى طريق مسدود نظري – يطرح النموذج سؤالاً وجودياً أكثر إنتاجيةً وعمقاً:
كيف يمكن للإنسان أن يوظّف حريته لتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض؟
وكيف يمكن لفطرة الله التي فطر الناس عليها أن تكون إطاراً للحرية لا سجناً لها؟
هذا التحوّل في صياغة السؤال هو في حدّ ذاته منهجيٌّ وعلاجيٌّ: فبدلاً من البحث عن إجابة نظرية حول طبيعة الحرية، يُوجّه النموذج الإنسانَ نحو توظيف حريته توظيفاً استخلافياً، تاركاً الجدل الكلامي لأهله.
يرتكز النموذج الاستخلافي على خمسة مفاهيم محورية متشابكة:
المفهوم التعريف دوره في قضية القدر
الفطرة المزدوجة الفجور والتقوى كاستعدادين فطريين متضادّين أودعهما الله في النفس الإنسانية تُحدّد إطار الحرية: الإنسان مخيَّر بين قطبين وجوديين
مستويات النفس الأمارة (الميل للهوى) → اللوامة (المحاسبة) → المطمئنة (السكينة) تُصوّر مسار الحرية المسؤولة نحو الاستخلاف
الأضلاع الثمانية شبكة الديناميكيات النفسية بين المستويات وبينها وبين البعد الرابع تُشكّل خريطة الاختيار والنتيجة
البعد الرابع الشيطان (الإغواء) والرحمة الإلهية (التوفيق)، غير مُجبِران يُوضّح أن الشر اختبار لا حكم مسبق
الاستخلاف الغاية الوجودية للإنسان: عمارة الأرض بالعدل والإحسان يُحوّل قضية القدر من نظرية إلى مشروع وجودي
أولاً: الفطرة كنظام تشغيل أخلاقي – تحليل معمّق
1. الفطرة المزدوجة بين القرآن وعلم النفس
في علم النفس الاستخلافي، الإنسان ليس "مضطراً" ولا "مطلق الحرية" في فراغ، بل هو مفطور على استعدادات متضادة (الفجور والتقوى).
❝ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ❞
(الشمس: 7-8)
ملاحظة لسانية-دلالية دقيقة: الفعل "أَلْهَمَ" في الآية يختلف جذرياً عن "أَجْبَرَ" أو "خَلَقَ". الإلهام هو إيداع الاستعداد والبصيرة في النفس، لا فرض سلوك بعينه. ولذلك جاء الفعل بالبناء للمعلوم (الله ألهم) مع الإبقاء على حرية النفس في ما تختار. ثم جاء التفريق الصريح: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} – فالتزكية والدسّاوة فعلان للإنسان، والفلاح والخيبة عاقبتان. الإلهام فطرة، والتزكية اختيار.
وهذا التحليل القرآني يُقدّم "نظرية الحرية المؤطَّرة" بشكل مُكثَّف: الإنسان مُقيَّد بالفطرة (لا يستطيع الخروج عن كونه إنساناً فاجراً/تقياً بالاستعداد)، لكنه حر في ترجيح أيّهما على الآخر. وهذا أدقّ وأعمق من ثنائية "مجبور/مخير" التي شغلت المتكلمين.
2. الفطرة في مقابل المقاربات الغربية
إذا قارنّا مفهوم الفطرة الاستخلافي بنظيراته الغربية، تجلّى الفارق الجوهري:
الإطار الفكري موقفه من الطبيعة الإنسانية المشكلة
سارتر (الوجودية) لا طبيعة أصلاً. الوجود يسبق الماهية. حرية بلا مرساة تؤدي إلى قلق وجودي (Angst) لا نهاية له.
فرويد (التحليل النفسي) طبيعة مزدوجة: Eros وThanatos (غريزة الحياة والموت). حتمية غريزية لا تُتيح إلا هامشاً ضيقاً للحرية.
كانط (العقلانية) الإنسان لديه ميل للشر الجذري (Radical Evil)، لكن يستطيع العقل تجاوزه. الشر الجذري يبقى غامضاً من حيث منشؤه.
فرانكل (اللوغوثيرابيا) الإنسان يحمل إرادة معنى (Will to Meaning) لكنها ليست الوحيدة. لا يُجيب على السؤال الأنطولوجي: من أودع إرادة المعنى؟
الاستخلافية فطرة مزدوجة (فجور وتقوى) أودعها الله. إطار وجودي لا قيد وجودي. يجمع الجواب على الأصل (الله) والإطار (الفطرة) والحرية (الاختيار).
ثانياً: مستويات النفس – هندسة الحرية المسؤولة
1. النفس الأمارة – حضور الفجور وغياب المحاسبة
النفس الأمارة هي المستوى الذي تغلب فيه الاندفاعية وتسود أهواء الفجور. وفي سياق القدر والحرية، النفس الأمارة ليست "مجبورة" على الانحدار؛ بل هي في حالة غياب عن وظيفة المحاسبة. فالإنسان "الأمّار" يختار بالفعل، لكن اختياره يجري دون وقفة تأملية تكشف له حقيقة ما يختار. وهذا ما يُسمّيه علم النفس المعرفي الحديث بـ "تحيّز الحاضر" (Present Bias) أو الاختيار المدفوع بالمكافأة الفورية.
2. النفس اللوامة – الحرية في فعلها الأعمق
النفس اللوامة هي نظام المحاسبة الذاتي الذي يُمكّن الإنسان من ثلاث قدرات جوهرية:
أ. تمييز الخطأ بعد وقوعه – وهو ما يفترض وجود معيار أخلاقي فطري.
ب. الشعور بالندم – وهو وجع وجودي يكشف أن الإنسان يشعر بأن اختياره كان حراً.
ج. العزم على التصحيح – وهو فعل مستقبلي يُثبت أن الحرية لم تنقضِ بعد فعل الخطأ.
وهنا يبرز الارتباط العميق بين النفس اللوامة وقضية القدر: لو كان الإنسان مجبوراً تماماً، لما كانت للوامة وظيفة وجودية – إذ لا معنى للندم على فعل لم تُرِده. ولو كان حراً بلا حدود (كما في الوجودية السارترية)، لما كانت اللوامة تبحث عن معيار تحاسب بموجبه. وجود النفس اللوامة دليل على أن الإنسان حر، لكن حريته مسؤولة ومؤطَّرة بالفطرة.
❝ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ۞ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ❞
(القيامة: 1-2)
اللافت أن الله أقسم بالنفس اللوامة في سياق الحديث عن القيامة والحساب. وهذا يُشير إلى أن النفس اللوامة هي القاسم المشترك بين الحرية (في الدنيا) والمسؤولية (في الآخرة). إنها الجسر الذي يصل بين الاختيار والمحاسبة – وهو تحديداً ما يُؤسّس له علم النفس الاستخلافي.
3. النفس المطمئنة – غاية الحرية
النفس المطمئنة هي وجهة الحرية الاستخلافية، لا نقيضتها. فالسكينة والاطمئنان ليسا حالة "جبر" أو "سلبية" بل هما ثمرة الاختي يتبع في خانة المكتبة .......
القضاء والقدر بين الفلسفة الكلامية
وعلم النفس الاستخلافي
بقلم عبد السلام الزراع
قراءة تركيبية موسّعة في نماذج السببية والحرية
والمسؤولية الوجودية
مع تعقيب استخلافي في ضوء نظرية الفطرة والنفس اللوامة والأضلاع الثمانية
عبد السلام الزراع
علم النفس الاستخلافي – نموذج TLRT
الطبعة الموسّعة | 2026 م
الملخص
يتناول هذا البحث مسألة القضاء والقدر في الفكر الإسلامي من منظور فلسفي مقارن موسَّع، مركزاً على المواقف المختلفة للمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والجبرية، محللاً إياها عبر سبعة محاور كبرى: مفهوم السببية وأنواعها، طبيعة الفعل الإنساني والإرادة، العلاقة بين العلم الإلهي الأزلي والحرية البشرية، إشكالية الشر والعدالة الإلهية، أسس المسؤولية الأخلاقية، نماذج المعرفة الوسطى (Middle Knowledge)، وإسهامات الفلسفة الغربية الحديثة (كانط، سارتر، فرانكل).
يخلص القسم الأول إلى أن المعتزلة قدّموا الحل الأكثر انسجاماً من الناحيتين العقلانية والأخلاقية، وإن لم يخلُ من إشكالات ميتافيزيقية عميقة تتعلق بحدود الفاعلية البشرية وعلاقتها بالوحدانية الإلهية. فيما أثارت مقاربة الأشاعرة بعقيدة الكسب إشكالات المسؤولية والعدل، وبقيت الحتمية الفلسفية عند ابن سينا والفارابي حلاً ميتافيزيقياً ذا طابع تجريدي.
ثم ينتقل البحث إلى قراءة هذه المسألة في ضوء علم النفس الاستخلافي (نموذج TLRT) لعبد السلام الزراع، الذي يتجاوز الجدل الكلامي التقليدي إلى رؤية تركيبية وجودية تقوم على مفاهيم: الفطرة المزدوجة (الفجور والتقوى)، مستويات النفس (الأمارة، اللوامة، المطمئنة)، الأضلاع الثمانية، والاستخلاف كغاية وجودية. ويُقارن البحث هذا النموذج بمقاربات فكرية غربية مكمِّلة، من بينها: اللوغوثيرابيا عند فيكتور فرانكل، الأخلاق المستقلة عند كانط، والحرية المطلقة عند سارتر؛ ليُبيّن أن الاستخلافية تُشكّل "الطريق الثالث" الذي يتجاوز الجبرية والتفويضية معاً نحو حرية مؤطَّرة بالمسؤولية الوجودية.
يخلص البحث إلى أن نظرية الاستخلاف لا تنفي الاختيار الإنساني ولا توقع في الجبر، بل تؤسس لـ "حرية مؤطَّرة" بالفطرة والمسؤولية الوجودية، محوِّلةً سؤال "هل الإنسان مجبور أم مخير؟" إلى سؤال "كيف يوظّف الإنسان حريته لتحقيق الاستخلاف والنفس المطمئنة؟"، ومن ثَمَّ إلى مشروع عملي علاجي تحويلي يُسمى نموذج TLRT.
الكلمات المفتاحية القضاء والقدر | المعتزلة | الأشاعرة | علم النفس الاستخلافي | الفطرة | النفس اللوامة | الأضلاع الثمانية | الاستخلاف | الحرية المؤطرة | TLRT | فرانكل | كانط | سارتر | المعرفة الوسطى
مقدمة: إشكالية القضاء والقدر في الفكر الإنساني
تُعدّ مسألة القضاء والقدر من أعمق القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي وغير الإسلامي على حدٍّ سواء، لما تنطوي عليه من تداخل عضوي بين العقيدة والأخلاق والفلسفة وعلم النفس. ولا يكفي هنا القول إنها مسألة "دينية" محضة؛ إذ إن كل نظام فكري – سواء أكان لاهوتياً أم وجودياً أم مادياً – لا بد أن يُعطي موقفاً صريحاً أو ضمنياً من حرية الإرادة والحتمية.
في الفكر الإسلامي تحديداً، تفرّعت المواقف بين اتجاهات تميل إلى الجبر الكامل، وأخرى تؤكد الاختيار الإنساني المطلق، وثالثة تحاول التوفيق عبر مقاربات مركّبة. غير أن هذه النقاشات – مع ثرائها – ظلّت في جوهرها نقاشات "نظرية كلامية" لم تُفضِ إلى رؤية علاجية وجودية تُعين الإنسان على فهم نفسه وإدارة حياته.
وتبرز المذاهب الكلامية الكبرى (المعتزلة والأشاعرة) إلى جانب المذاهب الفلسفية (ابن سينا والفارابي) والتيار الجبري، في محاولة لتقديم إجابات متماسكة عن أسئلة جوهرية لا تزال حاضرة في الوعي الإنساني المعاصر:
▸ هل الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأفعاله، أم أن الله هو الخالق الوحيد لها؟
▸ كيف يمكن الجمع بين العلم الإلهي الأزلي وحرية الإرادة الإنسانية؟
▸ إذا كان الله عادلاً، فكيف يخلق الكفر ثم يعاقب عليه؟
▸ ما الأساس العقلاني أو الفطري للمسؤولية الأخلاقية؟
▸ هل للحرية معنى في عالم تحكمه قوانين طبيعية ثابتة؟
يتناول هذا البحث هذه الأسئلة من خلال مقارنة فلسفية معمّقة بين أربعة تيارات رئيسية في الفكر الإسلامي، مستعيناً بشواهد من الفلسفة الغربية الحديثة (كانط وسارتر وفرانكل وموليينا)، ثم ينتقل إلى قراءة تركيبية في ضوء علم النفس الاستخلافي الذي يتجاوز الجدل التقليدي إلى رؤية وجودية أخلاقية تركّز على "الفاعل المسؤول" و"الاستخلاف" كغاية للحرية الإنسانية.
❝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۞ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ❞
(الشمس: 8-10)
هذه الآيات تُلخّص قضية البحث بأجمعها: الإلهام (الفطرة) لا الإجبار، والاختيار (التزكية أو الدسّاوة) لا الحتمية، والمسؤولية (الفلاح أو الخيبة) لا العشوائية. وما علم النفس الاستخلافي إلا محاولة لتفسير هذه المعادلة القرآنية في لغة نفسية وجودية معاصرة.
القسم الأول: المقارنة الفلسفية الكلامية
أولاً: المحاور الفلسفية الكبرى – جدول المقارنة الشامل
سنقارن بين التيارات الأربعة (المعتزلة، الأشاعرة، الفلاسفة، الجبرية) عبر سبعة محاور فلسفية:
المحور المعتزلة الأشاعرة الفلاسفة الجبرية
السببية سببية حقيقية؛ الفاعل سبب حقيقي لفعله لا سببية حقيقية؛ العادة الإلهية (Occasionalism) سلسلة علّية ضرورية؛ حتمية عقلية لا سببية بشرية إطلاقاً
الفعل الإنساني الإنسان خالق لفعله بالقدرة التي أودعها الله فيه الإنسان "كاسب" للفعل والله خالقه الفعل نتيجة طبيعة الإنسان وقواه النفسية-العقلية لا فعل إنساني حقيقي؛ الإنسان آلة تنفيذ
العلم الإلهي والحرية العلم تابع للمعلوم؛ لا يُوجب الفعل العلم مُوجب؛ ما عُلم وقع ضرورة الله يعلم الكليات بعلم كلي؛ الجزئيات بصورة مجردة لا مشكلة أصلاً؛ لا حرية
مشكلة الشر الشر الأخلاقي من الإنسان وحده كل شيء بإرادة الله؛ الخير والشر يُعرّفان شرعاً الشر نقص في الوجود؛ العالم أفضل الممكنات الشر قدر لا يُسأل عنه
المسؤولية الأخلاقية كاملة؛ الثواب والعقاب عقليان شرعية؛ الله يعاقب لأنه مالك لا مُقيَّد بعدل مرتبطة بالعقل والمعرفة والكمال معدومة أو شكلية محضة
أساس التكليف العقل + الاختيار الحقيقي الأمر الإلهي المجرد العقل النظري والعملي غير مبرَّر فلسفياً
علاقة الإرادة بالطبيعة الإرادة فوق الطبيعة ومتحرِّكة داخلها الإرادة الإلهية هي الطبيعة الحقيقية الإرادة مُشتقَّة من الطبيعة النفسية الطبيعة تلغي الإرادة
ثانياً: تحليل موقف المعتزلة – العقلانية الأخلاقية
1. أصل العدل كمدخل ميتافيزيقي
ينطلق المعتزلة من أصل العدل الإلهي (وهو الأصل الثاني من الأصول الخمسة)، الذي يقتضي تنزيه الله عن الظلم والعبث وإرادة القبيح. وبناءً عليه يُؤسّسون منظومة متماسكة:
• الله لا يخلق أفعال العباد الشريرة، وإلا كان ظالماً في معاقبتهم عليها.
• لا يجبرهم على المعصية ثم يعاقبهم عليها، إذ ذلك قبيح عقلاً.
• القدر هو علم الله السابق بالأشياء على ما ستكون عليه، لا خلقه المباشر لكل فعل جزئي.
ويُقدّم القاضي عبد الجبار في "شرح الأصول الخمسة" التحليل الأوفى لهذا الموقف، موضحاً أن التوحيد لا يعني الانفراد بالفاعلية بل الانفراد بالألوهية، وأن ثمة فرقاً جوهرياً بين خلق القدرة وخلق الفعل.
2. نظرية الفعل الإنساني عند المعتزلة
يرى المعتزلة أن الإنسان "خالق لأفعاله الاختيارية" بالقدرة التي أودعها الله فيه. وهذا القول لا يُراد به الاستقلال الوجودي عن الله (فالله هو الخالق الأصيل للقدرة والفاعل)، بل يُراد به إثبات نسبة الفعل حقيقةً إلى الإنسان كشرط ضروري لقيام المسؤولية الأخلاقية. يُميّز المعتزلة بين مستويين:
أ. القدرة الإجمالية: القدرة على الفعل والترك، وهي محدودة بطبيعة الإنسان وبيئته. الله خالقها.
ب. الاختيار الجزئي: اختيار فعل بعينه من بين الممكنات؛ وهذا ما يُنسب إلى الإنسان نسبة حقيقية.
3. إشكالية العلم الأزلي والحل المعتزلي
عالج المعتزلة إشكالية العلم الإلهي السابق بالقول إن علم الله "تابع للمعلوم"؛ أي أن الله يعلم ما سيختاره الإنسان لأنه سيختاره بحرية، لا لأن العلم أجبره عليه. وهذا الحل يشبه إلى حدٍّ بعيد ما طوّره لويس دي موليينا (Luis de Molina) لاحقاً في فكر المعرفة الوسطى (Middle Knowledge) أو ما يُعرف بـ Scientia Media:
فعند موليينا، يعلم الله ما كان سيفعله كل عاقل بحرية في أي ظرف مفترض – وهو ما يُسمّى بالمعرفة المشروطة (Counterfactual Knowledge). هذا العلم لا يُلغي الحرية، بل يفترضها. والمعتزلة قريبون من هذا الموقف وإن لم يُصوِّروه بهذه الصياغة الفلسفية التقنية.
◈ أوَّل ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
رواه الترمذي وأبو داود، مرفوعاً
يُفهم هذا الحديث معتزلياً بأن كتابة القلم كانت علماً بما سيكون لا أمراً بما يجب أن يكون؛ فالكتابة وصف للواقع المستقبلي المعلوم، لا إنشاء له. وهذا التفريق الدقيق بين العلم والإرادة والخلق هو جوهر الموقف المعتزلي.
4. نقاط قوة الموقف المعتزلي وإشكالاته
نقاط القوة نقاط الضعف / الإشكالات
انسجام أخلاقي ومنطقي داخلي متين إشكال نسبة الخلق لغير الله (ظاهرياً في ضوء التوحيد المطلق)
دفاع قوي عن الحرية الإنسانية وصون كرامتها صعوبة التوفيق التام بين العلم الأزلي والاختيار الحقيقي
أساس عقلاني راسخ للعدالة الإلهية تعارض ظاهري مع بعض النصوص الحديثية إن أُخذت بظاهرها
وضوح أخلاقي في تفسير الشر وإسناده قد يؤدي إلى تضييق صفة القدرة الإلهية المطلقة نظرياً
قابلية للحوار مع الفلسفة الغربية المعاصرة جمهور المسلمين لم يقبله تاريخياً كما قبل الأشعرية
ثالثاً: موقف الأشاعرة – المحافظة العقدية والكسب
1. مفهوم الكسب وإشكالاته
يرى الأشاعرة أن الله خالق أفعال العباد ومُقدِّرها، وأن الإنسان ليس فاعلاً حقيقياً بل "كاسباً" للفعل فقط. والكسب – كما يُعرّفه الأشعري في "اللمع" – هو اقتران قدرة العبد الحادثة بالفعل المخلوق لله. وهذا المفهوم يُراد منه الجمع بين التوحيد المطلق والمسؤولية الإنسانية، لكنه يُثير إشكالات فلسفية عميقة:
أ. إضعاف السببية الإنسانية: إذا كان الله هو الخالق الحقيقي للفعل، فما الذي يُنسب إلى العبد فعلياً؟
ب. إشكال المسؤولية: كيف يُعاقَب الإنسان على فعل لم يخلقه ولم يتسبب في وجوده على نحو حقيقي؟
ج. الأمر الإلهي vs الإرادة الإلهية: الأشاعرة يفرّقون بين ما يأمر الله به وما يريده. قد يريد الكفر ويأمر بالإيمان. وهذا التوتر الداخلي خطير.
ويُلاحَظ أن مفهوم الكسب الأشعري – على تعقيده – لم يُوفَّق في الخروج من دائرة الحتمية الإلهية؛ فالنقاد (وفي مقدمتهم بعض المعتزلة وعدد من المتأخرين) يرون أنه مجرد تسمية مختلفة للجبر دون أن يُغيّر جوهره. يقول الشهرستاني في "الملل والنحل" إن مفهوم الكسب الأشعري ظل "مبهماً" ولم يستطع الأشاعرة تحديده بدقة فلسفية كافية.
2. سيادة الإرادة الإلهية والأخلاق
في الإطار الأشعري، الخير والشر لا يُعرَّفان بالعقل بل بالشرع وحده (الأمر الإلهي هو معيار الحسن والقبح). وهذا موقف يُعرف في الأخلاق الغربية بـ "الأمر الإلهي" (Divine Command Theory) أو "الإرادوية الإلهية" (Voluntarism الإلهي). ونقّاده – من المعتزلة غرباً وأفلاطون شرقاً في محاورة يوثيفرون – يرون فيه أن الأخلاق تصبح مجردة من أي أساس عقلاني وتتحوّل إلى إخضاع محض للأمر.
رابعاً: موقف الفلاسفة – الحتمية العقلية
1. ابن سينا والفارابي: الضرورة العقلية
يتفق الفلاسفة (ابن سينا، الفارابي) مع المعتزلة في الإقرار بدور العقل والسببية، لكنهم يميلون إلى نموذج حتمي أكثر: الفعل الإنساني هو نتيجة لسلسلة علل كونية ضرورية تبدأ من الواجب الوجود وتنتهي في العقل الفعّال والنفس الإنسانية. بمعنى آخر، ما يبدو اختياراً هو في حقيقته نتاج ضروري لطبيعة الإنسان وظروفه.
وهذا يُقرّب موقفهم مما يُعرف في الفلسفة الغربية بـ Compatibilism أو "الوفاقية" – أي القول إن الحتمية والحرية متوافقتان: الإنسان "حر" بمعنى أنه يفعل ما تقتضيه طبيعته بدون إكراه خارجي، وإن كانت طبيعته ذاتها محكومة بضرورة عقلية.
2. مشكلة الشر عند الفلاسفة
يُعالج الفلاسفة إشكالية الشر بقولهم إن الشر "نقص في الوجود" لا وجود مستقل له (privation theory). والعالم في جملته أفضل الممكنات (Optimum Mundi) – وهو ما يُشبه لاحقاً مقولة لايبنتس الشهيرة في الثيوديسيا. غير أن هذا الحل التجريدي يُبقي الألم الفردي دون تفسير حقيقي، ويُثير تساؤلات جدية حول الشر الملموس في حياة الإنسان.
خامساً: الموقف الجبري – نفي الفاعلية الإنسانية
تنفي الجبرية أي فاعلية حقيقية للإنسان، وترى أنه مجرد آلة تنفيذ لقضاء الله وقدره، لا يملك من أمره شيئاً. وهذا الموقف يرفضه المعتزلة رفضاً قاطعاً لأنه: (أ) يُلغي التكليف الشرعي من أساسه؛ إذ كيف يُكلَّف من لا إرادة له؟ (ب) ينقض العدالة الإلهية في العقاب؛ إذ كيف يُعاقَب من لم يملك الاختيار؟ (ج) يُفضي إلى نهيلية أخلاقية شاملة.
ويُلاحَظ أن الجبرية الخالصة لم تكن تياراً سائداً في أوساط العلماء، بل كانت موقفاً هامشياً أثّر في الوعي الشعبي من خلال سوء فهم بعض النصوص المتعلقة بالقدر.
سادساً: الإسهامات الغربية في إشكالية الحرية والحتمية
1. كانط – الأخلاق المستقلة والحرية كشرط للمسؤولية
يُقدّم إيمانويل كانط في "نقد العقل العملي" (1788) موقفاً لافتاً: الحرية ليست حقيقة تجريبية يمكن إثباتها أو نفيها علمياً، بل هي "افتراض ضروري" (Necessary Postulate) للأخلاق. بمعنى: لو لم يكن الإنسان حراً لما كانت المسؤولية الأخلاقية ممكنة، ولما كان للأمر الأخلاقي (Categorical Imperative) أي معنى. وهذا يتقاطع مع الموقف المعتزلي في جعل الحرية شرطاً ضرورياً للتكليف والعدل.
لكن كانط يذهب أبعد بتمييزه بين العالمين: عالم الظاهرة (Phenomenal World) الخاضع للحتمية الطبيعية، وعالم الشيء في ذاته (Noumenal World) الذي تنتمي إليه الإرادة الحرة. الإنسان ككائن عاقل ينتمي إلى كليهما: جسده في عالم الحتمية، وإرادته الأخلاقية في عالم الحرية. وهذا التمييز يفتح أفقاً للجمع بين الحتمية الطبيعية والحرية الأخلاقية دون تناقض.
2. سارتر – الحرية المطلقة والوجود يسبق الماهية
في المقابل، يذهب جان بول سارتر إلى النقيض التام: الإنسان "محكوم بالحرية" – يُقذف في العالم بلا طبيعة ثابتة ولا جوهر مُسبَق، ومسؤول عن كل ما هو عليه. "الوجود يسبق الماهية" تعني أن الإنسان لا يملك طبيعة محددة سلفاً تُقيّد خياراته، بل هو يُؤسِّس طبيعته بخياراته.
ومن منظور إسلامي، يُصطدم هذا الموقف بمشكلة الفطرة: الإسلام يُقرّ بوجود طبيعة فطرية أصيلة للإنسان (الفطرة) تُشكّل إطاراً لحريته دون أن تُلغيها. فسارتر يقول: لا طبيعة أصلاً. والمعتزلة يقولون: ثمة طبيعة، لكنها لا تُجبر. والاستخلافية تقول: ثمة فطرة مزدوجة، والحرية هي ترجيح أحد قطبيها.
3. فيكتور فرانكل – اللوغوثيرابيا ومعنى الحرية
يُقدّم فيكتور فرانكل في "الإنسان يبحث عن المعنى" (1946) شهادة حية وفلسفية في آن: حتى في أقسى ظروف الجبر الخارجي (معسكرات النازية)، يحتفظ الإنسان بهامش من الحرية الداخلية – حرية اختيار موقفه من الوضع، حرية إيجاد معنى في المعاناة. وهذه الحرية الداخلية هي ما يُسمّيه فرانكل "الفضاء بين المثير والاستجابة" (Space between Stimulus and Response).
هذا الموقف يتقاطع تقاطعاً عميقاً مع النموذج الاستخلافي: النفس اللوامة هي تحديداً هذا "الفضاء" الذي يتوقف فيه الإنسان ليُراجع، ويحاسب، ويختار. والاستخلاف هو تعظيم هذا الهامش من الحرية الداخلية وتحويله إلى مشروع وجودي.
◈ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان.
صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز
هذا الحديث النبوي الشريف يُؤسِّس – في جملة قصيرة – لفلسفة عملية متكاملة: الفاعلية (احرص، استعن)، والتسليم (قدَّر الله)، ورفض قعود الندم العقيم (فإن لو تفتح عمل الشيطان). وهي ذاتها قضية علم النفس الاستخلافي.
سابعاً: إشكالية الشر والعدل الإلهي – تحليل مقارن
تظل إشكالية الشر (Theodicy) من أعقد الاختبارات الفلسفية لأي منظومة دينية. ويمكن تصنيف مناهج معالجتها في الفكر الإسلامي والغربي كما يلي:
المنهج المضمون نقاط الإشكال
المنهج المعتزلي الشر الأخلاقي من الإنسان وحده. الله لا يُريد الشر ولا يخلقه. من أين الشر الطبيعي (الزلازل، الأوبئة)؟
المنهج الأشعري كل شيء بإرادة الله؛ الشر له حكمة مخفية. ما عُدَّ شراً فهو خير بنظر الله. يجعل مفهوم العدل الإلهي متناقضاً ظاهرياً.
المنهج الفلسفي الشر نقص وجودي؛ العالم أفضل الممكنات. لا يُعالج ألم الفرد الملموس.
Theodicy اللايبنتزية عالمنا أفضل العوالم الممكنة في علم الله. فولتير ورد عليها بزلزال لشبونة 1755.
منهج فرانكل الشر فرصة لإيجاد المعنى؛ الحرية تُولد المعنى من المعاناة. لا يُجيب على لماذا الشر، بل كيف نتعامل معه.
المنهج الاستخلافي الشر نتاج اختيار حر + اختبار إلهي. الشيطان عامل إغواء لا علّة حتمية. يجمع بين المسؤولية الفردية والبعد الغيبي.
ثامناً: خلاصة القسم الأول
قدّم الفكر الكلامي الإسلامي والفلسفي محاولات جليلة لفهم علاقة الإنسان بالإله في قضية القدر. غير أن هذه المحاولات جميعاً تظل – بدرجات متفاوتة – محصورة في إطار الجدل حول "الجبر والاختيار" بوصفه ثنائية منطقية لا وجودية. المعتزلة قدّموا أكثر الحلول عقلانيةً وأخلاقيةً، والأشاعرة قدّموا أكثرها محافظةً عقديةً، والفلاسفة قدّموا أكثرها تجريداً ميتافيزيقياً، والجبرية أقلّها تماسكاً منطقياً وأخلاقياً.
وتأتي الفلسفة الغربية الحديثة (كانط وسارتر وفرانكل) لتُثري المشهد بأبعاد جديدة: الحرية كافتراض أخلاقي ضروري (كانط)، والحرية كمواجهة رادكالية لعدمية الطبيعة (سارتر)، والحرية كمساحة داخلية يُنقذها المعنى (فرانكل). لكن هذه الإسهامات الغربية تفتقر بدورها إلى ما يُقدّمه النموذج الاستخلافي: رؤية وجودية متكاملة تجمع بين البنية الفطرية والمسؤولية الوجودية والغاية الاستخلافية.
القسم الثاني: القضاء والقدر في ضوء علم النفس الاستخلافي
تمهيد: من ثنائية الجبر والاختيار إلى هندسة الفطرة والمسؤولية
ينطلق علم النفس الاستخلافي للباحث عبد السلام الزراع من أرضية مختلفة تماماً عن الجدل الكلامي التقليدي. فبدلاً من الانشغال بسؤال "هل الإنسان مجبور أم مخير؟" – وهو سؤال ثنائي قد يؤدي إلى طريق مسدود نظري – يطرح النموذج سؤالاً وجودياً أكثر إنتاجيةً وعمقاً:
كيف يمكن للإنسان أن يوظّف حريته لتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض؟
وكيف يمكن لفطرة الله التي فطر الناس عليها أن تكون إطاراً للحرية لا سجناً لها؟
هذا التحوّل في صياغة السؤال هو في حدّ ذاته منهجيٌّ وعلاجيٌّ: فبدلاً من البحث عن إجابة نظرية حول طبيعة الحرية، يُوجّه النموذج الإنسانَ نحو توظيف حريته توظيفاً استخلافياً، تاركاً الجدل الكلامي لأهله.
يرتكز النموذج الاستخلافي على خمسة مفاهيم محورية متشابكة:
المفهوم التعريف دوره في قضية القدر
الفطرة المزدوجة الفجور والتقوى كاستعدادين فطريين متضادّين أودعهما الله في النفس الإنسانية تُحدّد إطار الحرية: الإنسان مخيَّر بين قطبين وجوديين
مستويات النفس الأمارة (الميل للهوى) → اللوامة (المحاسبة) → المطمئنة (السكينة) تُصوّر مسار الحرية المسؤولة نحو الاستخلاف
الأضلاع الثمانية شبكة الديناميكيات النفسية بين المستويات وبينها وبين البعد الرابع تُشكّل خريطة الاختيار والنتيجة
البعد الرابع الشيطان (الإغواء) والرحمة الإلهية (التوفيق)، غير مُجبِران يُوضّح أن الشر اختبار لا حكم مسبق
الاستخلاف الغاية الوجودية للإنسان: عمارة الأرض بالعدل والإحسان يُحوّل قضية القدر من نظرية إلى مشروع وجودي
أولاً: الفطرة كنظام تشغيل أخلاقي – تحليل معمّق
1. الفطرة المزدوجة بين القرآن وعلم النفس
في علم النفس الاستخلافي، الإنسان ليس "مضطراً" ولا "مطلق الحرية" في فراغ، بل هو مفطور على استعدادات متضادة (الفجور والتقوى).
❝ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ❞
(الشمس: 7-8)
ملاحظة لسانية-دلالية دقيقة: الفعل "أَلْهَمَ" في الآية يختلف جذرياً عن "أَجْبَرَ" أو "خَلَقَ". الإلهام هو إيداع الاستعداد والبصيرة في النفس، لا فرض سلوك بعينه. ولذلك جاء الفعل بالبناء للمعلوم (الله ألهم) مع الإبقاء على حرية النفس في ما تختار. ثم جاء التفريق الصريح: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} – فالتزكية والدسّاوة فعلان للإنسان، والفلاح والخيبة عاقبتان. الإلهام فطرة، والتزكية اختيار.
وهذا التحليل القرآني يُقدّم "نظرية الحرية المؤطَّرة" بشكل مُكثَّف: الإنسان مُقيَّد بالفطرة (لا يستطيع الخروج عن كونه إنساناً فاجراً/تقياً بالاستعداد)، لكنه حر في ترجيح أيّهما على الآخر. وهذا أدقّ وأعمق من ثنائية "مجبور/مخير" التي شغلت المتكلمين.
2. الفطرة في مقابل المقاربات الغربية
إذا قارنّا مفهوم الفطرة الاستخلافي بنظيراته الغربية، تجلّى الفارق الجوهري:
الإطار الفكري موقفه من الطبيعة الإنسانية المشكلة
سارتر (الوجودية) لا طبيعة أصلاً. الوجود يسبق الماهية. حرية بلا مرساة تؤدي إلى قلق وجودي (Angst) لا نهاية له.
فرويد (التحليل النفسي) طبيعة مزدوجة: Eros وThanatos (غريزة الحياة والموت). حتمية غريزية لا تُتيح إلا هامشاً ضيقاً للحرية.
كانط (العقلانية) الإنسان لديه ميل للشر الجذري (Radical Evil)، لكن يستطيع العقل تجاوزه. الشر الجذري يبقى غامضاً من حيث منشؤه.
فرانكل (اللوغوثيرابيا) الإنسان يحمل إرادة معنى (Will to Meaning) لكنها ليست الوحيدة. لا يُجيب على السؤال الأنطولوجي: من أودع إرادة المعنى؟
الاستخلافية فطرة مزدوجة (فجور وتقوى) أودعها الله. إطار وجودي لا قيد وجودي. يجمع الجواب على الأصل (الله) والإطار (الفطرة) والحرية (الاختيار).
ثانياً: مستويات النفس – هندسة الحرية المسؤولة
1. النفس الأمارة – حضور الفجور وغياب المحاسبة
النفس الأمارة هي المستوى الذي تغلب فيه الاندفاعية وتسود أهواء الفجور. وفي سياق القدر والحرية، النفس الأمارة ليست "مجبورة" على الانحدار؛ بل هي في حالة غياب عن وظيفة المحاسبة. فالإنسان "الأمّار" يختار بالفعل، لكن اختياره يجري دون وقفة تأملية تكشف له حقيقة ما يختار. وهذا ما يُسمّيه علم النفس المعرفي الحديث بـ "تحيّز الحاضر" (Present Bias) أو الاختيار المدفوع بالمكافأة الفورية.
2. النفس اللوامة – الحرية في فعلها الأعمق
النفس اللوامة هي نظام المحاسبة الذاتي الذي يُمكّن الإنسان من ثلاث قدرات جوهرية:
أ. تمييز الخطأ بعد وقوعه – وهو ما يفترض وجود معيار أخلاقي فطري.
ب. الشعور بالندم – وهو وجع وجودي يكشف أن الإنسان يشعر بأن اختياره كان حراً.
ج. العزم على التصحيح – وهو فعل مستقبلي يُثبت أن الحرية لم تنقضِ بعد فعل الخطأ.
وهنا يبرز الارتباط العميق بين النفس اللوامة وقضية القدر: لو كان الإنسان مجبوراً تماماً، لما كانت للوامة وظيفة وجودية – إذ لا معنى للندم على فعل لم تُرِده. ولو كان حراً بلا حدود (كما في الوجودية السارترية)، لما كانت اللوامة تبحث عن معيار تحاسب بموجبه. وجود النفس اللوامة دليل على أن الإنسان حر، لكن حريته مسؤولة ومؤطَّرة بالفطرة.
❝ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ۞ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ❞
(القيامة: 1-2)
اللافت أن الله أقسم بالنفس اللوامة في سياق الحديث عن القيامة والحساب. وهذا يُشير إلى أن النفس اللوامة هي القاسم المشترك بين الحرية (في الدنيا) والمسؤولية (في الآخرة). إنها الجسر الذي يصل بين الاختيار والمحاسبة – وهو تحديداً ما يُؤسّس له علم النفس الاستخلافي.
3. النفس المطمئنة – غاية الحرية
النفس المطمئنة هي وجهة الحرية الاستخلافية، لا نقيضتها. فالسكينة والاطمئنان ليسا حالة "جبر" أو "سلبية" بل هما ثمرة الاختي يتبع في خانة المكتبة .......